تركيا والاتحاد الأوروبي... تنافس أم تحالف؟
سيستمر التعاون الأمني والاقتصادي بقدر ما تمليه الأزمات وتراجع المظلة الأميركية، لكن مسار الانضمام سيبقى مجمداً، وستبقى تركيا قوية بموقعها، تناور بين الشرق والغرب لحماية مصالحها...
إيمان درنيقة الكمالي*
"تركيا ترى نفسها من أوروبا وإن لم تنغمس جغرافياً فيها بشكل كامل، بينما الأوروبيون يرون تركيا ليست فيها وإن كانت منها". بهذه العبارة من كتاب "العمق الاستراتيجي" لأحمد داود أوغلو، يمكن وضع الإصبع على الجرح التاريخي الذي يطبع علاقة أنقرة بالقارة العجوز. ومن يظن أن الاستدارة الأوروبية الأخيرة نحو تركياوما يرافقها من تقارب أمني وعسكري تعكس تحالفاً استراتيجياً حقيقياً فهو واهم؛ فما نشهده ليس تغيراً في نظرة أوروبا إلى تركيا، بل تغير جذري في حاجة أوروبا إليها.
فالعلاقة كانت حتى وقت قريب مطبوعة بالتوتر، وصولاً إلى فرض عقوبات أوروبية على خلفية العمليات التركية في سوريا، ودعوات فرنسية لطرد تركيا من حلف الناتو، وتجميد مسار انضمامها رسمياً منذ عام 2019. لكن الذي قلب المشهد رأساً على عقب هو صدمة مزدوجة: الأولى هي الخوف من الشبح الروسي بعد الحرب في أوكرانيا، وتهديد دول البلطيق وأوروبا الشرقية، والثانية هي فقدان الثقة في المظلة الأميركية مع وجود إدارة تطالب أوروبا بأن تدافع عن نفسها ولا تولي الناتو أهميته التقليدية. في لحظة الانكشاف الأمني هذه، ظهرت ورقة أنقرة الرابحة بموقعها الجيوسياسي الفريد، وامتلاكها ثاني أكبر جيش في الحلف، وسيطرتها الحازمة على مضائق البحر الأسود عبر اتفاقية "مونترو"، لتصبح دولة لا يمكن الاستغناء عنها في منظومة الردع.
وهنا تتجلى براغماتية التقارب، فأوروبا التي تواجه نقصاً في العمالة والتمويل في صناعاتها الدفاعية طرحت خطة جاهزية الأمن الأوروبي بميزانية 150 مليار يورو، مع تخصيص سقف 35% للدول غير الأعضاء مثل تركيا، وانخرطت في صفقات تسليح وتحالفات مرنة لدعم أوكرانيا. وفي المقابل، حققت أنقرة مكاسب تصديرية هائلة من رواج مسيراتها، وصولاً إلى شراكات مع شركة "ليوناردو" الإيطالية ومشاريع مقاتلات "يوروفايتر"، مع سعيها لتطوير الاتحاد الجمركي كمسار اقتصادي بديل ومثمر.
لكن هذا الزخم نفسه يكشف سقفه؛ فأبواب العضوية الكلية ستبقى مغلقة لأسباب بنيوية. فنياً، لم تغلق تركيا سوى فصل واحد من أصل 35 فصلاً من معايير كوبنهاغن قبل التجميد. وهوياتياً، لا تزال نظرة النخبة الأوروبية، التي عبر عنها ساركوزي بوصف الاتحاد نادياً مسيحياً، ترى في تركيا المسلمة ذات الثقل السكاني خطراً سيغير توازن البرلمان والمؤسسات. وسياسياً، يبقى فيتو اليونان وقبرص والتحالفات المضادة في شرق المتوسط حاضراً. ويكفي دليلاً على بقاء الهواجس أن رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين وضعت تركيا قبل أشهر في كفة واحدة مع روسيا والصين كمهدد للقارة، وهو ما أثار تنديد الخارجية التركية وأكد أن التوجس المبطن لم يرحل.
لهذا تتبنى تركيا في البحر الأسود سياسة "الحياد الإيجابي الدقيق"؛ فهي لا تريد لأوكرانيا أن تنكسر كي لا يتمدد النفوذ الروسي، وفي الوقت نفسه ترفض العقوبات المطلقة أو تحويل الحرب إلى مواجهة صفرية، وتحذر من محاولات تعزيز حضور الناتو عبر رومانيا وبلغاريا على حساب دورها الحصري، مصرّة على أن تكون شريكاً في صنع القرار لا مجرد منفذ.
ولا يمكن فصل هذا الحذر عن الموروث التاريخي الثقيل، من قرون الصراع بين العثمانيين والإمبراطوريات الأوروبية، إلى مخلفات الحرب العالمية الأولى والصدام مع بريطانيا واليونان وحروب روسيا القيصرية، وما يرافقها من ملفات شائكة ممتدة من قبرص وشرق المتوسط إلى ملف الهجرة. هذا الرصيد التراكمي لا يمهد لاندماج وجداني، بل يبقي التقارب محكوماً بالضرورة اللحظية.
باختصار، لسنا أمام تحالف استراتيجي أو اندماج مرتقب، بل أمام شراكة ضرورة وتحالف تكتيكي تفرضه البراغماتية. سيستمر التعاون الأمني والاقتصادي بقدر ما تمليه الأزمات وتراجع المظلة الأميركية، لكن مسار الانضمام سيبقى مجمداً، وستبقى تركيا قوية بموقعها، تناور بذكاء بين الشرق والغرب لحماية مصالحها الكبرى.
*أستاذة جامعيّة - باحثة سياسيّة
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية
نبض