لبنان وممر الهند- الشرق الأوسط- أوروبا: مغامرة جيوسياسية متسرّعة تصطدم بالمدى الحيوي السوري

آراء 04-11-2026 | 05:00

لبنان وممر الهند- الشرق الأوسط- أوروبا: مغامرة جيوسياسية متسرّعة تصطدم بالمدى الحيوي السوري

تتوقف قدرة لبنان على الاختيار والتفاوض من موقع متكافئ على إصلاح مؤسساته، واستعادة الثقة بها، وضمان الشفافية والمساءلة، ومكافحة الفساد والمحاصصة، وتعزيز استقلال القضاء...
لبنان وممر الهند- الشرق الأوسط- أوروبا: مغامرة جيوسياسية متسرّعة تصطدم بالمدى الحيوي السوري
مرفأ طرابلس (أرشيفية).
Smaller Bigger

* نزيه الخياط

 

سوريا بوابة رئيسية لإعادة تشكيل التوازنات في المشرق العربي ودول الجوار.
لا تُقاس القيمة الاستراتيجية للموقع الجغرافي بمجرد ما يتيحه من منافذ بحرية أو فرص للانضمام إلى مشاريع دولية، بل بقدرة الدولة على إدماجه في شبكة المصالح والممرات والأسواق المحيطة بها. ومن هنا، يطرح انضمام مرفأي بيروت وطرابلس إلى نادي موانئ ممر الهند– الشرق الأوسط– أوروبا (IMEC) سؤالاً جوهرياً: هل يستند التحرك اللبناني إلى رؤية متكاملة للتحولات الإقليمية، أم يكتفي بإعلان الحضور فيما تتحدد مسارات التجارة والنقل والطاقة من حوله، في ظل إعادة تشكيل الترابطات الجيوسياسية وموازين القوى والتحالفات في المشرق العربي؟

تحتل سوريا في هذا الحساب موقعاً لا يمكن تجاوزه؛ فهي المدى الحيوي البري للبنان، وبوابته إلى الأسواق العربية، وامتداده نحو العراق وتركيا وأوروبا. ولا تستطيع المرافئ اللبنانية تحويل موقعها البحري إلى ميزة مستدامة من دون شبكات نقل برية ومعابر مستقرة واتفاقات تسهّل حركة السلع والاستثمارات. ولا يعني ذلك منح دمشق حق النقض على خيارات بيروت، بل الإقرار أن استقلال القرار اللبناني يتطلب التنسيق حين تتداخل المصالح الجغرافية والاقتصادية.

 

أولاً: مطار القليعات واتفاق استجرار النفط العراقي إلى بانياس: دلالات المجال الحيوي السوري

تعكس قضية إعادة تفعيل مطار القليعات أهمية العامل السوري في حسابات المشاريع اللبنانية ذات الامتدادات الإقليمية. فجدوى هذه المشاريع لا تتحدد بالقرار الداخلي وحده، بل تتأثر بالبيئة السياسية والجغرافية المحيطة ومدى قدرة لبنان على بناء علاقات تعاون مع دول الجوار.

ويكتسب اتفاق استجرار النفط العراقي إلى بانياس دلالة إضافية، إذ يكشف أن الممرات الاقتصادية وشبكات الطاقة لا تُبنى على الاعتبارات الجغرافية وحدها، بل تستلزم تفاهمات سياسية واتفاقات مسبقة. ومن هذا المنظور، لا يمثل التنسيق مع دمشق تفصيلاً ديبلوماسياً لاحقاً لإطلاق المشاريع اللبنانية، بل شرط لتقدير إمكاناتها الإقليمية وتحديد مساراتها ومصالحها المشتركة.

وينطبق ذلك على المرافئ؛ فالتنافس في ما بينها يرتبط بقدرتها على خدمة الأسواق والاتصال بشبكات الطرق والسكك الحديد والمعابر. وإذا استعادت سوريا دورها ممراً يربط الخليج بالعراق وتركيا وأوروبا، فقد يتيح ذلك للبنان فرصاً جديدة، لكنه قد يزيد المنافسة أيضاً إذا لم يؤسس علاقته بهذا المسار على التكامل وتبادل المصالح.

