طاولة البوسفور: اختبار التنسيق الأوروبي - الإقليمي

آراء 29-10-2026 | 19:30

طاولة البوسفور: اختبار التنسيق الأوروبي - الإقليمي

هي هواجس مشتركة بينها الأمن، لكنها مصالح مشتركة تشمل الطاقة والتجارة والتوازنات الإقليمية تدفع الجميع نحو طاولة إسطنبول بمبادرة تركية –المانية، لبحث ما يمكن فعله في مناطق تتزايد مشاكلها وتتفاقم أزماتها.
طاولة البوسفور: اختبار التنسيق الأوروبي - الإقليمي
اجتماع وزراء خارجية الدول الثماني في اسطنبول
Smaller Bigger

 

 سمير صالحة *



تتجاوز دلالة اجتماع الدول الثماني الذي عقد في إسطنبول قبل أيام حدود المكان إلى سؤال أكثر استراتيجية: هل تستطيع دول إقليمية فاعلة وأوروبية مؤثرة تلتقي للمرة الأولى في حوار من هذا النوع، أن تتعاون على حماية مصالحها المشتركة قبل أن تتفق على تفسير الأزمات التي تربكها؟

ثماني دول، تجمع أربعاً إقليمية هي تركيا ومصر والسعودية وباكستان، وأربعاً أوروبية هي ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا، تلتقي على ضفاف البوسفور، حيث تتقاطع الجغرافيات و تتداخل حسابات الماضي وقراءة الحاضر في محاولة لرسم معالم المستقبل.

 

هواجس مشتركة

 

هي هواجس مشتركة بينها الأمن، لكنها مصالح مشتركة تشمل الطاقة والتجارة والتوازنات الإقليمية تدفع الجميع نحو طاولة إسطنبول بمبادرة تركية –ألمانية، لبحث ما يمكن فعله في مناطق تتزايد مشاكلها وتتفاقم أزماتها. لم يكن التحدي جمع الأطراف حول طاولة واحدة، بل معرفة ما إذا كان تقاطع مصالحها قادراً على فتح طريق نحو تنسيق عملي، رغم اختلاف مواقفها من النزاعات التي تهدد تلك المصالح. 
وبين الحاجة إلى التعاون وضرورة تنسيق السياسات، تبرز دلالة طاولة البوسفور التي وصف وزير الخارجية الألماني نتائج أعمالها بأنها مثمرة وجاءت أبعد من التوقعات، وهو يقول إن اللقاء المقبل سيعقد في برلين. فهل تمهّد التهديدات والمخاطر المشتركة لصيغة تنسيق دائمة، أم يبقى التوافق عند حدود التشاور الديبلوماسي؟


لا تكمن دلالة اجتماع إسطنبول في جمع أربع دول أوروبية إلى أربع دول إقليمية فحسب، بل في اختبار ما إذا كان اختلاف دوائر التأثير قابلاً للتحول إلى مصدر للتنسيق بدلاً من أن يبقى عائقاً أمامه.

هذه الصيغة لا تستبدل الأطر الإقليمية القائمة، ولا تذيب اختلافات المشاركين في تكتل واحد، لكنها تفتح مساحة أوسع لتبادل المصالح والتقديرات. 

فالتوتر في هرمز وباب المندب، والمخاطر التي تواجه الملاحة في البحر الأسود، لا تبقى ارتداداتها محصورة على الأطراف المنخرطة، بل تمتد إلى اقتصادات المنطقة وأوروبا والأسواق الدولية. وهذا ما يعكس حقيقة أن مصالح الدول الثماني تتقاطع عند نقاط تتجاوز الحدود السياسية، وتمتد نحو أمن الممرات البحرية وتدفقات الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد.

 

تنسيق الجهود

 

لا تقرأ الدول المجتمعة في إسطنبول مصادر التهديد بالطريقة نفسها أو تتفق على وسائل التعامل معها، لكن الفرصة التي تتيحها طاولة البوسفور هي البحث عن مجالات يمكن فيها تنسيق الجهود، حتى عندما يتعذر توحيد المواقف السياسية.
تكشف مقارنة البيانين الصادرين عن الرباعي الإقليمي والدول الثماني في إسطنبول أن توسيع الطاولة لم يؤدِّ إلى تطابق كامل في صياغة الأولويات. ولا يثبت ذلك وجود خلاف داخل الاجتماع، بقدر ما يوضح أن توسيع مساحة الحوار لا يلغي خصوصية المسارات القائمة. من هنا، يمنح الاتفاق على استكمال الحوار في برلين هذه الصيغة فرصة لاختبار قدرتها على استيعاب اختلاف الأولويات والانتقال من التشاور إلى التنسيق العملي.

 

قد لا يكون التحول الأهم في جمع الدول الثماني حول طاولة واحدة، بل في اختبار إمكان الانتقال من تعدد الشراكات إلى تكامل وظائفها.
فبدلاً من أن يتحرك كل مسار إقليمي أو أوروبي بصورة منفصلة، قد تتيح هذه الصيغة تنسيقاً بين أدوات سياسية واقتصادية وأمنية مختلفة، من دون أن تفرض على المشاركين بناء تحالف موحد أو تبني مقاربة واحدة للأزمات.

لكن ذلك يتطلب أكثر من استمرار الاجتماعات؛ إذ يحتاج إلى تحديد ما يمكن التعاون بشأنه، وما يظل خارج نطاق التوافق، وكيف يمكن تحويل المجالات المشتركة إلى خطوات عملية.

لا تكمن قيمة طاولة البوسفور في العمل على توحيد مواقف الدول الثماني، بل في أنها أتاحت اختبار ما يمكن أن ينتجه تقاطع المصالح بين المسارين الإقليمي والأوروبي.
فهذه الصيغة لا تحتاج إلى توحيد الشراكات القائمة بقدر ما تحتاج إلى اختبار إمكان تكامل وظائفها. وبين إسطنبول وبرلين، سيبقى التحدي هو تحويل هذا الاحتمال من حاجة تفرضها التطورات إلى خيار تصنعه الدول، وتمنحه آليات المتابعة ما يكفي من الاستمرارية ليصبح مساراً.

 

*كاتب وأستاذ جامعي في تركيا

 

 

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 11/1/2026 7:02:00 PM
مشاهد لاتصال بين الرئيس السوري أحمد الشرع وآخر رئيس حكومة في عهد الأسد تكشف ترتيبات حماية مؤسسات الدولة وطمأنة السكان خلال الساعات الفاصلة قبل دخول المعارضة دمشق.
أوروبا 10/29/2026 10:18:00 PM
من بريطانيا وفرنسا إلى ألمانيا ودول الشمال الأوروبي والولايات المتحدة والهند وأستراليا، تتعدد توصيات الاستعداد للأزمات، من تخزين الطعام والمياه لعدة أيام إلى تجهيز حقائب الطوارئ تحسباً لتعطل الخدمات الأساسية والكوارث.
لبنان 11/1/2026 12:00:00 PM
معلومات "النهار" تشير إلى أن ممراً سريعاً داخل قاعة جديدة في مطار بيروت الدولي بات في مراحل تشييده الأخيرة، ويُتوقع أن تدخل هذه الخدمة حيز التنفيذ في غضون اسابيع .