الانتخابات الأميركية... حين تختار الأقلية مرشحي الأغلبية
فيما يصوّت الأميركيون الثلاثاء لاختيار أعضاء الكونغرس، تكون خياراتهم قد تحددت قبل أشهر في انتخابات تمهيدية لم يشارك فيها سوى 23 بالمئة من الناخبين المؤهلين
روبرت جي. بوترايت،
أستاذ العلوم السياسية في جامعة كلارك الأميركية
تُعدّ الولايات المتحدة واحدةً من الدول القليلة في العالم التي تعتمد الانتخابات التمهيدية لاختيار مرشحي الأحزاب لجميع المناصب تقريباً، على مستوى الولايات والمستوى الفيدرالي. ورغم أن هذه الانتخابات قد تبدو لكثيرين وسيلةً ديموقراطيةً لاختيار المرشحين، فإنها تُدخل عنصراً من العشوائية إلى العملية الانتخابية، بما قد يفضي إلى نتائج غير ديموقراطية. ويعود ذلك إلى ثلاثة أسباب.

مشاركة محدودة ونتائج لا تعكس إرادة الناخبين
أولاً، تتسم الانتخابات التمهيدية بانخفاض شديد في نسبة المشاركة. ففي الدورة الانتخابية الحالية، لم يشارك في الانتخابات التمهيدية سوى 23 بالمئة من الناخبين المؤهلين للتصويت. وكما أوضحت في كتابي الأخير "مشكلة ناخبي الانتخابات التمهيدية" (The Problem with Primary Voters)، فإن ضعف المشاركة يعني أن من يدلون بأصواتهم في هذه الانتخابات لا يمثلون عموم الناخبين، ولا حتى ناخبي أحزابهم تمثيلاً دقيقاً.
كذلك، فإن ما يقرب من نصف المشاركين في الانتخابات التمهيدية، في أي دورة انتخابية، لم يكونوا قد شاركوا فيها قبل أربع سنوات. وهذا يجعل من الصعب على المرشحين قياس اتجاهات الرأي العام بالاستناد إلى تركيبة المشاركين في هذه الانتخابات، حتى لو حاولوا ذلك.
ثانياً، يفوز في الانتخابات التمهيدية، في معظم الولايات، المرشح الذي يحصل على أكبر عدد من الأصوات، حتى إن لم ينل الأغلبية المطلقة. ويعني ذلك أنه في المنافسات التي تضم عدة مرشحين، وهي شائعة في السباقات التي لا يخوضها شاغل المنصب الحالي، قد يفوز مرشح ما كان ليفوز لو خاض منافسةً ثنائيةً مع أحد منافسيه.
وقد اقترح بعض دعاة الإصلاح اعتماد نظام التصويت التفضيلي، الذي يرتّب فيه الناخبون المرشحين بحسب الأفضلية، أو آلية أخرى تضمن حصول الفائز على تأييد واسع. غير أن معارضي هذه المقترحات يرون أنها قد تُربك الناخبين.
المال السياسي والخوف من الخروج على مواقف الأحزاب
ثالثاً، كانت للتحولات في قوانين تمويل الحملات الانتخابية الأميركية آثار ضارة بصورة خاصة على الانتخابات التمهيدية. فقد أدى ظهور "لجان العمل السياسي الكبرى" (Super PACs)، وهي منظمات تستطيع جمع الأموال وإنفاق مبالغ غير محدودة على الانتخابات، شريطة ألا تنسّق مباشرةً مع المرشحين، إلى زيادة مخاوف المشرّعين الحاليين من خسارة الانتخابات التمهيدية إذا انخرطوا في تسويات بين الحزبين.
ففي حين تقوم الانتخابات العامة في الولايات المتحدة، في كثير من الأحيان، على اختيار الناخبين بين الأحزاب، يفتقر الناخبون في الانتخابات التمهيدية إلى هذا المؤشر الذي يسترشدون به، ما قد يمنح الإنفاق الانتخابي تأثيراً أكبر.
ويكفي أن يخسر عدد محدود من شاغلي المناصب انتخاباتهم التمهيدية أمام منافسين أكثر تطرفاً سياسياً، حتى يتردد المشرّعون الآخرون في الخروج على المواقف السائدة داخل أحزابهم، أو تبنّي مواقف قد تُثير استياء كبار المانحين.
وعندما استُحدثت الانتخابات التمهيدية في الولايات المتحدة قبل أكثر من قرن، حذّر بعض معارضيها من عواقب كهذه. ومع ذلك، انتشرت هذه الانتخابات سريعاً، ويرجع ذلك جزئياً إلى تقديمها باعتبارها وسيلةً للحد من الفساد ومنح المواطنين صوتاً أقوى في الحياة السياسية.
ورغم أنها لم تحقق بالضرورة هذه الأهداف، فقد أثبتت قدرةً كبيرةً على الاستمرار، إذ اعترض الناخبون كلما حاولت الولايات الحد من استخدامها.
ولا شك في أن الانتخابات التمهيدية تضفي قدراً من الإثارة على الانتخابات الأميركية، لكن قلةً من الدول التي تُعدّ من أكثر دول العالم ديموقراطيةً أبدت حماسةً لاعتماد الأساليب الأميركية في اختيار المرشحين.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
بإطلالةٍ استحضرت تراث الكرك وحملت دلالات التضامن، لفتت الملكة رانيا الأنظار في مراسم خطاب العرش بـ "المدرقة الكركية".
نبض