الهوية خارج الحصن
الانتقال الذي ربما يستحق أن نخوضه اليوم، هو من هوية تحتاج إلى حصن كي تشعر بالأمان، إلى هوية تستطيع أن تتجذر من دون أن تتحصن، لأن وراءها دولة تحمي حاملها كمواطن.
مقال مشترك
بقلم نجاة عون صليبا ورشاد رافع*
يبدو العالم اليوم أقل استقراراً مما اعتدناه، وأكثر انقساماً، وأصعب في التنبؤ بمساره.
وفي منطقتنا، تبدّلت موازين القوة والتحالفات، فيما يجد لبنان نفسه، مرة أخرى، أمام تحولات أكبر منه، ولا يملك ترف عزل نفسه عنها. ليست هذه البيئة عابرة؛ فقد تغيّرت معها شروط كثيرة حكمت أمن الجماعات وبقاءها لعقود. وإذا كان التكيّف مع التحولات أحد شروط البقاء تاريخياً، فإن السؤال اليوم هو ما إذا كانت أدوات الحماية التي ورثناها لا تزال قادرة على أداء الوظيفة نفسها في عالم تغيّر من حولنا.
ولعل جبل لبنان كان مكاناً مناسباً لطرح هذا السؤال. فقد شكّل الجبل، تاريخياً، نموذجاً طبيعياً لحماية الهوية. تجذرت جماعات متعددة في أرضه، وأحاطت بها شبكات اجتماعية متماسكة، وحافظت على خصوصيتها الدينية والثقافية عبر الجغرافيا والتضامن الداخلي والقدرة على حماية نفسها. وفي هذا التنوع المتجذر كانت تكمن قيمة الجبل نفسه، فقد كان مساحة استطاعت فيها هويات متعددة أن تصون خصوصيتها، وأن تصنع، في الوقت نفسه، حياة مشتركة.
وفي بلد عاشت دولته طويلاً على هامش طوائفه، ترسخت في الوعي اللبناني فكرة بسيطة مفادها أنه كلما كانت الجماعة أكثر تماسكاً وقوة، بدت هويتها أكثر أماناً. ومع الوقت، لم تعد الجغرافيا مجرد مكان تتجذر فيه الهوية، بل أصبحت، في أحيان كثيرة، جزءاً من تعريفها ومن وسائل حمايتها.
لكن ربما آن الأوان لإعادة النظر في هذه المعادلة، لا في قيمة الهوية نفسها. فعندما ارتبطت حماية الهوية بقوة الجماعة، أصبح أمنها رهينة ميزان قوة لم تكن تتحكم به دائماً. وما اعتبرته جماعة ضمانة لها، دفع الجماعات الأخرى إلى البحث عن ضمانات مماثلة. وهكذا تحولت الجغرافيا إلى حدود، والاختلاف إلى مصدر قلق، والسياسة إلى إدارة مستمرة لموازين القوة.
وبدلاً من أن تكون الهوية متجذرة في مكانها ومنفتحة على محيطها، أصبحت قابلة للتحول إلى مساحة قائمة بذاتها، تحتاج إلى حدود تحميها، وقوة تدافع عنها، وآخر تعرّف نفسها في مواجهته.
هنا، ربما، كمن الخلط بين تجذير الهوية وتحصينها. فالتجذر يحتاج إلى أرض وذاكرة ومؤسسات وعلاقات اجتماعية واستمرارية بين الأجيال. أما التحصين، فيحتاج دائماً إلى حدود وميزان قوة وشعور مستمر بالخطر. الأول يساعد الهوية على أن تعيش، فيما يجعلها الثاني منشغلة، على نحو دائم، بالدفاع عن وجودها.
