آراء
22-09-2026 | 17:31
الهُوِيّاتُ المتعدّدةُ والمواطَنةُ المتمايِزة، النموذجُ التوافقيُّ اللبنانيُّ أمام تحدّياتِ العولمة
الأب البروفسور جورج حبيقة
النائب العام في الرهبانية اللبنانية المارونية
والرئيس الفخري لجامعة الروح القدس الكسليك لبنان
محاضرة في جامعة شيربروك – كندا
مقدمة : مما لا ريبَ فيه أن التغيُّرات التي تشهدُها مجتمعاتنا اليوم، والتي أمْلتها العولمةُ الإعلاميّة والتقدّمُ التكنولوجي، ليست حوادث عارضة أو هامشية. فإن تقليصَ المساحات وإسقاطَ المسافات يدفعُ حتمًا إلى التفاعل بين العوامل الإنسانية كافة، سواءٌ أكانت دينيةً أم ثقافيّةً أم مجتمعيّة. لقد اضمحلت العُزلات القديمة، بعد أن اجتاحَها التدفّقُ العارم للعولمة. والعقبةُ الأكثرٌ حرجًا، التي سيصطدمُ بها الوجودُ الإنساني لا محالة، لن تكونَ في المقام الأول مسألةَ "الوجود" بحدّ ذاته، بل قطعًا مسألةَ "العيش معًا". كيف ينبغي إذن إعدادُ مجتمعاتنا، في النصف الأول من القرن الحادي والعشرين، لتقبلَ التنوّع، والتعدّديّة، والحقَّ في الاختلاف؟ وكيف يُصار إلى تربيتها على التثمين الإيجابي للتعدّد الثّقافي والتفاعل بين الثقافات؟ وانطلاقًا من الاعتبارات الدينيّة، والمجتمعيّة، والأنثروبولوجيّة، والوراثيّة، كيف يمكن قيادةُ الأجيال القادمة إلى اعترافِ بعضِها ببعضٍ وعيش فرح التّلاقي في حقِّ الاختلاف؟
2. "القريةُ الكونيّة" والهويّات القاتلة . في هذه "القرية الكونية"، ستُدركُ مجتمعاتُنا أنَّ التصدّي لتفاقمِ الهويّات القاتلة أضحى أمرًا لا مفرّ منه. وفي هذا السياق، نتساءل كيف نكون وكيف نكون مع الآخر. وكيف ندير الموارد البشرية في تناقضاتها المتباينة، وندفعُها إلى قَبولِ بعضِها بعضًا كمحطّاتٍ وروافدَ لتجاربَ إنسانيةٍ فريدة لا غنى عنها، من أجل مقاربة متنوّعة لواقع متشعّبِ الأبعاد. فلولا الآخرُ، بِمَا هو عليه ومَنْ هو، هل كان لي أن أكون؟ ولولا الآخرُ، ولولا "اللا-أنا"، هل كان بمقدوري أن أعيَ هويّتي الخاصة؟ أليس هذا "اللا-أنا" هو ذاتُه الغريبُ الأصيل القابعُ في جوهر التغاير القائم في جسد الإنسانية المتكامل الذي لا يتجزأ؟ فحين أسعى إلى نمذجة هذا الآخر المختلف أو تهميشه أو إقصائه - وهو الشبيهُ المباين الذي يسائلني باستمرار ويدفعني إيجابًا إلى التساؤل حول ما أظنّه بديهيّاتٍ أبديّةً محصّنة تجاه أيّ نقاش فيها - ألا يكون ذلك بمثابة تدميرٍ ذاتيٍّ بطيء وغيرِ واعٍ، وبالتالي تعطيلاً مميتًا للملكات المعرفيّة والاستكشافيّة للعقل البشري، ومنها عقلي أنا بالذات؟
