فكر شي جين بينغ في بيروت: الحزام والطريق والمبادرات العالمية الأربع
بعد خمسة وخمسين عاماً من العلاقات الديبلوماسية، يستحق التعاون اللبناني الصيني معرفة أوسع لدى المؤسسات والباحثين والجمهور.
وارف قميحة*
حين نتحدّث في لبنان عن التعاون مع الصين، ينصرف النقاش غالباً إلى ما يمكن أن تقدّمه من استثمارات وتقنيات ومشروعات. لكن بناء علاقة معها يحتاج أيضاً إلى معرفة الأفكار التي توجّه سياساتها: كيف تفهم التنمية؟ وما مسؤولية الدولة تجاه المجتمع؟ وكيف تنظر إلى مصالحها وصلتها بمصالح البلدان الأخرى؟
هذه أسئلة تستحق قراءة مؤلفات الرئيس شي جين بينغ ومناقشتها. وقد أعطتها ندوة "فكر شي جين بينغ... للصين والعالم"، التي انعقدت في بيروت في 16 تشرين الأول/ أكتوبر 2026، مساحة جمعت البحث في حوكمة الصين بمناقشة الحزام والطريق والمبادرات العالمية الأربع....
تنبع أهمية موضوع الندوة من الصلة بين التجربة الصينية الداخلية وما تطرحه الصين دولياً. فمؤلفات شي جين بينغ تعرض تصوّراً لإدارة الدولة، وتحديد أولويات التنمية، والتعامل مع التحوّلات الاجتماعية والاقتصادية. وتتناول كذلك موقع الصين في العالم ومسؤولياتها فيه، وقراءتها ضمن هذين المستويين تساعد على فهم المبادرات الدولية التي طرحها، والأفكار التي تستند إليها.
يحتلّ تحسين حياة الناس موقعاً أساسياً في هذه الرؤية. وتُطرح معه مسألة قدرة المؤسسات على تحويل الأهداف إلى نتائج في التعليم والصحة والعمل ومكافحة الفقر وحماية البيئة. وهي مسألة تهمّ القارئ اللبناني الذي يعرف، من تجربته اليومية، الفارق بين إعلان السياسات والحصول على خدمة عامة منتظمة.
ويرتبط بذلك التخطيط للمستقبل؛ فالأهداف البعيدة تحتاج إلى مراحل تنفيذ، ومسؤوليات محدّدة، ومراجعة للنتائج. ويستحق هذا الجانب من التجربة الصينية دراسة جادة في بلد يدفع كلفة تعطّل المشروعات وانقطاع السياسات. والمقارنة المفيدة تتناول طريقة العمل وشروط نجاحها، مع الانتباه إلى اختلاف المؤسسات والموارد والظروف بين البلدين.
أما التحديث المستند إلى الخصوصية الحضارية، فيفتح نقاشاً حول قدرة المجتمعات على تطوير اقتصادها ومؤسساتها مع الحفاظ على صلتها بتاريخها وثقافتها. وتقتضي دراسة المسار الصيني فهم اختياراته ضمن ظروفه، ثم البحث عمّا يمكن تعلّمه منه. فالتعلّم يحتاج إلى معرفة دقيقة بالفروق بقدر حاجته إلى ملاحظة أوجه التشابه.
وقد سمحت مناقشات بيروت بتتبّع امتداد هذه الأفكار إلى العلاقات الدولية. فالاهتمام بالتنمية وتحسين المعيشة حاضر في مبادرة التنمية العالمية، والتنسيق بين التنمية والأمن يتّصل بالحاجة إلى الاستقرار، واحترام الخصوصية الثقافية يلتقي مع مبادرة الحضارة العالمية. وتطرح مبادرة الحوكمة العالمية مسألة القواعد والمؤسسات التي تنظّم التعاون بين الدول، فيما توفّر مبادرة الحزام والطريق مجالات للعمل في الترابط والبنية التحتية والتجارة والتواصل بين المجتمعات.
تحتاج العلاقة بين هذه الطروحات إلى تفسير، لأن جمع أسمائها وحده لا يكفي لفهمها. فالحزام والطريق مبادرة للتعاون لها مشروعات واتفاقات ومسارات تنفيذ، بينما تتناول المبادرات الأربع قضايا أوسع تتصل بالتنمية والأمن والتفاعل الحضاري وإدارة الشؤون الدولية. ويتيح بحثها معاً النظر في الشروط الاقتصادية والسياسية والثقافية التي تؤثّر في التعاون واستمراره.
