قمة ترامب وشي: التوقعات المتواضعة

آراء 23-09-2026 | 12:21

قمة ترامب وشي: التوقعات المتواضعة

الخلاف الأميركي – الصيني لم يعد محصوراً في العجز التجاري والرسوم الجمركية، بل تحول إلى منافسة واسعة تشمل التكنولوجيا وأشباه الموصلات والمعادن النادرة والتسلح والنفوذ الدولي.
قمة ترامب وشي: التوقعات المتواضعة
رفع الأعلام الأميركية والصينية في البيت الأبيض وتحضيرات متواصلة قبيل زيارة الرئيس الصيني إلى الولايات المتحدة. (أ ف ب)
Smaller Bigger

لا تبدو التوقعات المرتقبة من لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ مرتفعة، وفق تقديرات عدد من المحللين والخبراء، إلا أن محدودية سقف التوقعات لا تقلل من أهمية القمة التي تجمع الرجلين في واشنطن، في لحظة تبدو فيها المحافظة على قنوات التواصل بين القوتين ضرورة تتجاوز الملفات الثنائية، إلى تأثيراتها المباشرة في عدد من الأزمات الدولية والإقليمية.

 

فالخلاف الأميركي – الصيني لم يعد محصوراً في العجز التجاري والرسوم الجمركية، بل تحول إلى منافسة واسعة تشمل التكنولوجيا وأشباه الموصلات والمعادن النادرة والتسلح والنفوذ الدولي، وصولاً إلى مستقبل التوازنات الأمنية في المحيط الهادئ. وفي ظل الحرب الروسية – الأوكرانية، والحرب الأميركية – الإيرانية، والتوتر المتصل بمضيق هرمز، تبدو القمة محكومة بسياق دولي تتداخل فيه الملفات بحيث يصعب فصل أحدها عن الآخر.

 

شي يدخل واشنطن بأوراق قوة

 

يدخل شي جين بينغ الاجتماع وفي حوزته مجموعة من الأوراق الاقتصادية والاستراتيجية. فسياسة الرسوم التي اعتمدها ترامب ضد الصين ساهمت في خفض العجز التجاري الأميركي بنسبة 29 في المئة، لكنها لم تتمكن من تحجيم القدرة التصديرية الصينية، التي تقترب من مستويات قياسية. كما تحتفظ بكين بورقة المعادن النادرة، بعدما خفضت صادراتها إلى الولايات المتحدة بنسبة 20 في المئة، في وقت أصبحت فيه هذه المواد جزءاً أساسياً من سلاسل الإمداد الصناعية والتكنولوجية.

 

وتملك بكين أيضاً هامشاً من القدرة على التأثير في عدد من الملفات الإقليمية، ولا سيما الملف الإيراني، في ظل استمرار التوتر حول مضيق هرمز والبحر الأحمر وباب المندب، وما يترتب على ذلك من انعكاسات على أمن الطاقة والتجارة الدولية.

 

إلا أن أوراق القوة الصينية تقابلها قيود أميركية متزايدة على وصولها إلى التكنولوجيا المتقدمة والمعادن الحرجة، وفي مقدمها أشباه الموصلات، التي لم تعد مجرد مكونات للهواتف وأجهزة الكمبيوتر، بل أصبحت عنصراً أساسياً في الذكاء الاصطناعي والصناعة الحديثة والأنظمة الدفاعية. ومن هنا، فإن قدرة واشنطن على جعل وصول الصين إلى التكنولوجيا المتقدمة أكثر صعوبة وكلفة تمثل إحدى أهم أدوات الضغط في المنافسة القائمة بين البلدين.

 

تايوان: حدود التفاهم

 

تبقى تايوان الاختبار الأكثر حساسية في أي تفاهم أميركي – صيني. فقد أكدت بكين مراراً أن توحيد الجزيرة يمثل هدفاً استراتيجياً، بينما تنظر واشنطن إلى أمن تايوان من زاوية أوسع ترتبط بتوازن القوى في آسيا ومصداقية شبكة تحالفاتها وشراكاتها الأمنية.

 

وفي الاتصال الذي جرى بين شي وترامب في 5 شباط الماضي، وصف الرئيس الصيني قضية تايوان بأنها القضية الأهم في العلاقات الصينية – الأميركية، مؤكداً رفض فصل الجزيرة عن الصين، ومطالباً واشنطن بالتعامل بحذر مع مبيعات الأسلحة إليها. أما ترامب فأبدى تفهماً للموقف الصيني، من دون أن يرافق ذلك تحول جوهري في السياسة الأميركية.