3. الهويّاتُ المتعدّدة والتعدُّديّة الثقافيّة . يندرج هذا الطرح كلّيًا في ما يسميه "تشارلز تايلور" سياسة الاختلاف ("سياسة الاعتراف"، ضمن كتاب: "التعدّدية الثقافيّة: الاختلاف والديمقراطية"). يلاحظ تايلور أنه "قبل نهاية القرن الثامنَ عشر، لم يكن أحد يظنّ أن للاختلافات بين البشر هذا النوع من المدلول الأخلاقي. فهناك طريقة معيّنة للكينونة الإنسانيّة هي طريقتي الخاصة. وأنا مدعوٌ إلى عيش حياتي بهذه الطريقة، لا تقليدًا لحياة شخص آخر". ومن هذا المنطلق، يخلص تايلور إلى ما يراه حَريًّا بأن يُسمى "مبدأ الفرادة". وتعلّق "ماري غاي" في كتابها "المواطن": «كلُّ واحد منا فريدٌ من نوعه، ولديه ما يقوله مما لا يستطيع أيُّ آخر أن يصوغه. وفي المجتمع الديمقراطي، يتوجّب على الحكومة، إذ تعترف بـمساواة الجميع، أن تمنح الكلَّ الفرصَ عينها لتطوير ذواتهم الأصيلة". تُفضي بنا هذه المقارباتُ المتباينة إلى استنتاجٍ مفادُه أنّ التجذّر الأصيل، ومن ثَمَّ التماسك الهويّاتيّ، يمثّلان الخاسر الأكبر في ظلّ هذه المتغيّرات المجتمعيّة البالغة التعقيد. غير أنه يبقى بديهيًا أنَّ الانتماءات الأساسيّة للإنسان، التي نعتبرُها الركائزَ الأولى في بناء الهويّة، ليست نتيجةَ فعل إرادي. فمَن ذا الذي اختار أباه، أو أمَّه، أو وطنه، أو لغته، أو ثقافته، أو حتى دينَه في الأصل؟ لقد حقّق هايدغر كشفًا أونطولوجيًا عظيمًا عندما حدّد الكائنَ البشري بــ Dasein، أي "الكائن-هنا". وبالفعل، يجد المرءُ ذاتَه مُقحمًا في إحداثيّات زمانيّة ومكانيّة لم يكن له أيُّ يدٍ في اختيارها. وقد يعتبرُ البعضُ هذا النوع من التجذّر غير الإرادي إكراهًا خانقًا لحرّية الفرد، ولكن ما العمل، فهذا هو النمط الوحيد المتاح للوجود الإنساني. كيف يمكن أن نحظى بالوجود على نحو آخر؟ إن هذه المعادلةَ الأونطولوجيّة المحدّدة سلفًا إنما هي ممرٌ إجباري. ومن خلال هذا الترسّخ في معطيات وجوديّة سابقة، يُدعى الإنسان، في مفارقة ظاهرة، إلى تحقيق ذاته بحرّية. وعلى غرار اللاّوعي عند الإنسان الذي يتشكل تدريجيًا، ويصير قوةً خفيّة توجّه الأفراد في الخفاء، كذلك الحالُ بالنسبة للتجذّر الأساسي. فاللاّوعي، إذ يتطوّر بمعزل عن الشخص ويزداد تعقيدًا في المسارات الغامضة للآليات المعرفية الأولى، يحدّدُ لاحقًا سلوكَنا الحرّ والواعي. وبالطريقة ذاتها، فإن الانتماء الأساسي غيرَ الإراديّ يتحكم في كل طبقات حياتنا اللاّحقة، ويوجّهُ ترحالَنا. كان أندريه جيد على حقٍّ حين طرح هذه المشكلةَ الكبرى المتعلّقة بالإكراهات الهويّاتية التي أفرزها المجتمعُ الحديث. ومع ذلك، لا يمكن المرء أن ينكر أنَّ كلّ هويّة، وكل تجذّر، هما ديناميان ومتعدّدان في آن واحد. فقد كان "أندريه جِيد" باريسيًا، وأوزيتيًا، ونورمانديًا في الوقت عينه. وهذه المكوّناتُ الثقافيّة الثلاثة، في رأيي، لا تتنافر؛ بل يتكاملُ بعضُها مع بعض في هرمونيّة الأضداد. وحيثما كان "أندريه جِيد" يذهب، في تجواله وترحاله الذي اختاره، كان يحمل معه، عن غير قصد وبلا وعي، هذا الانتماء الأساسي الثّلاثي. شاء المرءُ أم أبى، إنّه الحصيلةُ الأونطولوجية المحتومة لماضٍ مؤسّس؛ وبدون هذا الأخير، يستحيلُ تصورُ أيِّ مستقبل.
