في الذكرى الثالثة لـ 7 أكتوبر: ما الذي تغير في شكل الشرق الأوسط؟
7 أكتوبر غيّر شكل الشرق الأوسط، لكنه لم ينتج حتى الآن نظاماً إقليمياً جديداً؛ بل أنتج فراغاً استراتيجياً تتنافس على ملئه إسرائيل وإيران والقوى الدولية...
بعد ثلاث سنوات على 7 أكتوبر 2023، لم يعد الشرق الأوسط هو نفسه الذي كان قائماً عشية ذلك اليوم.
وإذا نظرنا بتجرد وموضوعية إلى المنطقة من زاوية الواقعية السياسية، فإن التحول الأهم ليس في ظهور نظام إقليمي جديد، وإنما في اتساع حالة العجز والشلل الاستراتيجي العربي، مقابل اتساع هامش الحركة العسكرية لإسرائيل وإيران والقوى الدولية، وتراجع قدرة الدول العربية المعنية على التأثير في مسار الأحداث أو فرض أجندتها الخاصة.
لقد كان 7 أكتوبر لحظة كسر كبرى لقواعد التوازن التي حكمت الإقليم لسنوات. لكنه، خلافاً لما توقعه البعض، لم ينتج حتى الآن تسوية سياسية للقضية الفلسطينية، بل أدى إلى حرب مدمرة في غزة، وتصاعد الاستيطان والضغط على الضفة الغربية، وإضعاف السلطة الفلسطينية، وكشف مكامن ضعف النظام العربي، وتوسيع نطاق المواجهة الإقليمية.
غزة تعرضت لدمار إنساني وعمراني واقتصادي هائل، فيما تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية وسيطرتها على مساحات واسعة من القطاع، بينما تشير تقارير الأمم المتحدة إلى تسارع غير مسبوق في الاستيطان والتهجير في الضفة الغربية. فقد وثقت الأمم المتحدة خلال 2026 وحدها آلاف الوحدات الاستيطانية الجديدة ومئات الحوادث المرتبطة بعنف المستوطنين والتهجير.
أما التضامن العالمي مع الفلسطينيين، فقد كان واسعاً ومؤثراً سياسياً وأخلاقياً، لكنه لم يتحول بالقدر الكافي إلى قدرة دولية قادرة على تغيير الوقائع على الأرض. ومن الخطأ اختزاله بالكامل في تعاطف إنساني عالمي؛ فقد شهدت السنوات الثلاث اعترافات جديدة بدولة فلسطين، وتحركات في المؤسسات القضائية الدولية، وضغوطاً متزايدة على إسرائيل. لكن الفجوة بقيت كبيرة بين الموقف الدولي المعلن وبين القدرة على فرض حلّ الدولتين مثلاً أو وقف الاستيطان أو تغيير جوهر السياسة الأميركية تجاه إسرائيل. ولذلك بقيت القضية الفلسطينية حاضرة بقوة في الخطاب الدولي، من دون أن يتحوّل هذا الحضور إلى تسوية سياسية ملزمة. وحتى السلطة الفلسطينية نفسها وصلت إلى درجة غير مسبوقة من التهميش؛ ففي أيلول/سبتمبر 2026 اضطرت الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى السماح للرئيس محمود عباس بالمشاركة عبر الفيديو بعد رفض الولايات المتحدة منحه تأشيرة دخول.
في المقابل، تحولت المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران إلى عامل إضافي في إضعاف البيئة الأمنية والاقتصادية العربية. فإيران، في صراعها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، استخدمت أدواتها الإقليمية والضغط على الملاحة والطاقة، بينما ارتبط اضطراب باب المندب أساساً بالحوثيين المدعومين من إيران، في حين أصبح مضيق هرمز نفسه ساحة مباشرة للصراع مع طهران. والنتيجة أن دول الخليج والأردن ودولاً عربية أخرى وجدت نفسها تدفع كلفة صراع لم تكن صاحبة قرار في بدايته.
لقد تحولت الممرات البحرية إلى إحدى أخطر ساحات ارتداد الصراع على الدول العربية؛ فهرمز أصبح ورقة ضغط مباشرة على أمن الطاقة والتجارة الخليجية، فيما جعل تهديد باب المندب البحر الأحمر أكثر اضطراباً وكلفة، مع انعكاسات مباشرة على السعودية ومصر والأردن ودول الخليج. وبذلك وجد العالم العربي نفسه محاصراً بين مضيقين استراتيجيين، يتحكم في أمنهما أطراف إقليمية متصارعة، بينما تتحمل الدول العربية كلفة اقتصادية وأمنية لصراعات لا تملك قرار تصعيدها أو إنهائها.