وكانت الكلفة أن بقي البقاء نفسه هدفاً دائماً، فيما أُجّل النمو إلى ما بعد الأزمة التالية. الأمن أولاً، ثم الاقتصاد. الحماية أولاً، ثم الإصلاح. التوازن أولاً، ثم الدولة. وبعد عقود، ظل اللبناني ينتظر اللحظة التي يصبح فيها آمناً بما يكفي كي يبدأ ببناء مستقبله.
لكن الهوية لا تعيش بالأمن وحده. إنها تعيش حين يبقى الناس الذين يحملونها. وحين يغادر الشباب، وتتراجع فرص العمل، وتهاجر العائلات، وتضعف المدارس والمؤسسات المحلية، قد تحتفظ الجماعة بأرضها ورموزها، لكنها تخسر تدريجاً قدرتها على نقل ثقافتها وذاكرتها وطريقة حياتها إلى الجيل التالي. وهذا ما يمكن رؤيته في بلدات لبنانية بقيت فيها الأرض والبيوت ودور العبادة، فيما تقلص عدد المقيمين وغادر كثير من شبابها.
من هنا، يصبح النمو جزءاً من الحماية. فالعمل والاستثمار والتعليم وريادة الأعمال ونوعية الحياة لا تحسّن شروط العيش فحسب؛ بل ترسّخ الناس في أرضهم أيضاً. ومع بقائهم، تستمر هويتهم وثقافتهم وذاكرتهم.
إذا كانت هذه طبيعة التحدي اليوم، فربما حان الوقت لاقتراح معادلة مختلفة، تقوم على الانتقال من تحصين الجماعات إلى حماية المواطنين، ومن اعتبار قوة الجماعة الضمانة الأساسية لهويتها، إلى دولة تكون هي الضمانة لكل فرد ولهويته. عندها تصبح دولة المواطنة أكثر من فكرة سياسية أو إصلاح مؤجل؛ تصبح اقتراحاً للبقاء في الظروف التي نعيشها اليوم.
وهذا لا يعني إضعاف الهويات الأولى. فالمواطنة ليست بديلاً من الدين أو الثقافة أو المجتمع أو الأرض، بل إطاراً مشتركاً يحمي حق الفرد في أن يحمل هذه الهويات ويتجذر فيها. وما كانت الجماعة مضطرة إلى توفيره لأبنائها من أمن وقضاء وحماية وفرص، يصبح مسؤولية الدولة حيالهم كمواطنين. فالضمانة، في هذه المعادلة، لا تعود مرتبطة بالمنطقة أو بالجماعة التي ينتمي إليها اللبناني، بل بكونه مواطناً.
ولا يحتاج اللبناني إلى الاختيار بين دولته وهويته. فالدستور نفسه يقدّم أساساً لهذه المعادلة، من خلال المساواة بين اللبنانيين في الحقوق والواجبات، وحرية المعتقد، وحماية المصالح الدينية، والإنماء المتوازن، ووحدة الأرض والشعب.
بهذه الصيغة، يستطيع اللبناني أن يكون شديد التجذر في ثقافته ومجتمعه، فيما تحميه الدولة بصفته مواطناً أينما كان. تبقى الهوية الشخصية والثقافية والروحية مساحة للانتماء، وتصبح المواطنة مساحة للحقوق والأمن والفرص المشتركة.
وهذا هو الانتقال الذي ربما يستحق أن نخوضه اليوم، من هوية تحتاج إلى حصن كي تشعر بالأمان، إلى هوية تستطيع أن تتجذر من دون أن تتحصن، لأن وراءها دولة تحمي حاملها كمواطن. فما حمى الهوية بالأمس ليس بالضرورة ما يحميها اليوم. وقد تكون دولة المواطنة، مع اقتصاد يبقي الناس في أرضهم، هي الإطار الذي يسمح للهوية بأن تخرج من الحصن من دون أن تفقد جذورها.
*نجاة عون صليبا - نائبة في البرلمان اللبناني
*رشاد رافع - مدير المعهد الاجتماعي الاقتصادي للتنمية
نبض