4 . الكائنُ البشريُّ والسِّياقات الثقافيّة المسبقة . لتوضيح هذه الفكرة، أجدُ من الملائم إجراءُ هذا التوازي السريع بين الكائن البشري من جهة، والماء من جهة أخرى. فمن المسلَّم به منذ البدء أنَّنا لا نجدُ أيَّ شيء في حالته الخالصة المحضة في عالمنا هذا، ولا سيّما الكائن البشري؛ فالإنسانيّة، كجوهر وككينونة، تتجسّد دومًا ضمن ثقافةٍ سابقةِ الوجود. تمامًا كجزيء الماء الذي يتكون أساسًا من ذرّتين من الهيدروجين وذرّة واحدة من الأوكسجين؛ فهذا التركيب الصرف لا يوجد بحالته النقيّة المطلقة إلا في المختبر. ولو تجرّأ المرءُ على شرب الماء المقطَّر النقي في المختبر لوجده غريب المذاق. إن ما يجعل الماءَ عذبًا للشرب ومفيدًا للجسم الحيّ بالفعل إنما هي المقادير الدقيقة من المعادن والأملاح المعدنيّة التي يحملها معه من التربة التي ينبع منها. فهناك أنواعٌ من المياه بقدر ما هناك من ينابيع. التنوّع الطبيعي هو المظهر الوحيد للكينونة؛ فكل ما هو موجود متجذّر في الأرض التي خُصّ بها. والأمر عينه ينطبق على الكائن البشري، أينما كان ومهما كان؛ فإن تجذرَه الأساسيّ هو الذي سيتيح له الخروجَ من شرنقته الثقافيّة، بالمعنى الواسع للكلمة، لينفتح تفاعليّا، في إطار الاحترام والاعتراف والعيش معًا، على الانتماءات الأساسيّة للآخرين في كلّ زاوية وركن من أركان هذه "القرية الكونية" التي نعيش فيها الآن على إيقاع العولمة الراهنة. إن هذا التشابك في الانتماءات الأساسية يذكرني بمقطع "هيراقليطس الأفسسي" الشهير الذي استعان به "هيغل" لتثبيت مفهومه للجدلية ولقوة السلبيّ في المسيرة الموجِّهة للتاريخ نحو الإيجابيّة السعيدة، حيث يقولُ بالحرف الواحد: "الضِّدُّ يتآلفُ مع الضِّد؛ وأجملُ تآلفٍ هو تآلفُ الأضداد". وبناءً عليه، يحقُّ لنا أن نتساءلَ بصوابيّة لماذا نُصرّ كلَّ هذا الإصرار على الدّفاع عن مبدأ التنوّع الذي نستسيغُه حتميّةً وجوديّة لنموّ الحياة وتحقيق الإبداع. فعندما ندافعُ عن التعدّدية المتماسكة، فإننا ندافع عن الثّراء الفكري والرّوحي والحرّية والحياة. إن ما يتهدَّدُنا في العولمة الحاليّة هو، بالفعل، التنميطُ المميت والقاتل. فإن قولبةَ العقول التي تنتجُها اليوم ثقافةٌ أحاديّةٌ على المستوى الدّولي تُدمّرُ لا محالة زخمَ الحياة والجدليّاتِ والابتكارَ والمخيّلة. إن التوحيدَ القسري، مهما كان نوعُه، يُلغي الحرّية، لسبب بسيط جدًا هو أن الحريّة لا يمكنُ أن تُمارَسَ إلا في ظلّ خيارات متعدّدة. وبالنتيجة، فإن الثقافةَ الأحاديّة لا يمكن إلاّ أن تؤدّيَ إلى ضمور الفكر التدريجي واختناقه.