لذلك، تتمثل المصلحة اللبنانية في التفاوض مع دمشق على كيفية الاستفادة من شبكات النقل والطاقة الإقليمية، لا في الاعتراض على تنامي دورها. فالمدى الحيوي ليس مجالاً للهيمنة بالضرورة، بل فضاء تتحدد قيمته بقدرة الدول المتجاورة على تنظيم مصالحها وشبكاتها الاقتصادية العابرة للحدود.

 

ثانياً: دخول لبنان نادي الموانئ: إعلان نيات متسرّع لا يرتقي إلى ضمانة للاندماج في الممر

في السادس من تشرين الأول/ أكتوبر 2026، وقّع مرفآ بيروت وطرابلس الإعلان المشترك للانضمام إلى "نادي موانئ IMEC" في نيودلهي. لكن ينبغي التمييز بين الانضمام إلى هذا النادي والمشاركة التنفيذية في الممر الاقتصادي نفسه. فالنادي منصة للتعاون وتبادل الخبرات، ولا يعني توقيعه أن لبنان أصبح طرفاً في مذكرة التفاهم الحكومية الأصلية للممر، أو أن مساره التنفيذي سيعبر الأراضي اللبنانية، أو أن الاستثمارات ستتجه تلقائياً إلى مرفأيه.

ومن ثم، فإن تعزيز دور لبنان في التجارة الإقليمية والدولية يتطلب رؤية للممرات التي قد تربط الخليج بسوريا وتركيا وشرق المتوسط. وإذا تطورت مسارات برية بديلة أو مكملة للممر الأصلي عبر سوريا، فقد يؤدي تجاهلها إلى إضعاف قدرة المرافئ اللبنانية على استقطاب حركة التجارة.

ولا يفترض ذلك وجود رؤية سورية وعربية موحدة ونهائية للممرات، أو أن المسارات المقترحة ستتحقق حتماً. بل يستدعي التشاور مع دمشق والعواصم العربية المعنية، وتحديد موقع مرفأي بيروت وطرابلس في الخيارات المطروحة. فالانضمام إلى منصة تعاون لا يعوّض غياب استراتيجية للربط البري واللوجستي، ولا يحوّل المشاركة تلقائياً إلى مصلحة وطنية.

 

ثالثاً: الممرات الاقتصادية والسككية والطرقية في صميم التنافس الإقليمي والدولي

لا يمكن قراءة IMEC بمعزل عن التنافس بين القوى الكبرى. فالمشروع الذي يربط الهند بالخليج وأوروبا يحمل أبعاداً تجارية ولوجستية، لكنه يرتبط أيضاً بحسابات الولايات المتحدة بشأن سلاسل الإمداد، وموقع الهند في الاقتصاد العالمي، والتنافس مع الصين ومبادرة "الحزام والطريق".

وفي المقابل، تتيح الجغرافيا السورية إمكان بحث مسارات تربط الخليج بالعراق وسوريا وتركيا وصولاً إلى أوروبا. وقد تكمل هذه المسارات شبكات النقل الإقليمية أو تنافس بعضها، بحسب خيارات الدول المعنية. أما التوفيق بين المشاريع العربية والصينية، فهو احتمال يستحق الدراسة، لا حقيقة مكتملة يمكن البناء عليها من دون تفاوض وتمويل وبنية تحتية.

فالممرات تعيد توزيع الاستثمار والنفوذ والعوائد. لذلك، ينبغي للبنان أن يحدد كيف يتصل IMEC بمصالحه مع سوريا والعراق ودول الخليج وتركيا، وكيف يحافظ على علاقاته مع الهند والصين والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. والمطلوب ليس الاصطفاف خلف مشروع واحد، بل بناء قدرة تفاوضية تتيح الاستفادة من المسارات المتاحة من دون التحول إلى ورقة في صراعات الآخرين.

