حين تتغيّر خريطة المنطقة... أين يحجز لبنان مكانه؟
المسألة تتجاوز السؤال التقليدي عن موقع لبنان بين المحاور. السؤال الأهمّ يتعلّق بنوع الدولة التي يريد اللبنانيون بناءها كي تستطيع التعامل مع جميع هذه التحوّلات انطلاقاً من مصالحها.
ثمّة شرق أوسط جديد يتشكّل أمامنا. حدوده هذه المرّة ليست تلك التي رسمتها الحروب القديمة وحدها، ومراكز ثقله لا تُقاس فقط بمساحة الدول أو حجم جيوشها. الأمن، والطاقة، والممرّات البحريّة، والصناعات الدفاعية، والتكنولوجيا، والموانئ، وخطوط التجارة أصبحت جميعها عناصر تحدّد موقع الدولة وقيمتها داخل النظام الإقليمي المقبل.
وسط هذا التحوّل، يمكن قراءة المنطقة من خلال ثلاثة اتجاهات كبرى تتقاطع أحياناً وتصطدم أحياناً أخرى.
الاتجاه الأول يتبلور حول الشراكة الاستراتيجية المتنامية بين إسرائيل واليونان، مع حضور قبرصي وتقاطعات أوروبية وآسيوية أوسع. ويقدّم اتفاق "درع أخيل"، الذي وقّعته إسرائيل واليونان في 31 آب/أغسطس 2026، نموذجاً واضحاً لطبيعة هذه العلاقات الجديدة: منظومة دفاع جوي يونانية متعدّدة الطبقات، بقيمة تقارب ثلاثة مليارات يورو، قائمة على تكنولوجيا إسرائيلية ونظام قيادة وسيطرة موحّد. بالنسبة إلى أثينا، يأتي المشروع ضمن عمليّة تحديث عسكري واسعة، وفي ظل التنافس التاريخي مع تركيا.
أهمية هذا الاتجاه تتجاوز صفقة سلاح. شرق المتوسط يتحوّل تدريجياً إلى مساحة تتشابك فيها اعتبارات الأمن مع الطاقة والحدود البحرية والموانئ. إسرائيل تملك ثقلاً عسكرياً وتكنولوجياً متقدماً، فيما تمنحها شراكاتها المتوسطية عمقاً إضافياً. وتنظر اليونان وقبرص، بدورهما، إلى هذه العلاقات ضمن حساباتهما الأمنية الأوسع. وفي الخلفية، تظهر الهند وقوى أوروبية ودول عربية في مساحات مختلفة من التعاون، من دون أن يعني ذلك وجود محور سياسي موحّد يجمعها جميعاً.
الاتجاه الثاني تقوده إيران عبر منظومة بنتها خلال عقود، مستندة إلى دعمها لتنظيمات مسلّحة وقوى سياسية في عدد من ساحات المنطقة. غير أن البيئة التي تعمل فيها طهران تغيّرت بصورة كبيرة. فالضربات والحروب التي شهدتها المنطقة بعد "7 أكتوبر" أعادت الضغط على هذه الشبكة، فيما أصبحت طرق الطاقة والممرّات البحريّة جزءاً مباشراً من الصراع. البحر الأحمر وباب المندب مثالان واضحان على ذلك؛ فالتطوّرات العسكريّة في اليمن والهجمات الحوثية الأخيرة على السعودية أعادت ربط الحرب اليمنية بأمن الطاقة والملاحة الدولية.
أما الاتجاه الثالث فهو الأحدث: "اتفاق مكة" للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، الموقّع في 7 آب/ أغسطس 2026. وينص الاتفاق على اعتبار أي هجوم مسلّح على إحدى الدول الثلاث هجوماً عليها جميعاً، ويفتح المجال أمام تطوير التعاون الدفاعي بينها. وفي 19 أيلول/سبتمبر، أعلنت أنقرة استعدادها للمساهمة في تلبية الاحتياجات العسكرية السعودية ضمن هذا الإطار.