5. الميثاقُ الوطنيُّ اللبناني، حارسُ التعدّدية بفضل الميثاق الوطنيِّ بالذات، الذي يرمي إلى صيانه الاختلافات المجتمعيّة عبر المشاركة في السلطة، نجح لبنان نجاحًا باهرًا في انتشال نظامه السّياسي من البُنى السّياسيّة المجتمعيّة للدّول المجاورة. في تلك الدّول، كانت ولا تزال الاختلافات والخصوصيّات، مع الأسف، تُطمسُ وتغرق في دولَتِيّةٍ اندماجيّة أحاديّة اللون. ولم تكن هذه الـمَهمّةُ هيّنة؛ بل قُدّمت تضحياتٌ جسامٌ للإبقاء على لبنانَ المتعدّد حيّا، ومن ثَمَّ الحفاظ على الحقّ الطبيعي للأشخاص في الاختلاف. وفي هذا المجال بالذّات، يستطيع لبنان أن يقدّم للإنسانية، المجتمعةِ اليوم في مساحة عيش بلا حدود ولا مسافات، أنموذجًا للمواطنة المتمايِزة، التي تنمو وتتفتّحُ وتُزهّرُ بنحو أو بآخر في الديمقراطيّة التوافقيّة. وهذه المواطنة، القائمةُ على مبدأ الوحدة في الاختلاف، تساهم، وإن بصعوبة، في تحقيق انتقالٍ، ناجح إلى حدّ ما، من الهويّات القاتلة إلى الهويّات المتصالحة في هرمونيّة الأضداد الهشَّة والصّلبة في آن. وكذلك، قد يكون من المحقّ أن نشيرَ إلى أن الميثاقَ الوطنيّ اللبناني لا يقلُّ أهميةً عن كونه حدثًا سياسيًا جسيمًا في شرق تديره في الغالب الأحاديّةُ الخانقة، وأحيانا الاقصاءُ الديني. وفي مقاربتنا للفلسفة التي تبطن هذا الميثاق الوطني، لا نجدُ حرجًا في إجراء مقارنة مع "صحيفة المدينة" التي وقعها نبيُّ المسلمين عام 622م مع اليهود والصابئة والوثنيين عند خروجه من مكّة تحت الضغط العسكري للقبائل المعادية. تنصُّ البنود الـ 41 لهذه الصحيفة على أن المهامَ الإداريّةَ المتعلّقة بتدبير شؤون المدينة توزّعُ بالتساوي. فالآخر، المختلف في ثقافته ودينه، يُعتبر شريكًا ومشاركا. وكما تقول الدكتورة "فيليس تشو" من جامعة سينغافورة في بحثها في الأديان: "قد يذكر المؤرخون الغربيون معاهدات وستفاليا عام 1648 كبداية للعصر الحديث للدولة-الأمّة. ولكن يمكن الملاحظة هنا أن ميثاقَ المدينة، الأقلَّ شهرة، صدر بموجبه حقوقٌ متساوية لجميع المواطنين في مجتمع تعدّدي مع إعطائهم صوتا في الحكم". ومن جهته، يؤكد "هنري بايمان" أنّه "عندما هاجر نبيُّ الله إلى المدينة، أعدّ مع أهل المدينة وثيقةً تشكّل أوّل دستورٍ مكتوب في العالم. وفي "دستور المدينة"، تمّ تعريفُ مفهوم الجماعة الدينيّة كاتحادٍ سياسيّ يشمل الشعبَ كلّه. وهذا يشملُ اليهود وحتى عبدةَ الأوثان. ووفقًا لدستور المدينة، تُعتبر كلُّ مجموعة مستقلةً ذاتيًا في مجالات الدّين والقانون. وقد وقَّعت جميعُ الأطراف على هذا العقد الاجتماعي بإرادتها الحرّة" (سر الإسلام...، ص 144). مع ذلك، فإن هذه "الصحيفة"، التي وضعت الأسسَ الأولى لحقوق الإنسان وأرست عيشًا معًا متساويًا في مجتمع تعدّدي، سرعان ما استُبدلتْ لاحقًا بالشريعة الإسلامية كدستور واحد للمدينة. وكان لا بُدّ من انتظار البروز التدريجي للميثاق الوطني اللبناني عام 1842 (المحاولة الأولى المتعلّقة بالموارنة والدروز، التي اقترحها كلمنس فون مترنيخ، المستشار النمساوي)، وفي عام 1845 (المحاولة الثانية الأكثر تطورًا والشاملة المذاهب الدينية الستة الكبرى، التي أقرّها وثبّتها شكيب أفندي، وزيرُ خارجية الأمبراطورية العثمانية)، ولا سيما في عام 1943 (المحاولة الثالثة التي وزعت مراكزَ السلطة العليا بين الموارنة والشيعة والسنّة)، لإعادة الحياة إلى "صحيفة المدينة" وجعل المواطَنة تقوم على الاعتراف بالآخر المختلف كشريك كامل الشّراكة في الوحدة الوظيفيّة للدّولة المتعدّدة. وفي الواقع، فإنّ الميثاقَ الوطني اللبناني، من جهة، وأنظمةَ غالبيّةِ دول الشرق الأوسط القائمة على مبدأ "الانصهار الوطني"، من جهة ثانية، يقفان على طرفي نقيض. ففي المشرق كلّه تقريبًا، يتكرّر مصطلح "الانصهار الوطني" باستمرار كلازمة تتردّدُ في الخطابات السياسيّة، إلى حد أنَّ أيَّ محاولة للخروج عن سياق الشّعارات التي ترفعها السلطة السّياسيّة تُعتبر مساسًا بوحدة الأمّة المعزّزة بالانصهار الوطني وبصيغ سياسية متطابقة. غير أن الانصهار في الأصل هو مصطلح يستخدم حصرًا لوصف عملية صهر المعادن المختلفة في الأتّون للحصول على سبيكة أحاديّة اللّون والمظهر. ولا يمكن بأيّ حال أن يُطبّقَ على التركيب المجتمعي.
