بيروت أكبر من ممثليها، رفيق الحريري استثناء لن يتكرر: كيف صنعت وظيفة العاصمة مجتمعاً مدنياً تعددياً لا يتحمل اختزاله بتمثيل واحد؟
نزيه الخياط*
1. بيروت ليست مدينة لبنانية أخرى
بيروت ليست مجرد مدينة لبنانية أخرى، ولا عاصمة مرسومة على الخريطة. فالعاصمة، حين تؤدي وظيفتها كاملة، تستقبل الدولة كلها، وتجمع في مجالها الحضري مصالح اقتصادية وإدارية وثقافية وإعلامية ومهنية وتجارب اجتماعية مختلفة. وفي هذا المجال تتقاطع المهنة مع التعليم، والطبقة مع الثقافة، والمنطقة مع الذاكرة، فتنتج المدينة مجتمعاً لا يمكن اختزاله في هوية واحدة.
من هنا، تنتج بيروت بالضرورة نخباً متعددة وتيارات وشخصيات تتنافس على ادعاء تمثيلها. بيروت أكبر من ممثليها، لأن المجتمع الذي أنتجته العاصمة أوسع من أي تمثيل واحد.
2. حين تصنع العاصمة مجتمعها
لم يتشكل مجتمع بيروت دفعة واحدة، بل تراكم عبر موقعها البحري وانفتاحها العربي والمتوسطي، والتجارة والمرفأ والهجرة والتعليم والصحافة والمهن والجامعة والنقابات والاقتصاد والكتاب والثقافة. حتى عمارتها التقليدية كانت نتاج تفاعل مع المجال العربي والمتوسطي، إذ استقبلت المؤثرات الخارجية وأعادت إنتاجها وفق شروط المكان، فصنعت لغة عمرانية بيروتية خاصة.
لذلك لا يمكن فهم بيروت من سكانها الحاليين فقط، بل من الذاكرة التاريخية المتراكمة في شوارعها ومرفئها وساحاتها وجامعاتها وصحفها ومقاهيها ومؤسساتها. إنها ذاكرة جماعية وذاكرة للمكان، تراكمت فيها وظائف جعلت المدينة حيزاً لإنتاج هويتها.
3. من تعدد المجتمع إلى تعدد التمثيل
التعدد السياسي في بيروت ليس مجرد انعكاس للتعدد الطائفي. فالطائفة عنصر من عناصر التكوين، لكن التعليم والمهنة والطبقة والمنطقة والجيل والثقافة والتيارات الفكرية والمصالح الاقتصادية والانتماءات العربية والوطنية واليسارية والليبرالية والنقابية والمهنية، كلها تدخل في تشكيل الموقع السياسي للفرد.
لذلك يتحول التعدد الاجتماعي إلى تعدد في مصادر التمثيل. وقد عرفت بيروت دائماً، حتى عندما هيمن صوت سياسي واحد، أصواتاً أخرى في الثقافة والصحافة والجامعة والنقابات والمهن والاقتصاد.
قد يمتلك زعيم أو حزب نفوذاً واسعاً، لكنه يتحرك داخل مجتمع يحتفظ بالذاكرة والمقارنة والقدرة على إعادة التقييم. تمثيل بيروت ليس ملكية سياسية؛ إنه علاقة قابلة للتجديد والسحب وحتى الإلغاء.
4. بيروت: رأي عام لا ينتخب ممثليه فقط بل يختبرهم
من هنا يصبح التمييز بين الجمهور والرأي العام ضرورياً. فالجمهور كتلة يمكن تعبئتها خلف خطاب شعبوي أو شخصية أو شعار، أما الرأي العام فهو أوسع وأبطأ وأكثر تركيباً؛ يتشكل من المعرفة والنقاش والتجربة والمقارنة والفكر النقدي. لذلك لا يكتفي بالاستجابة، بل يقيّم ويحاسب ويغيّر موقفه مع تغير الوقائع.
في بيروت، لم تكن السياسة محصورة بالمنصة الانتخابية. فالصحافة والجامعة والنقابات والمهن والثقافة والأسواق والمجالس الاجتماعية أنتجت فضاءً عاماً تتعدد فيه مصادر المعلومات والتقييم. لذلك تصبح الانتخابات مناسبة لإعادة اختبار علاقة التمثيل بالمجتمع.
بيروت لا تنتخب مرة واحدة؛ إنها تعيد تقييم من يدّعي تمثيلها.
5. الحرب كسرت المدينة ولم تمحُها
الحرب الأهلية كسرت المجال الحضري المشترك، فقُسمت المدينة جغرافياً، وانقطعت طرقها، وتقلص فضاؤها العام، وحلت الجبهات والهويات المغلقة محل كثير من العلاقات التي كانت تصل أجزاءها.
لكن كسر المجال لم يكن محواً للشخصية. فقد فصلت الحرب أجزاء المدينة وأعادت تنظيم الحياة حول الانقسام، لكنها لم تمحُ الذاكرة ولا الوظائف التاريخية ولا إمكان العودة إلى مجال مشترك. لذلك كانت الحرب قطيعة في شروط التعبير عن بيروت أكثر من كونها نهاية لشخصيتها.
6. عادت العاصمة، لكن المجتمع لم يعد كما كان
بعد الحرب استعادت بيروت كثيراً من وظائف العاصمة: الاقتصاد والمال والإعلام والتعليم والثقافة والإدارة والاتصال بالعالم. لكن عودة الوظيفة لم تكن عودة للمجتمع نفسه. فقد تغيرت الأجيال والاقتصاد، واتسعت الفوارق، وتبدلت وسائل الإعلام والعمل والهجرة والاتصال، وأثرت الأزمات المتلاحقة في علاقة المجتمع بالمدينة والدولة والسياسة.