أما سوريا ولبنان، فقد دخلا مرحلة أكثر هشاشة. سوريا تحاول إعادة بناء الدولة والاقتصاد والسيادة في بيئة إقليمية شديدة التعقيد، بينما توسعت إسرائيل في فرض واقع أمني جديد على حدودها الجنوبية وفي الجولان ومحيطه. وفي لبنان، أدت الحرب مع حزب الله إلى تدمير واسع في الجنوب، من دون أن تنتج حتى الآن تسوية مستقرة تنهي الصراع على حدود لبنان الجنوبية أو تحسم مسألة سلاح الحزب ودور إيران.
وفي الأردن، كان تأثير 7 أكتوبر مختلفاً وأكثر حساسية. فالأردن الذي يمتلك أطول خط حدود عربية مباشرة مع إسرائيل وجد نفسه أمام معادلة أمنية شديدة التعقيد والحساسية: حرب في غزة، تصاعد في الضفة الغربية، مخاوف استراتيجية من التهجير، وضغوط شعبية وحزبية متزايدة. وقد انعكس ذلك على الخطاب السياسي الأردني، وصولاً إلى لهجة الملك عبدالله الثاني شديدة الحدة تجاه إسرائيل وحكومة نتنياهو في الأمم المتحدة. وفي الوقت نفسه، كشفت أحداث 2025م عن تحول الخطر من مجرد التنافس السياسي إلى المجال الأمني، إذ أعلنت المخابرات العامة الأردنية إحباط أربع عمليات إرهابية شملت 16 شخصاً، تضمنت تصنيع صواريخ وحيازة متفجرات وأسلحة والتجنيد والتدريب. وقالت السلطات إن المتهمين كانوا مرتبطين بجماعة الإخوان المسلمين غير المرخصة، بينما أعلنت وزارة الداخلية لاحقاً حظر نشاط الجماعة.
وهنا تكمن إحدى أهم نتائج 7 أكتوبر بالنسبة إلى الأردن: القضية الفلسطينية لم تعد مجرد ملف خارجي أو قضية سياسية عربية، وإنما أصبحت جزءاً مباشراً من معادلة الأمن الوطني الأردني. وهذا لا يعني أن أحداث 2025م كانت نتيجة مباشرة لـ7 أكتوبر؛ فالمخططات، وفق الرواية الرسمية، كانت قيد المتابعة منذ 2021. لكنه يعني أن الحرب الإقليمية وفّرت بيئة سياسية وأمنية أكثر توتراً يمكن أن تتداخل فيها القضية الفلسطينية مع الاستقطاب الداخلي والأمن الوطني.
بعد ثلاث سنوات من 7 أكتوبر، تبدو الصورة إذن شاحبة جداً وأقل شبهاً بمرحلة انتقال نحو السلام والأمن والرخاء، وأكثر شبهاً بمرحلة انتقال نحو عدم اليقين وعدم الاستقرار المزمن.
تبدو إسرائيل أكثر قدرة على فرض الوقائع العسكرية والاستيطانية، وإيران أكثر استعداداً لتوسيع كلفة صراعها إلى المجال العربي، والسلطة الفلسطينية عاجزة وضعيفة، وغزة أكثر دماراً، وسوريا ولبنان أكثر هشاشة، والأردن أكثر تعرضاً لضغوط أمنية وسياسية. أما الدول العربية في الخليج، فلم تنجح حتى الآن في تحويل ثقلها السياسي والاقتصادي إلى قدرة استراتيجية جماعية. ودول المغرب العربي منشغلة بمشكلاتها البنيوية وتراقب المشهد من بعيد.
هذه ربما هي الخلاصة الأهم لثلاث سنوات من 7 أكتوبر: الحدث غيّر شكل الشرق الأوسط، لكنه لم ينتج حتى الآن نظاماً إقليمياً جديداً، بل أنتج فراغاً استراتيجياً عربياً تتنافس على ملئه إسرائيل وإيران والقوى الدولية، بينما يدفع العرب نتيجة عجزهم عن اجتراح مشروع عربي كلفة الصراع من أمنهم واقتصادهم واستقرار مجتمعاتهم.
*عميد متقاعد ومؤسس ومدير مركز شُرُفات لدراسات وبحوث العولمة والإرهاب عمان-الأردن.
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ما سبب عدم التزام الموعد المحدد في الشهر الحالي؟ وهل من موعد جديد؟
نبض