 

وهنا تكمن إحدى أكثر نقاط التباين صعوبة؛ فبكين تريد من واشنطن موقفاً أكثر وضوحاً في رفض استقلال تايوان، بينما ترتبط السياسة الأميركية في المقابل بحسابات إقليمية أوسع، تجعل أي تغيير كبير في هذا الملف موضع مراقبة من حلفاء وشركاء الولايات المتحدة في آسيا.

 

المحيط الهادئ يعقّد الصفقة

 

لم يعد المحيط الهادئ ساحة للمنافسة الثنائية بين واشنطن وبكين وحدهما. فاليابان تعزز دورها الأمني، وأستراليا مرتبطة بالولايات المتحدة عبر AUKUS، والفيليبين عمّقت تعاونها العسكري مع واشنطن، فيما تشكل كوريا الجنوبية جزءاً من منظومة الردع الأميركية، وتتعاون الهند مع الولايات المتحدة واليابان وأستراليا ضمن مجموعة «كواد»، مع احتفاظها بهامش مستقل في سياستها الخارجية.

 

وفي قلب هذه التوازنات تقع تايوان، باعتبارها جزءاً أساسياً من «سلسلة الجزر الأولى» الممتدة تقريباً من اليابان عبر تايوان إلى الفيليبين. ولذلك فإن أي تفاهم أميركي – صيني بشأن الجزيرة لن تكون نتائجه محصورة في العلاقة بين الطرفين، بل ستنعكس على حسابات طوكيو ومانيلا وسيول وكانبيرا، وعلى تصور هذه الدول لمستقبل الالتزام الأميركي بأمن المنطقة.

 

ومن هنا، فإن قدرة ترامب وشي على عقد صفقة جيوسياسية شاملة تبقى محدودة، ليس فقط بسبب حجم الخلاف بينهما، بل أيضاً بسبب تعدد الأطراف التي أصبحت جزءاً من معادلة المحيط الهادئ.

 

هدنة لإدارة المنافسة

 

في ضوء ذلك، تبدو إمكانية التوصل إلى تسوية استراتيجية كبرى خلال القمة محدودة، فيما تبدو الملفات التجارية المجال الأكثر قابلية لتحقيق نتائج ملموسة، سواء من خلال تمديد الهدنة التجارية أو التوصل إلى ترتيبات مؤقتة تحد من التصعيد الاقتصادي.

 

لكن أي هدنة لن تعني نهاية المنافسة. فكل من واشنطن وبكين سيواصل، على الأرجح، تعزيز قدراته الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية، واستثمار فترات التهدئة لتحسين موقعه التفاوضي وبناء أوراق إضافية قبل أي تسوية مستقبلية.

 

وقد تكون هذه هي الوظيفة الفعلية لقمة ترامب وشي: ليس إنهاء الصراع بين القوتين، وهو أمر يبدو أبعد من متناول لقاء واحد، بل إدارة هذا الصراع ومنع تحوله إلى مواجهة مفتوحة، وإبقاء مساحة للتفاوض في مرحلة تتشكل فيها تدريجياً ملامح نظام دولي جديد.

 

في العام 1972 تمكن ريتشارد نيكسون وماو تسي تونغ من بناء الثقة بينهما وتغيير قواعد اللعبة فتم فتح مسار العلاقات بين البلدين ، وفي عام 1979 أكمل جيمي كارتر ودينغ شياو بينغ الطريق.

 

اليوم، يعجز ترامب وشي عن بناء الثقة بينهما، والاختبار الحقيقي لقمتهما سيكون في القدرة على الاستمرار في المساكنة السياسية وتحويل الهدنة المؤقتة إلى آلية مستقرة لإدارة المنافسة، قبل أن تتحول نقاط الاحتكاك المتراكمة، في المحيط الهادئ أو في الملفات الاقتصادية والتكنولوجية، إلى مسار يصعب احتواؤه.  

 

ترامب يصافح نظيره الصيني خلال آخر زيارة له إلى الصين. (أ ف ب)
ترامب يصافح نظيره الصيني خلال آخر زيارة له إلى الصين. (أ ف ب)

الأكثر قراءة

العالم العربي 9/21/2026 2:20:00 PM
صاحب مقولة "من أنا حتى يرتفع صوتي في هذا المكان الطاهر؟"
النهار بيديا 9/21/2026 11:05:00 AM
نعى الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم شقيقه الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم، الذي تُوفي صباح اليوم الاثنين، مستذكراً إياه بالدعاء، فيما كان الراحل شخصية بارزة في المجالات الأمنية والرياضية والاقتصادية في دبي، وشغل منصب نائب رئيس شرطة دبي والأمن العام وترأس نادي الوصل.
المشرق-العربي 9/21/2026 6:50:00 PM
كانت زوجته تدخل إليه الطعام والماء والملابس والأدوية من خلال فتحة صغيرة في الجدار.