6. المواطنةُ اللبنانيّة المتمايِزة، ترياقُ الانصهار الوطني في اتفاق الطائف، ورد مصطلحُ "الانصهار الوطني" مرتين. وهذه المصطلحات في نصوص الدستور اللبناني الجديد - الغريبة أصلاً عن معجم الميثاق الوطني - تعكس بأمانة التأثير المباشر لبعض العقليات المشرقيّة، التي لا تزال فاعلة حتى اليوم، والتي يصعبُ عليها تصوّرُ الوحدةِ الوطنيّة خارج صهر كل مكوّنات المجتمع. فوضعية "الرعيّة" هي التي لا تزال محفوظة للأفراد. أما المواطَنة، التي تتمتّع بكلّ الواجبات والحقوق، والمساوية والمحترِمة للانتماءات الثقافيّة والسياسيّة والدينيّة وفقًا للمادة 18 من الميثاق العالمي لحقوق الإنسان، فلم تُفعَّل بعدُ في معظم دول المشرق. غير أنَّ هذا التكرارَ المرضي لمصطلح "الانصهار الوطني" - الذي بلغ ذروتَه في الإصرار على إلغاء الدّولة التوافقيّة اللبنانيّة ومبدأ تقاسم السلطة، وهو ما يُبطنُ تخطيطًا توسّعيًا طائفيًا غيرَ معلن - يقابله ردٌّ قويّ، وإن كان مضمرًا، من قِبل الوعي السياسي اللبناني، الذي ينصّ على أنّ أيّ قانونٍ يخالف مبدأ إرادة العيش معًا يُعتبر باطلا وغيرَ شرعي. ويترتّبُ على ذلك أنّه حتى في المفهوم الخاطئ لـ "الانصهار الوطني"، فإن المشرّعَ اللبناني، الذي يعمل تحت وطأة الاحتلال الخارجي ووصاية الدول التي ترزح تحت أنظمة سياسيّة لم تصل بعد إلى الديقراطية الكاملة، يسعى بكل ما أوتي لإنقاذ مبررِ وجود لبنان، من خلال هذا الإصرار على المواطنة المتساوية أمام القانون، والمحترِمة في الوقت عينه للذاكرة التاريخية للأشخاص. فالمواطَنة اللبنانيّة المتمايِزة ليست مبتورةً عن التاريخ المؤسّس للكينونة، ولا عن المكوّنات الثقافيّة والدينيّة. وهي تختلف عن المواطَنة الغربيّة الحديثة، التي أنتجتها الثورتان الأمريكيّة والفرنسيّة بعدما أفرغتاها من الذّاكرة التاريخيّة وحصرتاها في أبعادٍ مجرّدة. إن المبدأ الفلسفي الذي يُفيدُ بأنّه يجب أن تكونَ ذاتَك لكي تكونَ مع الآخرين، يمكن أن يؤطّرَ كلَّ الاستراتيجيّات التربويّة، بهدف إنقاذ التنوّع الثقافي، وبالتالي تعزيز مواطنةٍ متجذّرةٍ في الإحداثيات الزمانيّة والمكانيّة الديناميّة والمبتكرة. وكما هو جليّ، فإن بناءَ الهويّة لا يخضع أبدًا لقاعدة الجمود والخطّ الواحد؛ بل هو نتيجةُ عمليةٍ ذاتِ تعقيدٍ هائل، تتداخل فيها عوامل داخليّة وخارجيّة كثيرة. ومن هنا تأتي الضرورةُ القصوى لتحصين الأجيال الصاعدة ضدّ التنميطات الثقافيّة التي توحّدُ أنشطةَ الفكر وتجفّفُ العقول وتميتها. ومن البديهي أنّ التنوعَ هو النسيجُ الوحيد للوجود، وبالتالي هو الطريق الوحيد الذي يجب سلوكه نحو الحياة الحقيقية والسلام الدائم. إن إلغاءَ التمايز فعلُ عنف يخالف المبادئ المنظِّمة للحياة في المجتمع. ولو رجعنا إلى الجسد الحي، لوجدنا أنّه لا وجودَ لخليّة تشبه أخرى، ولا لعضوٍ يماثل آخر، ومع ذلك تتضافر كلُّها في تكاملٍ وظيفي. أمّا في الجثّة الهامدة، فما الفرقُ بين مكوّناتها البيولوجيّة؟ لا شيء. فالموتُ يزيلُ الفوارقَ ويوحّدُ جميعَ أعضاء الجسد في هدأة اللاّوجود. والحياةُ لا تُقيم إلا في التنوّع؛ وخارجَ التنوّع، ليس هناك سوى موكبٍ جنائزيٍ للحياة والجدليّة الـمُبدِعة. وبعد التبصّر في كلّ هذا، سيكون من النافع أن نعلمَ أنّه في أصل المصائب الحاليّة لمعظم دول المشرق، تقبعُ الفكرةُ السقيمة القائلة إن قوةَ الأمّة ووحدتَها تكمنان في صهر المجتمع وتوحيده القسري، مما يُقصي أيَّ تصورٍ إيجابي لتعدّدية مُجدية ومحترِمة للتّمايزات المستوعَبَة والمنسجِمة في هرميّة متكاملة.
7. لبنانُ المتعدّد، دولةٌ توافقيّة ومِن المفيدِ أيضاً التنويهُ بأنَّ النظامَ السياسيَّ اللبنانيَّ هو نظامُ دولةٍ توافقيّة (Consociational) يندرجُ كلياً في الإطار المفاهيميّ للدّراسات التي أجراها المرجعُ العالميُّ في العلوم السياسية "آرند لايبهارت" (Arend Lijphart) ، وتابعها "جون مكغاري" و"بريندان أوليري". ولصوغ هذا المفهوم، انطلق عالمُ السياسة لايبهارت من دولٍ أوروبية كبلجيكا وهولندا وسويسرا، ليضمَّ إليها في المقام عينه لبنان وغيانا وماليزيا. وقد أثبتَ بشكلٍ قاطع أنَّ الديمقراطيةَ العدديّةَ في مجتمعاتٍ منقسمةٍ عرقيًا أو لغويًا أو دينيًا ستبوءُ حتمًا بالفشل الذّريع وتُفضي إلى حروبٍ أهليّة. وفي هذا الصّدد، تُعتبر حالةُ أيرلندا الشّمالية ناطقةً بذاتها؛ إذ شعرت الأقليّةُ الكاثوليكيّةُ بالإقصاء من المناصب القياديّة والوظائف العامة، فحملت السلاحَ للدّفاع عن حقوقها. وبعد ثلاثة عقودٍ من النزاع الدمويّ، كان لا بدَّ من انتظار مَهمَّة المبعوث الخاص للرئيس كلينتون، السيناتور الشهير "جورج ميتشل" (الذي كانت أُمُّه "ماري سعد" مارونيةً من بكاسين في قضاء جزين)، لإنهاء هذه الاضطرابات بتوقيع "اتفاق الجمعة العظيمة" عام 1998، القائم على مبدأ المشاركة في السلطة، كما هي الحالُ في لبنان؛ حيث يكون رئيسُ الوزراء دومًا بروتستانتيًا ونائبُه كاثوليكيًا، ويتمتعان بالصلاحيّات عينها. وفي أبحاثهم الرائدة، انتهى علماءُ السياسة الثلاثة المذكورون إلى وضع ثلاثة شروط لا بدّ منها (sine qua non) لتسييرِ الدّولة التوافقيّة - التي هي بطبيعتها هشّةٌ وسريعةُ العطب - بانتظام وفاعلية: أولاً، ينبغي أن تُتاحَ للنُّخَب المشاركةُ الناجزة في سُدّة الحكم والمراكز الأساسيّة للدولة؛ ثانيًا، يجب أن تكون مكوّناتُ المجتمعِ متقاربةً بعضها من بعض؛ وثالثًا، يُشترط وجودُ تدخلٍ خارجيٍّ إيجابي، على غرار الدّعم الذي قدّمته المملكةُ المتّحدة وأيرلندا لاتفاق الجمعة العظيمة في أيرلندا الشمالية. لنَرَ الآنَ كيف طُبِّقت هذه الشروطُ في لبنانَ "الماضي الجميل"، وكيف عُطِّلت لاحقًا فأدّت إلى