المقدّم عزيز الأحدب آخر مديري "البوليس" في لبنان

منبر 04-12-2024 | 07:11

المقدّم عزيز الأحدب آخر مديري "البوليس" في لبنان

كان المقدم المغوار يُحسن اختيار عناصره ويسهر على تدريبهم، وألزمهم بممارسة الرياضة وتنفيذ تمارين رماية فكانوا يتميزون بخفة الحركة وإتقان القتال المتقارب، وسرعة السيطرة على المشاغبين في الشارع.
المقدّم عزيز الأحدب آخر مديري "البوليس" في لبنان
اللواء الأحدب في مكتب قيادة الشرطة القضائية 2005
Smaller Bigger

العميد المتقاعد  أنور يحيى*


استمرّت "مديرية البوليس" بمهام حفظ الأمن والنظام في المدن اللبنانية، منذ بداية الانتداب الفرنسي على لبنان (1918-1943)، فيما تولّى "فيلق الدرك" مهام الأمن خارجها، كما هي الحال في فرنسا.

كانت أفواج الجيش اللبناني بإمرة القادة الفرنسيين، حتى ظهر كجيش وطنيّ مع مؤسسه الزعيم  فؤاد شهاب بتاريخ 1/8/1945 وباشر مهامه العسكرية، إضافة إلى قوى الدرك، ومديرية الشرطة ومديرية الأمن العام المُنشأة حديثاً مع مؤسّسها المفوض في التحرّي إدوار أبو جودة 1945.

كانت مديرية الشرطة تضمّ: الشرطة الإدارية، وهي عبارة عن  مخافر أمنية وشرطة بلدية وسير، إضافة إلى البوليس العدلي ويضمّ فرق التحرّي، أدلة جنائية، فرقة الأخلاق، سجل عدلي وتعمل بإشراف القضاء، كضابطة عدلية مكلّفة بالتصدّي للجريمة.

تسلّم اللواء فؤاد شهاب، قائد الجيش اللبناني، رئاسة الجمهورية أواخر أيلول (سبتمبر) 1958، نتيجة ثورة مسلحة قادها زعماء خسروا انتخابات 1957، وتركّزت في العاصمة بيروت والشوف، فانخرط القسم الأكبر من عناصر المديرية فيها يدعمون الزعيم الراسب في الانتخابات في وجه الرئاسة لأسباب عديدة.
أضحى بعض رجال الشرطة وبعض مفوّضيها كميليشيا مسلّحة وعناصر فاسدة، تنتظر من يعيدها إلى الانضباط وتنفيذ القانون وتأمين سلامة الناس.

بعد أيام قليلة من تسلّم الرئيس شهاب مقاليد الرئاسة، استدعى المقدّم المغوار عزيز الأحدب، ضابط رياضة ورماية الجيش اللبناني، تخرّج برتبة ملازم من المدرسة الحربية في حمص 1937، وكلّفه إدارة مديرية الشرطة (مرسوم رقم 8 تاريخ 3/10/1958) ليجمع عناصرها ويسهر على أمن العاصمة ويعيد هيبة الدولة، وينشر الأمن الوطني الذي أفتقده السكان في زمن الثورة المسلحة، وقد تسلّمها من سلفه المحامي صلاح اللبابيدي وباشر فوراً بتجميع عناصرها وإعادة تدريبهم ومحاسبة الفاسدين ونفخ الروح الوطنية فيهم ومكافحة الفساد وتطبيق مبدأ الثواب والعقاب في وجه الجميع.

جاء المقدّم المغوار بعزيمة وتصميم لنشر الأمن الشرعي بين الناس وتطبيق القانون ومحاسبة الفاسدين والمقصّرين، فعرض على الرئيس شهاب استحداث مجموعة من فتيان الشرطة تخضع لتدريب لدى المغاوير، كما هو، على أن يتمّ تزويدها بالعتاد اللازم: جيبات خفيفة وسريعة، بنادق كرابين أتوماتيكية، لباس مميز (جزمة بنية، باريه حمراء مكتوب عليها: ف 16 تبعاً لرقم طلب النجدة في العاصمة) تتولى تصفية الحوادث بسرعة تدخلها وتنقل المشتبه بهم إلى المخفر المختصّ للتحقيق اللازم. وافق الرئيس شهاب على فكرة المقدّم واستُحدثت الفرقة بقيادة النقيب علي الحسيني وساهمت بنشر هيبة الدولة واختصار عدد الحوادث، ودبّ الرعب في قلوب المجرمين والمشاغبين.

سهر الأحدب لتنسيق عمل الشرطة القضائية ومع المخافر المنتشرة وكان يتفقد نشاط التحري والمخافر متخفياً بأشكال وشخصيات متعددة للوقوف شخصياً على تنفيذ أوامره وتجرد العناصر ومكافحة الفساد، بدعم مباشر من الرئيس شهاب ووزير الداخلية بحينها الأستاذ ريمون أده، الذي غالباً ما كان يشارك الأحدب في تنفيذ مهمات أمنية خطرة: توقيف مطلوبين، قمع تظاهرة غير مرخصة، تأمين السير لسكان العاصمة وغيرها. لم يهب أخطر العصابات المدعومة، وشارك شخصياً بتوقيف إبراهيم النابلسي (التكميل) الذي خطف مواطنَين مسيحيَّين كانا في طريقهما من الأشرفية إلى المطار، وقتلهما لأسباب طائفية، وأخفى الجثتين في بئر في محلة المصطيبة، فترأس مجموعة من الفرقة 16 وأقتحم مقرّ إبراهيم وأوقفه قبل أن يتمكّن من استخدام سلاحه المُلقّم. أعدم التكميل لاحقاً وهدأت نفوس سكان الأشرفية.