 

رابعاً: التسويات الإقليمية وصراع النفوذ في إعادة تشكيل التكتلات

في هذا المشهد، قد يبرز الانحياز إلى المسار الإسرائيلي، المنافس للبنان، خياراً محتملاً إذا أخفق لبنان في تثبيت موقعه من ضمن منظومة التكامل العربي، لكنه ليس حتمياً ولا يضمن تدفقات تجارية أو استثمارات. وإذا افتقر إلى توافق وطني واسع، فقد يفاقم الانقسامات الداخلية ويهدد الاستقرار، فضلاً عن احتمال تراجع التعاون مع دول عربية أو فرض بعضها إجراءات تقييدية، تبعاً لمواقفها ومصالحها. لذلك، ينبغي احتساب مخاطر هذا الخيار إلى جانب عوائده المفترضة، من دون افتراض مقاطعة عربية موحدة أو حتمية.

وتتوقف قدرة لبنان على الاختيار والتفاوض من موقع متكافئ على إصلاح مؤسساته، واستعادة الثقة بها، وضمان الشفافية والمساءلة، ومكافحة الفساد والمحاصصة، وتعزيز استقلال القضاء. فضعف الدولة المالي والإداري لا يقوّض قدرتها على إدارة المشاريع والوفاء بالتزاماتها فحسب، بل يحدّ أيضاً من قدرتها على اجتذاب الاستثمارات.

وقد يتعرض لبنان للتهميش حتى من دون مقاطعة عربية، إذا اتجهت الاستثمارات وشبكات العبور إلى دول أكثر قدرة على الوفاء بالتزاماتها، فيخسر فرص الاندماج في الممرات العربية من دون أن يضمن موقعاً شريكاً في المسار الإسرائيلي أو غيره.

من الإعلان الإعلامي إلى استراتيجية تكاملية مع الجوار السوري

لا تكمن معضلة لبنان في نقص الخيارات الجغرافية، بل في عدم قدرته السياسية والمؤسسية على الاستفادة منها. فموقعه البحري يؤهله للربط بين شرق المتوسط والأسواق العربية وأوروبا، لكن تحويل هذه الميزة إلى مصلحة وطنية يتطلب رؤية إصلاحية بنيوية تتجاوز إعلان المشاركة إلى بناء الشراكات وشبكات الربط الإقليمي.

لذلك، لا ينبغي أن تتحول المشاركة في IMEC إلى إعلان إعلامي رمزي يتجاهل المجال السوري، ولا أن يُختزل مستقبل لبنان في الاختيار بين المسار السوري والمسار الإسرائيلي. المطلوب استراتيجية تجمع بين التنسيق مع سوريا، والتكامل العربي، وإصلاح الدولة، وإقامة علاقات عملية مع الشركاء الدوليين.

وقد يفتح نجاح سوريا في ربط الخليج بالعراق وتركيا وأوروبا فرصاً للتكامل، لكنه يزيد كلفة غياب لبنان عن التفاهمات الإقليمية. ومع إعادة رسم خرائط الممرات، لا يكفي إعلان الرغبة في المشاركة؛ بل يتعين على لبنان تحديد موقعه والتفاوض قبل أن تُرسم وظيفة مرافئه واقتصاده وفق حسابات الآخرين. فالمشكلة ليست في الانفتاح على IMEC، بل في أن يسبق الإعلانُ الإصلاحات البنيوية وبناءَ استراتيجية تحوّل الفرصة إلى مصلحة وطنية مستدامة، وتحدد أيَّ لبنان نريد؟

 

*أكاديمي ـ باحث في الشؤون الجيوسياسية

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

فن ومشاهير 11/2/2026 11:33:00 AM
اشتعلت أزمة إلهام شاهين ومرتضى منصور إثر تصريحاته القاسية ضدها على خلفية مهرجان الجونة السينمائي، لترد النجمة بحسم على لجان "السوشال ميديا" والمنتقدين.
فن ومشاهير 11/3/2026 10:03:00 AM

بإطلالةٍ استحضرت تراث الكرك وحملت دلالات التضامن، لفتت الملكة رانيا الأنظار في مراسم خطاب العرش بـ "المدرقة الكركية".