تفكّك الدّولة وانهيارها. فبدعمٍ مشهود من الخبراء الفرنسيين، أنشأ الرئيسُ الاستثنائيُّ ورجلُ الدولة المتفرّد، الجنرال فؤاد شهاب، في 12 حزيران (يونيو) 1959، "مجلسَ الخدمة المدنيّة"، الذي أخذ على عاتقه المَهمّةَ الشاقّة لاختيار النّخب الإداريّة في الدولة عن طريق المباريات والتكافؤ. ومن المفيد أيضًا الإشارةُ إلى أنَّ الرئيس شهاب كان يمنعُ الأحزابَ السياسيّة من إقحام أعضائها مباشرةً في الإدارة العامة وتخطّي المبدأ الدستوري للمباراة. وفي عهده، كانت المكوّناتُ المجتمعية في انسجامٍ نسبي؛ إذ نجح - بانفتاحه ورجاحة عقله وتفانيه المثالي وتجرُّده التام - في إيصال لبنان، الذي كان يُدعى حينها "سويسرا الشرق"، إلى مرتبة الدول الأربع الأكثر أزدهارًا في العالم عام 1963. وكان هذا الازدهارُ المجتمعي والاقتصادي المرموق، المدعومُ بالاستقرار السياسي، يعود بالدرجة الأولى إلى الاحترام الصارم للشّروط الثلاثة التي حدّدها علماءُ السياسة لإنجاح الدولة التوافقيّة. غيرَ أنَّه عقبَ "اتفاق الطائف"، الذي وُقِّع في 22 تشرين الأول (أكتوبر) 1989 لوضع أسس المصالحة الوطنية، جرى تقاسمُ الوظائف العامة كغنائمَ بين القوى الحزبيّة؛ مما أدى إلى إقصاء الكفاءات والنّخب، وسيادة المحسوبيّة والزبائنيّة. وبهذا المسار، تسلّل الفسادُ إلى مفاصل الدولة كافة، ونخرها من الداخل، حتى انتظمَ في هيكلية إدارية قائمة بذاتها. أمَّا ما يتعلّقُ بمكوّناتِ المجتمع اللبناني، فما كاد المرءُ يهلّلُ لرؤية دولةٍ لبنانيةٍ حقيقية، حُرَّةٍ وذاتِ سيادة، تُبعثُ من جديد بعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت في نهاية صيف 1982، حتّى تلا ذلك في الوقت عينه تأسيسُ حزبٍ لبنانيٍّ فائقِ التسليح وذي مَهمّةٍ إقليمية. وبذلك انكسرَ التوازنُ الدقيق والهشُّ بين مكوّنات المجتمع اللبناني كسرًا عنيفًا، مما أدى إلى خللٍ وظيفيٍّ كامل في الدولة التوافقيّة. وأمَّا الشرطُ الثالث، الذي يرمي إلى توفيرِ تدخُّلٍ خارجيٍّ إيجابي لدعم الدولة التوافقية ومساندتها، فقد شعرت دولُ الجوار والدولُ البعيدة على حدٍّ سواء بالحرج من هذا النظام السياسي اللبناني، غير الثيوقراطي، التوافقي الديمقراطي الحرّ، الذي يعزّزُ التداولَ السلميَّ على السلطة. وانطلاقًا من هذه المعطيات المجتمعة، يستطيعُ الحضورُ الكريمُ الآن أن يفهمَ لماذا انتهى المطافُ بالدولة اللبنانيّة إلى التّداعي. وإلى هذه العوامل كلِّها، يُضافُ الثقلُ الخانق للوجود المزدوج الفلسطيني والسوري على الأرض اللبنانيّة، تحت خانة اللاّجئين الذين يوشك عددُهم أن يبلغ المليونَ والنصف؛ وكأنكم تستقبلون على الأرض الفرنسية، بحسب النسبة والتناسب، خمسةً وثلاثين مليون لاجئ، يفرّون من بلادهم الفقيرة أو من مناطقَ تُمزّقها الحروب. فهل هذا أمرٌ يمكن إدارتُه في بلدٍ صغيرٍ مثل لبنان، منهَكٍ ومنهار؟