تضع مبادرة التنمية العالمية احتياجات الناس وقضايا التنمية موضع اهتمام دولي. وتهمّ هذه المقاربة بلداناً تواجه صعوبات في التمويل والإنتاج والخدمات، وتبحث عن فرص لتحسين أوضاعها. ويصبح النقاش أكثر فائدة حين يسأل عمّا تضيفه برامج التعاون إلى قدرات البلد نفسه: هل توسّع إنتاجه؟ هل تطوّر مهاراته؟ وهل يستطيع الاستمرار في الاستفادة منها؟
وتتناول مبادرة الأمن العالمي تصوراً للأمن يقوم على الحوار والتعاون ومراعاة الشواغل الأمنية. ولهذا الموضوع صلة مباشرة بلبنان والمنطقة، حيث تؤثّر الحروب والتوترات في حياة الناس وفي فرص التعافي. فالمستثمر يحتاج إلى قدر من الاستقرار، والمؤسسة التعليمية تحتاج إليه، وكذلك العامل والمزارع وصاحب المشروع. ومناقشة الأمن ضمن حديث التنمية تساعد على إدراك الكلفة الاجتماعية والاقتصادية للنزاعات.
وتطرح مبادرة الحضارة العالمية احترام تنوّع الحضارات والتعلّم المتبادل بينها. وقد قدّمت التجارب الثقافية والتعليمية المعروضة في الندوة مادة ملموسة لهذا النقاش. فتعليم الصينية في لبنان، والتبادل بين الجامعات، وترجمة الكتب ونشرها، تتيح معرفة تتكوّن بالقراءة والتعامل المباشر. وهي أعمال تحتاج إلى كفاءات ومؤسسات واستمرارية، وتساعد على تصحيح صور تختزل الصين في منتجاتها أو في بعض الأخبار عنها.
أما مبادرة الحوكمة العالمية، فتدعو إلى مناقشة كيفية إدارة القضايا الدولية، ومدى تمثيل الدول وفعالية مشاركتها. ويستحق هذا الموضوع اهتماماً لبنانياً وعربياً، لأن القرارات المتعلقة بالتنمية والتجارة والأمن تؤثّر في الدول مهما اختلف حجمها. ومن مصلحة البلدان الصغيرة أن تفهم المقترحات المطروحة، وأن تحدّد موقفها منها وفق احتياجاتها وحقوقها.
وقد أعطى حضور هذه الموضوعات مجتمعةً الندوةَ مضموناً يتجاوز التعريف بالتجربة الصينية. فالمناقشات تناولت أيضاً قدرة البلدان الشريكة على الاستفادة من التعاون، ومسؤوليتها عن اختياراتها. التمويل والخبرة يفتحان فرصاً، لكن النتائج تتأثّر بجدوى المشروع، وشفافية شروطه، وكفاءة إدارته، وصلته بأولويات الاقتصاد والمجتمع.
وتعني هذه المسألة للبنان أن يكون أكثر تحديداً في ما يطلبه. فالتعاون في الطاقة أو التكنولوجيا أو التعليم يحتاج إلى مؤسسات تعرف احتياجاتها وتعدّ مقترحات قابلة للدراسة والتنفيذ. ويمكن أن يمنح التعاون الإعلامي والجامعي والثقافي هذه العلاقة عمقاً إضافياً، من خلال التدريب والبحث والإنتاج المشترك وتوسيع المعرفة المتبادلة.
ولبيروت ما تضيفه إلى هذا العمل بما فيها من جامعات ومؤسسات ثقافية ودور نشر وخبرات إعلامية. وقد شهدت الندوة افتتاح "صالون الصين اليوم"... ويتيح الصالون متابعة النقاش عبر لقاءات متخصّصة تتناول مؤلفات شي جين بينغ، والمبادرات العالمية، وثقافة الصين وتجربتها التنموية، وتبحث فرص التعاون مع لبنان والعالم العربي.
بعد خمسة وخمسين عاماً من العلاقات الديبلوماسية، يستحق التعاون اللبناني الصيني معرفة أوسع لدى المؤسسات والباحثين والجمهور. وقد وفّرت ندوة بيروت مادة لهذا العمل: أفكاراً تُقرأ في سياقها، ومبادرات تُناقش مضامينها، وتجارب تُدرس بإنجازاتها وصعوباتها. وتبقى المتابعة في قدرة المؤسسات المعنيّة على تخصيص الوقت والجهد لهذا البحث، ثم استخدام نتائجه في قرارات أكثر وضوحاً بشأن ما يحتاج إليه لبنان وما يستطيع أن ينجزه مع الصين.
* رئيس جمعية طريق الحوار اللبناني الصيني
- المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية.
نبض