طرابلس تزيل الغشاوة عن جلدها… والدور الآن علينا
في جوهرها، أرادت زيارة الرئيس أن تطمئن، وأن تؤكّد أنّ التغيير آتٍ. لكنّ الدولة لا تستطيع أن تنهض بمدينة لا تنهض بنفسها. لا يجوز أن نكتفي بالانتظار، ولا أن نعلّق كلّ شيء على المسؤولين. على طرابلس أن تتحرّك هي أيضاً، والآن.
د. جمانة شهال تدمري*
السبت الرابع والعشرين من تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، وقف رئيس الجمهورية العماد جوزف عون تحت قناطر أوسكار نيماير في معرض رشيد كرامي الدولي، وقال ما كنّا نقوله منذ سنوات: إنّ طرابلس قادرة على أن تكون نموذجاً للتلاقي والتعاون والنظر إلى المستقبل.
لم تكن هذه زيارة بروتوكولية عابرة، بل أول زيارة رئاسية للمدينة منذ أربعة عشر عاماً. وفي سرايا المدينة قالها بوضوح لا يحتمل التأويل: "عانت طرابلس كثيراً من الإهمال، وقد آن الأوان لوضع حدّ له".
الكل كان يعرف
لنكن صادقين: لم يكتشف أحدٌ طرابلس بالأمس، فالكل كان يعرف. كان يعرف أنّ في هذه المدينة نسيجاً مملوكياً فريداً، وقلعة صليبية، وأسواقاً وخانات وحمّامات ما زالت حيّة. وكان يعرف مرفأها على المتوسط، وسكة حديد افتُتحت عام 1911 نحو حمص، ومعرضاً دولياً من توقيع أحد أعظم معماريي القرن العشرين، وحِرفيين يحملون في أيديهم أسرار قرون. كان الجميع يعرفون أنّ طرابلس ليست عبئاً على لبنان، بل رصيدٌ مجمَّد.
عشرون عاماً وأنا أدافع عن هذه المدينة بالحجج نفسها التي سمعناها من أعلى سلطة في الدولة. طرقتُ الأبواب في بيروت وباريس، كتبتُ الرسائل، نظّمتُ المؤتمرات، رفعتُ العرائض. وكان الجواب في كلّ مرة إمّا صمتاً مهذّباً، وإمّا وعداً لا غد له.
لماذا؟ لأنّ طرابلس لم تكن يوماً متروكة مصادفة. لقد قالها الرئيس بنفسه من المعرض: ظُلمت هذه المدينة لعقود بإهمال الدولة وبعبث عصابات تتلطّى خلف السياسة، حتى استُبيحت وتحوّلت إلى صندوق بريد مظلم لتبادل الرسائل المسمومة.
كانت الجغرافيا السياسية تحتاج إلى مدينة تُستعمَل ولا تُبنى، تُحرَّك عند الحاجة وتُسكَّن عند انتهائها. وكان لبعض الفاعلين السياسيين في تلك المرحلة مصلحة واضحة في أن تبقى طرابلس فقيرة: فالمدينة الفقيرة خزّان انتخابي سهل، والمُهمَلة لا تحاسب، والخائفة لا تطالب. كلّ مشروع إنمائي كان يُعامَل كتهديد، وكلّ مبادرة ثقافية كترفٍ لا وقت له.
ومع ذلك، لم نتوقّف، ولم ننتظر إذناً من أحد. جمعيات، ومثقفون، ومعماريون، وأكاديميون، وحِرفيون، وأبناء انتشار، كنّا نزرع في أرضٍ قيل لنا إنها لا تُنبت. وثّقنا الأبنية والحِرف والذاكرة قبل أن تضيع. حملنا قضية معرض رشيد كرامي إلى المحافل الدولية حتى أُدرج على لائحة التراث العالمي. وأعدنا إليه الحياة بالموسيقى والضوء، يوم كان كثيرون لا يرون فيه إلا خراباً.
كان هذا العمل في الظلّ، لأنّ الضوء لم يكن مسموحاً. لكنّه لم يكن عبثاً. فحين يُفتح الباب، لا يدخل منه إلا من أعدّ ملفاته. واليوم، الملفات جاهزة.