8. الخاتمة: استنادًا إلى المساهماتِ المختلفة للفلسفة والأنثروبولوجيا وعلم الجينات، يحقُّ لنا أن نؤكّدَ أنَّ رفضَ الآخرِ المختلفِ واعتبارَه جهنّمًا لن يكونَ إلى الأبد مسألةً مستعصيةً على الحلّ. فإنَّ التمازجَ الحاليَّ للثّقافات والأعراق والأديان يساهمُ في بروزِ الهويّات المتعدّدة. ويترتّبُ على ذلك أنَّ المواطنةَ التي صِيغَت في الماضي على سبيكةٍ متجانسة، ستتحوّلُ جَبْرًا إلى متمايِزةٍ، لكي تستطيعَ استيعابَ المكوّنات المتبايِنة كافّة لمجتمعاتنا التعدّدية، سواءٌ أكانت مترسّخةً في ذاكراتٍ تاريخيّة غيرِ متجانسة ومتصلِّبة، أم معولمةً الآن بفعلِ تدفّقِ المهاجرين والمغتربين. وستقومُ الوحدةُ الوطنيّةُ في روزنامتنا الحاضرة على مواصلة العيشِ معًا، بالرغم من كلِّ التحدّيات، والكدِّ الدؤوب لتحقيقِ انسجامِ الاختلافات والتباينات في أيضٍ مجتمعيٍّ واسعٍ وغيرِ متشنّج. ولهذه الهويّات المتعدّدة وهذه المواطَنة المتمايِزة، يمكن أن يكونَ لبنانُ معيارًا حقيقيًا للدّولة التوافقيّة، التي تُدير بعبقرية هرمونيّةَ الأضداد الهشّةَ والمنيعة. وفي هذه المغامرة للعيش معًا ومختلفين، فإن الكلمة الـمُحِبَّة والمسؤولة وحدَها كفيلةٌ بإنقاذ مجتمعاتنا الحديثة وضبطِها على إيقاع التعدّدية الثقافيّة السّعيدة. إن إخراسَ الكلمة واللجوءَ إلى العُدوانيّة والبطش ليس إلا هزيمةً نكراءَ للإنسانيّة. وفي نهاية المطاف، قد نميل إلى الاعتقاد أنَّ الكلمة الإنسانيّة ستتجاوزُ أرجحيّةَ فشلِها وتستعيدُ وظيفتَها كوسيلة لا بُدّ منها للتّواصل بين البشر وإرساء أزمنة سلاميّة. وهكذا، وإذ يسكنُ البشرَ الشغفُ عينُه بالتفتيش العنيد عن السّعادة وفرح الوجود، قد يتمكّنون من السير معًا نحو مدينة مؤنسَنة تتربّعُ فيها الكلمةُ الحكيمةُ والفَطِنة والـمُحِبّة على عرش الحكم. وهناك تهجرُ البشريّةُ منطقَ التنابذِ القاتل، وتنزلُ في ضيافة الكلمةِ العاطِفة والحاضِنة، فتتصالحُ عندئذٍ مع ذاتها في الغيريّة، وتعيشُ أخيرًا فرحَ التّلاقي في رِحاب تآلفِ الاختلاف.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
العالم العربي
9/21/2026 2:20:00 PM
صاحب مقولة "من أنا حتى يرتفع صوتي في هذا المكان الطاهر؟"
النهار بيديا
9/21/2026 11:05:00 AM
نعى الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم شقيقه الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم، الذي تُوفي صباح اليوم الاثنين، مستذكراً إياه بالدعاء، فيما كان الراحل شخصية بارزة في المجالات الأمنية والرياضية والاقتصادية في دبي، وشغل منصب نائب رئيس شرطة دبي والأمن العام وترأس نادي الوصل.
المشرق-العربي
9/21/2026 6:50:00 PM
كانت زوجته تدخل إليه الطعام والماء والملابس والأدوية من خلال فتحة صغيرة في الجدار.
نبض