كان المقدم القادم من الجيش اللبناني إلى مديرية الشرطة، ممتلئاً نشاطاً واندفاعاً لتطبيق القانون بوجه صاحب النفوذ قبل الضعيف وزرع الشعور الوطني بين رجاله بدلاً من الولاء للزعيم السياسي.

كان يترأس مع المفوضين أخطر العمليات الأمنية ويسهر على تنفيذ الأمن الوقائي Preventive  security  لمنع ارتكاب الجرائم، فأنزل صور المرشحين إلى انتخابات 1960، بمن فيهم أصحاب النفوذ، بعد عراك بين أنصار المرشحين وسقوط ضحايا.

شكا أحد الوزراء النافذين إلى الرئيس شهاب إصرار الأحدب على تنفيذ القانون ورفع سيارته الخاصة وتحمل رقم حكومي، من أمام ملهى في محلة الزيتونة، اعتاد السهر فيه، والمتوقفة في مكان ممنوع، لكن الرئيس وقف إلى جانب المقدم الشجاع والمستقيم السيرة والوطني وحسن تنفيذ القانون على الجميع.

رغم عديد مديرية البوليس المحدود، تصدّى مع رجاله  في شباط (فبراير) 1959 لمظاهرة قادمة من المصيطبة نحو الصيفي، مقرّ حزب الكتائب، وبينهم مسلحون، وكان الحزب مستعداً للمواجهة والاشتباك معهم، فردهم إلى البسطة وسيطر على الوضع ومنع الاحتكاك وسفك الدم، فأصدر وزير الدفاع الوطني الأستاذ رشيد كرامي تنويهاً بالمقدّم الأحدب ومنحه وسام الحرب تقديراً لشجاعته وبثّ روح الإقدام والتضحية في صفوف الشرطة التي أصبحت مرهوبة الجانب.

كان المقدم المغوار يُحسن اختيار عناصره  ويسهر على تدريبهم، وألزمهم بممارسة الرياضة وتنفيذ تمارين رماية (مسدس وبندقية) فكانوا يتميزون بخفة الحركة وإتقان القتال المتقارب، وسرعة السيطرة على المشاغبين  في الشارع.

عالج موضوع اختناق شوارع العاصمة الضيقة بالسيارات، وفي عهده تمّ تدشين أول شارة ضوئية في لبنان، ساحة البرج. أمّا الشرطة القضائية التي ترأسها المفوض العام داغر، فقدّمت إنجازات عديدة ومنها: إلقاء القبض على عصابة أرتين الأسمرالتي أرعبت منطقة النهر، وفرضت الخوات دون خوف، إلقاء القبض على عصابة درويش بيضون التي حاولت نسف منزل الرئيس صائب سلام في العاصمة، وغيرها من الأحداث وقد منحه وزير الداخلية الأستاذ كمال جنبلاط ميدالية الجدارة لشجاعته في التصدّي لأخطر العصابات المسلحة ما أدّى إلى استتباب الأمن ومكافحة الجريمة.

تعرّفت إلى العميد الركن عزيز الأحدب كقائد للمدرسة الحربية وأنا بصفة تلميذ ضابط (1971-1974)، ولاحقاً كعميد أول متقاعد أثناء خدمتي في مفرزة طرابلس القضائية 1989 حيث كان يزور المفرزة ونستمع إلى خبرته في مديرية البوليس. ثمّ زارني مهنئاً في مكتبي كقائد للشرطة القضائية 2005 واكتسبت منه الخبرات المفيدة لخدمة الأمن الوطني.

انتهى عصر مديرية الشرطة مع صدور المراسيم الاشتراعية 1959، مع ترتيبات الرئيس شهاب، وظهرت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، مرسوم اشتراعي رقم 138/59، وضمت:
1- وحدة الدرك
2- وحدة شرطة بيروت
3- وحدة الشرطة القضائية
4- وحدة المعهد 

أكمل المقدم عزيز الأحدب إدارة الأمن في العاصمة حتى أيلول (سبتمبر) 1962، حيث عاد إلى الجيش اللبناني، وتولى مهام عديدة ختمها في قيادة موقع بيروت (1973-1976) وكان بطل حركة انقلاب 11 أذار (مارس) 1976 محاولاً إنقاذ الجيش من الشرذمة ولتعديل الدستور لسرعة انتخاب رئيس للبلاد.
تبقى إنجازات المقدّم الأحدب، مدير الشرطة، محفوظة في سجل التنويهات والأوامر العامة التي تُحفظ مؤبداً في قطعات قوى الأمن الداخلي كافة، وتُذكّر الأجيال القادمة بما قام به السلف الصالح.

التراث الأمني في لبنان عريق ومُشرِّف، حيث الشهداء والجرحى وقادة وعناصر نفتخُر بما قدّموه في أصعبِ الظروف. لكن هل تعرّف قادة القطعات الأمنية، بهذا الزمن، إلى إنجازات وتراث من سبقهم في خدمة أمن الوطن؟
*قائد سابق للشرطة القضائية

 

الأكثر قراءة

شمال إفريقيا 8/19/2026 9:44:00 AM
حضرت سيارات الإسعاف لنقل الضحية إلي المستشفى.
اقتصاد وأعمال 8/19/2026 3:24:00 PM
شطب الأصفار قد يجعل التعامل بالليرة أكثر سهولة، لكنه لا يعيد إليها الثقة. فاستعادة هذه الثقة تتطلب معالجة الأسباب التي أدت إلى انهيارها، لا إعادة ترتيب الأرقام على الأوراق النقدية.
رياضة 8/19/2026 9:09:00 AM
نجم كرة القدم البرازيلي "نطق الشهادتين وأصبح مسلماً"، كتبت حسابات مع الصورة.