تجمع هذه الصيغة ثلاث قدرات مختلفة: الثقل الاقتصادي والسياسي السعودي، والقوّة العسكرية والصناعية التركية، والقدرات النووية والاستراتيجية الباكستانية. وفي 21 أيلول/ سبتمبر، اجتمع وزراء خارجية السعودية وتركيا وباكستان مع مصر في نيويورك، وأكدوا أهمية استمرار التنسيق بينهم بشأن أمن المنطقة واستقرارها، في مؤشر إلى وجود مساحة أوسع للحوار الإقليمي تتجاوز الدول الثلاث الموقعة على الاتفاق الدفاعي.
هكذا تتضح الصورة الأكبر.
المنطقة تدخل مرحلة إعادة تموضع واسعة، والدول تبحث عن مكانها من خلال قدرتها على تقديم قيمة استراتيجية للآخرين. الأمن أصبح جزءاً من الاقتصاد، والطاقة باتت مرتبطة بحماية طرق الإمداد، فيما ترتبط الموانئ بالسياسة الخارجية، وتتحوّل التكنولوجيا الدفاعية إلى أداة لبناء الشراكات. حتى الجغرافيا نفسها تستعيد قيمتها عندما تقع الدولة على طريق يصل آسيا بالمتوسط أو الخليج بأوروبا.
وهنا يبدأ السؤال اللبناني. أين يريد لبنان أن يكون في هذه الخريطة؟
يمتلك لبنان عناصر كان يمكن أن تمنحه وظيفة إقليمية مهمة. للبنان موقع على شرق المتوسط، وله مرافئ قادرة على استعادة دورها، وقطاع خاص مرن، وانتشار لبناني واسع في العالم، وإمكانات في الخدمات والتعليم والاقتصاد المعرفي، إضافة إلى موقع جغرافي يمكن أن يصبح مهماً في أي إعادة تنظيم مستقبلية لمسارات الطاقة والتجارة في المشرق. لكن تحويل هذه العناصر إلى نفوذ يحتاج أولاً إلى دولة تستطيع أن تقدّم نفسها شريكاً مسؤولاً.
فالدولة التي تريد الدخول في شراكات أمنية تحتاج إلى امتلاك قرارها الأمني. والدولة التي تطمح إلى دور في أمن الطاقة تحتاج إلى ضمان استقرار بنيتها التحتيّة وحدودها. والدولة التي تريد جذب خطوط التجارة والاستثمارات تحتاج إلى قدرة واضحة على حماية منشآتها وتنفيذ تعهّداتها. هنا تصبح مسألة حصريّة السلاح جزءاً من تعريف وظيفة لبنان الخارجية، إضافة إلى بعدها السيادي الداخلي.
وقد حسمت الحكومة اللبنانية موقفها الرسمي في 5 و7 آب/أغسطس 2025، وفي 2 آذار/ مارس 2026، عندما قرّر مجلس الوزراء حظر النشاطات الأمنية والعسكرية لحزب الله، مع التأكيد أن قرار الحرب والسلم يعود حصراً إلى الدولة. وعند تنفيذ هذه القرارات، يُسقط لبنان إحدى الذرائع التي تستخدمها إسرائيل لتبرير توغّلها في الداخل اللبناني، إذ إن إنهاء السلاح غير الشرعي يضع الدولة أمام مسؤولية حماية أراضيها وحدودها، ويعزّز قدرتها على المطالبة بوقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي، ويفتح مساراً جدّياً للخروج من دوامة الحروب. ومن هذه النقطة تحديداً يمكن أن يبدأ النقاش اللبناني المقبل.
فالمسألة تتجاوز السؤال التقليدي عن موقع لبنان بين المحاور. السؤال الأهمّ يتعلّق بنوع الدولة التي يريد اللبنانيون بناءها كي تستطيع التعامل مع جميع هذه التحوّلات انطلاقاً من مصالحها.
وتكتسب الاستحقاقات الدستورية، وفي مقدّمها الانتخابات النيابية، أهمية إضافية في هذا السياق. فالانتخابات القادرة على التعبير بحريّة عن خيارات اللبنانيين تحتاج إلى شروط سياسية وأمنية تضمن المنافسة المتكافئة بعيداً عن تأثير السلاح خارج المؤسسات، وإلّا فلا قيمة فعليّة لأي انتخابات تُجرى في كنف السلاح غير الشرعي. والنتيجة المطلوبة مؤسسياً هي مجلس نيابي يعكس الخيارات السياسية للناخبين، ويملك القدرة على إنتاج السلطة ومحاسبتها ضمن قواعد الدولة.
