المناصفة بلا إحصاء: بين الدستور ومنطق الدولة والمواطنة
السؤال ليس: أي طائفة تحصل على نصف الدولة؟ بل: كيف ننتقل من دولة تُدار بتوازن الطوائف إلى دولة يحمي فيها الدستور حقوق المواطنين جميعاً؟
د. كلير فخرالدين*
في لبنان، لم تعد المناصفة تُطرح دائماً باعتبارها قاعدة دستورية محددة النطاق، بل تحولت تدريجاً إلى منطق عام يُستدعى عند كلّ استحقاق في الدولة. وهنا تبدأ المشكلة: حين يتحول ترتيب دستوري له مجاله وشروطه إلى قاعدة سياسية مفتوحة، تصبح المناصفة معرضة لأن تنتقل من وسيلة لحماية الشراكة إلى معيار دائم لإدارة الدولة.
المفارقة أن هذا النقاش يجري في دولة لم تُجرِ تعداداً رسمياً لسكانها منذ عام 1932. ويشير البنك الدولي إلى أن التركيبة السكانية بقيت شديدة الحساسية والتسييس بسبب النظام الطائفي، وأن الدولة اعتمدت بعد التعداد على تحديثات وتقديرات وبيانات إدارية، في وقت تؤكد فيه وزارة الخارجية الأميركية استمرار غياب التعداد الرسمي.
وهنا يجب الفصل بين الرقم الإحصائي والرقم السياسي؛ فقد أوردت وزارة الخارجية الأميركية تقديرًا لشركة Statistics Lebanon يضع المسلمين عند نحو 69.3% والمسيحيين عند نحو 30.5% من المواطنين. لكنها أوردت هذه الأرقام بوصفها تقديرات، لا نتائج تعداد رسمي. لذلك، لا يجوز تحويل تقدير ديموغرافي إلى حقيقة دستورية، ولا بناء قواعد دائمة على أرقام لا تملك الدولة تعدادًا حديثًا لإثباتها.
لكن الأهم أن الدستور نفسه لا يجعل المناصفة قاعدة عامة في كلّ مؤسسات الدولة. فالمادة 7 تقرّر مساواة اللبنانيين أمام القانون؛ والمادة 12 تجعل الاستحقاق والجدارة أساسًا لتولي الوظائف العامة. أما المادة 95، فتضع خلال المرحلة الانتقالية أصلاً مختلفاً: إلغاء التمثيل الطائفي في الوظائف العامة والقضاء والمؤسسات العسكرية والأمنية والمؤسسات العامة والمصالح المختلطة، واستبداله بالاختصاص والكفاءة، مع استثناء وظائف الفئة الأولى وما يعادلها، التي توزع مناصفة بين المسيحيين والمسلمين، من دون تخصيص وظيفة معيّنة لطائفة.
وهنا تقع المسألة في صلب القانون الدستوري: لا يجوز أن يتحوّل الاستثناء إلى أصل، ولا أن يحلّ العرف السياسي محلّ النص الدستوري؛ فإذا فرض الدستور المناصفة في نطاق محدد، وجب احترام ذلك؛ وإذا جعل الكفاءة والاختصاص معيارًا، فلا يجوز تعطيلهما بذريعة مناصفة لم يقررها النص.
من هنا تبدأ المقاربة الإصلاحية الحقيقية. الإصلاح لا يعني إلغاء الشراكة، كما لا يعني تثبيت المحاصصة إلى ما لا نهاية، بل يعني إعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة على أساس واضح: أن تكون المواطنة هي الأصل، وأن يكون الانتماء الطائفي واقعًا اجتماعيًا لا معيارًا لتحديد قيمة المواطن أو أهليته لتولي الوظيفة العامة.
وتبدأ هذه العملية من الدولة نفسها: تعداد سكاني رسمي وحديث، نظام إحصائي مستقلّ وموثوق، معايير معلنة للتعيين، وتحديد قانونيّ دقيق لنطاق الوظائف التي تخضع للمناصفة، بحيث لا تتحول القاعدة الاستثنائية إلى امتداد غير مكتوب في كل مؤسسات الدولة. ويُستكمل ذلك بتطبيق فعلي لمبدأي الكفاءة والاستحقاق، لأن حماية المواطنة لا تكون بإلغاء التوازن، بل بمنع التوازن من ابتلاع المساواة.
والدستور نفسه يفتح باب هذا الإصلاح. فمقدمته تجعل إلغاء الطائفية السياسية هدفاً وطنياً أساسياً، والمادة 95 تربط ذلك بخطة مرحلية ولجنة وطنية تدرس وسائل الإلغاء. وبالتالي، فإن الإصلاح الدستوري ليس خروجًا على الشراكة، بل هو جزء من المسار الذي رسمه الدستور نفسه.
المطلوب إذن ليس القفز فوق الواقع اللبناني، ولا تجميده. المطلوب إدارة الانتقال دستورياً: حماية المناصفة حيث نصّ عليها الدستور، وتكريس الكفاءة حيث جعلها الأصل، وتوسيع دائرة المواطنة تدريجًا بحيث لا يحتاج اللبناني إلى طائفته كي يثبت حقه في الدولة.
فالمواطنة ليست إلغاءً للتنوع، والمساواة ليست إلغاءً للشراكة. الإصلاح الحقيقي هو أن تتعايش الشراكة مع المواطنة داخل دولة يحكمها النص لا العرف.
لذلك، السؤال ليس: أيّ طائفة تحصل على نصف الدولة، بل: كيف ننتقل من دولة تُدار بتوازن الطوائف إلى دولة يحمي فيها الدستور حقوق المواطنين جميعاً؟
المناصفة حيث نصّ عليها الدستور، والكفاءة حيث جعلها معياراً، والمواطنة كأفق للإصلاح؛ تلك هي المعادلة التي تجعل الشراكة طريقاً إلى الدولة، لا بديلاً عنها.
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية
نبض