فالعاصمة ليست مجموع مؤسساتها، بل العلاقة التي تنشأ بينها وبين مجتمعها وبين هذا المجتمع وسائر الدولة.
ومن هنا، فإن الإشكالية اللبنانية ليست في التعدد ذاته، بل في غياب الإطار الوطني الذي ينظمه ويحوّله إلى تعاون سياسي ومؤسسي. كانت قوة بيروت التاريخية تكمن في تعدد مرجعياتها داخل مركز وطني ذي هيبة؛ أي إن تعددية المدينة كانت تصب في تعددية الدولة ولا تتحول إلى بديل منها.
لكن النفوذ السوري طوال أربعة عقود دفع المعادلة في الاتجاه المعاكس، بإضعاف السلطة المركزية المتعددة وتعزيز مرجعيات أحادية، ثم أدى النفوذ الإيراني لاحقاً إلى تعميق هذا المسار. وهكذا لم يعد التعدد منظماً داخل سلطة وطنية واحدة، بل تحول إلى تعدد في قيادات محلية وهجينة مرتبطة بتوازنات نفوذ خارجية.
ضرب مركزية الدولة لم يستعد التعدد الوطني؛ بل فكك المجال السياسي الذي كان يوحّده.
وكانت النخب اللبنانية قد أخفقت بدورها في تحويل اتفاق الطائف من نصوص وآليات إلى مشروع سياسي وفكري وثقافي قادر على إعادة إنتاج الدولة المدنية الوطنية. لذلك بقي الانتقال من التوازن الطائفي إلى الدولة والمؤسسات ناقصاً ومعطلاً.
7. بيروت تعيد تحديد وظيفتها وهويتها في علاقاتها بدمشق و محيطها العربي
اليوم لا تستعيد بيروت وظائف فقدتها فحسب، بل تعيد إنتاج وظيفتها وهويتها في ظل تحولات جيوسياسية جديدة.
وتبدأ المسألة من الجغرافيا، ومن إعادة تعريف علاقتها بدمشق. فبيروت ليست جزيرة سياسية، ودمشق ليست مجرد عاصمة مجاورة؛ إنهما عقدتان داخل مجال جغرافي واحد يصل الساحل بداخل المشرق. الجغرافيا لا تكتب السياسة وحدها، بل تحدّد المجال الذي لا تستطيع السياسة تجاهله.
لذلك، لا تستطيع بيروت استعادة وظيفتها باستنساخ الماضي أو بالانكفاء، بل بإعادة تركيب عناصر قوتها: موقعها، وانفتاحها العربي والمتوسطي، ومواردها البشرية، وجامعاتها وثقافتها وإعلامها واقتصاد خدماتها وشبكاتها العربية والدولية، والأهم مجتمعها المديني المتعدد القادر على إنتاج الأفكار والنخب والشبكات.
وفي هذا السياق، لم يكن رفيق الحريري خروجاً من تعددية بيروت، بل حالة استثنائية داخلها. ففي لحظة تاريخية محددة، جمع اتجاهات وعقولاً مختلفة في جسم سياسي واحد، وأدى موقتاً وظيفة كانت المدينة تؤديها عادة عبر تعدد ممثليها. لكن قيمة التجربة لا تكمن في جمع التعدد حول شخص، بل في تحويل التعدد من شخص إلى مؤسسة. فالشخص الاستثنائي يختصر لحظة تاريخية، لكنه لا يضمن وحده استمراريتها.
وهنا تقع مسؤولية النخب: تحويل تعدد المدينة إلى مؤسسات، وموقع العاصمة إلى وظيفة وطنية، والذاكرة والتجربة إلى مشروع للمستقبل.
تعددية التمثيل في بيروت: نموذج وطني قابل للتعميم على لبنان.
لا تعني استعادة بيروت العودة إلى بيروت السابقة، بل إعادة اكتشاف جغرافيتها لإعادة إنتاج سياستها ووظيفتها ومجتمعها المتعدد.
فالتعدد ليس ضعفاً ولا عجزاً عن إنتاج قائد واحد، بل قوة ديموقراطية تسمح بالتنافس وتداول التمثيل وتجديد النخب، وتمنع اختزال المدينة في شخص أو حزب أو جماعة. ويمكن لبيروت أن تقدم قيمة سياسية تتجاوز حدودها، بتحويل تعددها إلى نموذج قابل للانتقال إلى المدن اللبنانية الأخرى، بحيث يصبح تعدد المرجعيات جزءاً من الثقافة الوطنية لا سبباً إضافياً للانقسام.
وهنا تكمن الحاجة الوطنية والكيانية: صيغة مؤسسية تجعل التعدد قوة للدولة والمجتمع، لا سبباً لتفككهما.
لذلك لا يعود السؤال: من يمثل بيروت؟ بل: أي مشروع يستطيع أن يكون على مستوى مدينة أكبر من ممثليها؟
فالزعيم يرحل، والحزب يتغير، والجمهور يتحرك، والانتخابات تتبدل؛ أما المدينة فتبقى بذاكرتها ومجالها وتعددها وقدرتها على إعادة إنتاج نفسها.
بيروت أكبر من ممثليها؛ لأنها لا تنتج الزعماء فقط، بل تستطيع أن تنتج نموذجاً سياسياً يتعلم منه لبنان كيف يحوّل تعدده من مصدر للانقسام إلى مصدر للقوة، ومن عبء على الدولة إلى أساس لتجددها.
*أكاديمي ـ باحث في الشؤون الجيوسياسية
نبض