بالتوازي، يصبح ممكناً فتح النقاش الأصعب حول مستقبل النظام اللبناني نفسه.
لبنان مجتمع تعدديّ، وأي تطوير لتركيبته السياسية سيبقى مرتبطاً بقدرته على حماية استمراريّة مكوّناته وضمان تمثيلها السياسي، مع معالجة الاختلالات في الإنماء والإدارة والتمثيل السياسي والتشريع. غير أن مثل هذا النقاش يحتاج إلى بيئة دستوريّة تكون فيها المؤسسات المرجعيّة الوحيدة لإدارة الخلافات، بعيداً عن اختلال موازين القوّة الناتج من امتلاك أي طرف قدرة عسكريّة مستقلّة عن الدولة. فهذه هي المسافة التي تفصل لبنان اليوم عن التحوّلات الكبرى الجارية حوله.
الشرق الأوسط الذي يتكوّن أمامنا يعيد توزيع الأدوار بسرعة، ولبنان يحتاج إلى تحديد ما يستطيع أن يقدّمه ضمن هذه المعادلة. قد تكون فرصته في أن يصبح شريكاً في أمن الطاقة، ومحطة على خطوط التجارة الجديدة، ومركزاً للخدمات والمعرفة والاستثمار. إلا أن قيمة هذه الوظائف ستبقى مرتبطة بالسؤال الذي يسبقها جميعاً: من يملك قرار الدولة؟
وهنا يبرز سؤال داخلي لا يقلّ أهمية عن موقع لبنان في الخريطة الإقليمية: هل ستحسم الدولة فعلاً ملف السلاح غير الشرعي، أم ستبقى أسيرة حسابات حزب الله ومخاوف ردود فعله؟ فالدولة مطالبة، وهي تعالج هذا الملف، بألّا تتجاهل أيضاً اللبنانيين والقوى السياسية والمجتمعية التي عارضت هيمنة السلاح غير الشرعي، ودافعت طوال سنوات عن حصريّة القرار الأمني والعسكري بيد الشرعية، وتحمّلت أثماناً سياسية وأمنية وبشريّة في سبيل ذلك.
ولا يمكن بناء استقرار دائم على معادلة تراعي باستمرار اعتراض حزب الله، فيما تعتبر أن القوى الملتزمة بالدولة ستقبل إلى ما لا نهاية بتأجيل تنفيذ قراراتها. فهذا الاختلال يولّد شعوراً عميقاً بالغبن لدى شرائح لبنانية ترى أن تمسّكها بالدولة ومؤسساتها لا يقابله حزم مماثل في حماية مبدأ المساواة أمام القانون. والخطر عندها أن يتحوّل هذا الغبن إلى اعتراض واسع على الدولة نفسها وعلى قدرتها على تمثيل جميع اللبنانيين بعدالة.
لذلك، فإن حسم ملف السلاح يتجاوز تنفيذ قرار حكومي أو معالجة وضع أمني. إنّه اختبار لقدرة الدولة على إثبات أن الشرعيّة خيار قابل للحياة، وأن من احتكم إلى المؤسسات طوال السنوات الماضية لم يكن الطرف الذي يدفع دائماً ثمن التزامه بها.
الإجابة اللبنانية الرسميّة موجودة في قرارات الحكومة. والتحدّي يكمن في تحويلها إلى واقع ميدانيّ ومؤسساتي، ثم استخدام استعادة الدولة قرارها من أجل بناء موقع جديد للبنان في المنطقة. فالخريطة تتغيّر، سواء شارك لبنان في رسمها أم بقي يتفرّج عليها.
فهل يريد الرؤساء اللبنانيون المشاركة الفعليّة في رسم موقع لبنان الجديد؟ أم يريدون تحويل الاتجاهات الإقليمية إلى "قرارات لبنانية"، بما يجعل لبنان، في أحسن أحواله، امتداداً واضحاً لحروب الجوار ونزاعاته الحديثة؟
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
يُضرب موعد مع الإضرابات والتحركات المطلبية الأسبوع المقبل، مع رصد الاجتماعات العمالية هذا الأسبوع لتحديد خريطة الاعتراض الشعبي على موجة الغلاء. فمن يتحرك؟ وما مدى الاستجابة للمطالب؟
نبض