لا تامبا ولا سامبا، العقدة في الداخل
لا تامبا ولا سامبا في المرحلة الحالية قادرة على العمل لفرض أي تسوية طالما أن لا تنازلات إقليمية... وتبقى حكومة لبنان وحيدة من ترقص "solo" على مفاوضات قد لا تأتي بالنتيجة.
عقدت اجتماعات عسكرية تقنية بين بيروت وتل أبيب، تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، في مقر القيادة المركزية الأميركية بمدينة "تامبا" بولاية فلوريدا، بهدف مراجعة تنفيذ اتفاق الإطار وبحث المناطق التجريبية المقرر انسحاب الجيش الاسرائيلي منها في جنوب لبنان.
رقص على طريقة "الهوارة"
تأتي هذه الاجتماعات بعد سلسلة من اللقاءات الثنائية المباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، من أجل إنهاء حالة الحرب الدائمة والذهاب نحو تسوية يعمل الجانب اللبناني على أن تضمن الانسحاب من جنوب لبنان وعودة النازحين وإعادة الإعمار وعودة الأهالي. في الوقت الذي يصرّح فيه المسؤول الإسرائيلي في أكثر من مناسبة أن الانسحاب يجب أن يرتبط بنزع سلاح الحزب من كامل الأراضي اللبناني، وهذا ما يكرس المعضلة بين "السلاح والانسحاب".
لم تأت اجتماعات تامبا على وقع رقص السامبا، تلك الرقصة اللاتينية التي تعد ملك رقصات التناغم الثنائي. إذ، تعتمد رقصة السامبا على لغة الجسد مع تنسيق التواصل بين الراقصين، كما تتطلب تركيزاً ذهنياً كاملاً لتوقّع خطوة الشريك التالية. فالحذر مطلوب بين الراقصين لتنسيق الحركات وإنجاح السامبا، لكن ليس هو نفسه الحذر المطلوب من الجانب اللبناني الذي عليه التنبه إلى تحركات العدو ومطالبه وخصوصاً أنه يعتبر أنه المنتصر في هذه الحرب ويستطيع من خلال التفاوض فرض شروطه.
رفض الوفد اللبناني في محادثات تامبا المطلب الإسرائيلي القاضي بإنشاء لجنة ثنائية مباشرة أو غرفة عمليات مشتركة للتنسيق والتحقق المباشر بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي في المناطق التجريبية. لقد حاول الراقص الإسرائيلي مباغتة اللبناني من خلال هذا المطلب، على اعتبار أن الموافقة اللبنانية يدفع إلى الاستغناء عن عمل قوة "اليونيفيل" أو أي قوة بديلة مرتقبة يطالب بها اللبناني، بهدف عدم خلق حالة من الفراغ يستفيد منها الإسرائيلي لفرض واقع لا مفر منه.
لم تخرج تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بتوسيع السيطرة على مناطق إضافية في جنوب لبنان عن سياق التأثير على مجريات اجتماعات تامبا. فهو لا يجد أنه الوقت المناسب لتقديم التنازلات في الوقت التي تشهد فيه الساحات الإسرائيلية استعدادات لانتخابات الكنيست في 27 تشرين الأول الجاري.
لم تشهد اجتماعات تامبا تناغماً وتنسيقاً في الحركات بل رقصاً على طريقة "الهوارة" حيث سيطرت على الاجتماعات لغة تبادل الاتهامات بين الوفدين العسكريين. إذ ذهب الوفد العسكري الإسرائيلي لاتهام الجيش اللبناني بالعاجز أمام "حزب الله"، حول منشأة "كفرا" (العسكرية الواقعة في بلدة كفرا جنوب لبنان) وشهد النقاش تبايناً حاداً وتعارضاً في الروايات بين الجيش الإسرائيلي الذي اتهم الجيش اللبناني بالتخاذل أمام "حزب الله" في هذا الموقع، في حين ردّ بيان الجيش اللبناني بأن الاعتداءات الاسرائيلية هي من أعاقت العمل.
لعبة "شدّ الحبال"
أعلن رئيس الوزراء الاسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في أكثر من مناسبة أنه لا يثق بالحكومة اللبنانية لنزع سلاح "حزب الله"، وأن هدف حكومته يبقى القضاء عليه. هذا ما يوضح عمق الخلاف بين المفاوض اللبناني والإسرائيلي، وأن لعبة "شدّ الحبال" تبقى المسيطرة على وقع التفاوض، وترتبط بالتعقيدات المسيطرة على مشهدية المنطقة حيث ترتفع لغة الحرب على أي لغة تسويات، وحيث الأميركي كما الإسرائيلي يعيش لحظة انتظار ما ستؤول اليه الانتخابات، وإلى إيراني يعمل على فرض مزيد من الضغط الاقتصادي على إدارة ترامب من أجل رفع أسعار الطاقة من خلال تكثيف استهداف سفن النفط العابرة مضيق هرمز، في الوقت الذي يريد فيه ترامب خفض الأسعار علّ ذلك يحسّن من حظوظ حزبه في أحد مجلسي، النواب أو الشيوخ.
ضبابية هي الحالة المسيطرة على المنطقة، وهذا ما ينعكس حتماً على لقاء تامبا، حيث بات الحذر ليس في إنجاح الرقصة، بقدر ما يرتبط بالوقع الإسرائيلي الذي يعمل على تحسين شروطه والتمسك بما كسبه في الحرب. ووسط تمسك "حزب الله" بسلاحه والذهاب بعيداً في تهديدات وجهت إلى الحكومة اللبنانية على خلفية قضية المتفجرات التي ضبطتها السلطات الأمنية ومطالبة الحزب بضرورة استعادتها.
لا تامبا ولا سامبا في المرحلة الحالية قادرة على العمل لفرض أي تسوية طالما أن لا تنازلات إقليمية لدى الايراني لتقديمها إلى الاميركي، ولا استعداد لليمين المتطرف الحاكم للانسحاب، إذ تبقى حكومة لبنان وحيدة من ترقص "solo" على مفاوضات قد لا تأتي بالنتيجة.
-المقاربة الواردة لا تعس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية
نبض