مدينة تبدّل جلدها
رئيس الحكومة نواف سلام حرص على حضور الجلسة الأولى لمجلس إدارة معرض رشيد كرامي الدولي، في إشارة لم يفهمها كثيرون حينها: الدولة تعود إلى المعرض. ثمّ في حزيران الماضي، هبطت طائرته في مطار الرئيس رينيه معوّض في القليعات، ووُضع حجر الأساس لتأهيله وتشغيله بعد عقود من المطالبات. وفي أيار/ مايو، وقّع وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني، من مرفأ طرابلس، وثائق مناقصة تحديث خط سكة الحديد بين طرابلس والعبودية، المتوقّف منذ 1975. وفي أيلول، رعى سلام في السرايا الحكومية توقيع عقود ومذكرات تفاهم للمرفأ والمنطقة الاقتصادية الخاصة وسكك الحديد. واليوم، رئيس الجمهورية في المرفأ، وفي المنطقة الاقتصادية، وفي قصر العدل، وفي المعرض.
مرفأ، مطار، قطار، منطقة اقتصادية، ومعرض دولي على لائحة التراث العالمي. كلّ ذلك في أقلّ من عام. هذه ليست مصادفة، بل منظومة تولد.
لماذا أصبح ذلك ممكناً اليوم؟ لأنّ في البلاد سلطة تتصرّف كدولة، لا كوسيط بين الطوائف والمحاور، دولة تقول إنّ الإنماء حقّ لا منّة. ولأنّ الخريطة الإقليمية تتبدّل، فعادت طرابلس بموقعها ومرفئها وطرقها البرية حاجةً للبنان كلّه. ولأنّ العمل الصامت الذي قام به أبناؤها طوال سنوات الظلام جعلها جاهزة حين حانت اللحظة. فالفرصة لا تأتي إلا لمن أعدّ لها.
لكنّ الزيارات وحدها لا تصنع مدناً، والعبرة في الورش. وقد فهم نواف سلام ذلك حين نقل الوعد من الكلام إلى الميدان. وعلى هذا المقياس سنحكم على كلّ ما أُعلن.
والآن، دورنا
في جوهرها، أرادت زيارة الرئيس أن تطمئن، وأن تؤكّد أنّ التغيير آتٍ. لكنّ الدولة لا تستطيع أن تنهض بمدينة لا تنهض بنفسها. لا يجوز أن نكتفي بالانتظار، ولا أن نعلّق كلّ شيء على المسؤولين. على طرابلس أن تتحرّك هي أيضاً، والآن.
أن نخرج من منطق الزبائنية إلى منطق المواطنة.الصوت الانتخابي ليس ثمناً لخدمة أو وظيفة أو مساعدة موسمية. من يريد أن يمثّل طرابلس فليأتِ ببرنامج، لا بوعود انتخابية.
أن نحاسب
كلّ مشروع أُعلن يجب أن نتابعه: متى يبدأ، ومتى ينتهي، ومن يموّله، ومن ينفّذه. لا شيء يقتل المشاريع في لبنان أكثر من النسيان.
أن نرفض أن نعود صندوق بريد. لا للسلاح المتفلّت، ولا لمن يستعمل شبابنا وقوداً لرسائل الآخرين. أمن المدينة يبدأ من وعي أهلها.
أن نحمي الملك العام كما نحمي بيوتنا. أراضي سكة الحديد، والأبنية التراثية، والمعرض، والشاطئ. التعدّي على المال العام ليس شطارة، بل سرقة من أولادنا.
آمنتُ دائماً بأنّ الثقافة والتراث هما الأساس الذي تقوم عليه الدول، والجامع الذي يوحّد الشعوب. لا دولة بلا ذاكرة، ولا مستقبل لمدينة تجهل ما كانت عليه.
لقد وضع رئيس الجمهورية رسالته في صندوق بريد طرابلس. والجواب لن يُكتب في بيروت، بل هنا: في شوارعنا، وفي صناديق اقتراعنا، وفي ورشنا. طرابلس اليوم تبدّل جلدها، والتحوّل لحظة هشّة: إمّا أن يخرج منه كائن جديد، وإمّا أن يتعثّر. انتظرنا هذه اللحظة عشرين عاماً، ولن نسمح بأن تضيع.
إلى أهل طرابلس أقول: الباب مفتوح، فلنعبره بأقدامنا.
*رئيسة جمعية "تراث طرابلس – لبنان"، عضو مجلس إدارة معرض رشيد كرامي الدولي
نبض