هل ينهي رحيل نتنياهو التوتر التركي ـ الإسرائيلي؟
سمير صالحة*
قد يفتح رحيل بنيامين نتنياهو من المشهد السياسي الإسرائيلي بعد انتخابات الشهر المقبل نافذة جديدة مع تركيا، بعدما تحولت العلاقات خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى أبرز ساحات التوتر بين البلدين.
نتنياهو جعل تركيا جزءاً من معركته السياسية والأمنية، خصوصاً مع توسع الدور التركي في سوريا. لذلك، قد يؤدي رحيله إلى تراجع شخصنة الخلاف وتخفيف لغة المواجهة، ويفتح المجال أمام إعادة تفعيل قنوات التواصل السياسي والديبلوماسي المقطوعة منذ أكثر من عامين.
لكن خروج نتنياهو من المعادلة لا يعني بالضرورة تراجع أسباب الخلاف.
تغيير معادلات
رحيل نتنياهو يمكن أن يغير معادلة الربط بين حساباته السياسية وإدارة العلاقة مع تركيا. فقد تختفي بعض الحدة في التخاطب، ويصبح الاتصال السياسي أقل كلفة، وقد تجد الحكومة الإسرائيلية المقبلة أن إدارة العلاقة مع أنقرة أكثر فائدة من تحويلها إلى عنوان دائم للصراع.
وتكشف الانتخابات الإسرائيلية عن متغير أوسع من مجرد احتمال خروج نتنياهو، يتمثل في احتمال إعادة إسرائيل النظر في طريقة إدارة بيئتها الإقليمية.
فالتراجع في شعبية الرجل يعكس، إلى جانب عوامل سياسية داخلية، نقاشاً متزايداً بشأن كلفة الحروب ونتائجها وحدود الوعود الأمنية التي رافقتها. ولا يعني ذلك أن البديل سيكون أكثر قرباً من أنقرة، لكنه قد يكون أكثر حاجة إلى إدارة الخلافات الإقليمية عبر قنوات سياسية مفتوحة. ومن هنا، قد يصبح رحيل نتنياهو فرصة لتسريع الحوار التركي ـ الإسرائيلي، لا لأن أسباب الخلاف اختفت، بل لأن إدارة هذه الخلافات أصبحت أكثر إلحاحاً.
لكن هناك ما لن يرحل مع نتنياهو. المشهد السوري أحد أبرز هذه الملفات.
تل أبيب تريد أن تعرف إلى أين تتجه الدولة السورية، وما الذي يعنيه الوجود التركي المتزايد بالنسبة إلى حرية الحركة الإسرائيلية.
وأنقرة لا تريد أن تتحول العمليات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية إلى قاعدة لتحديد شكل الدولة السورية أو حدود الدور التركي فيها.
قد يتغير الرجل، وقد تتغير اللغة، لكن التنافس على شكل البيئة الأمنية السورية سيبقى.
لم يعد الخلاف التركي ـ الإسرائيلي محصوراً في الملفات الثنائية، ولا يمكن فصله عن الاصطفافات الإقليمية الجديدة. أنقرة تتحرك اليوم ضمن شبكة أمنية وسياسية أوسع، من سوريا إلى الخليج وباكستان وشرق المتوسط، فيما تعزز إسرائيل شراكاتها مع اليونان وقبرص اليونانية. المخاطر لا تكمن فقط في احتمال الاحتكاك بين الطرفين، بل في انتقال هذا التنافس إلى صراع بين اصطفافات إقليمية متقابلة.
الفرصة الحقيقية تكمن في الانتقال من توتر سياسي مرتفع إلى تنافس تحت السيطرة. وهناك ما يسمح بذلك، من حاجة الطرفين إلى منع الاحتكاك العسكري، إلى مصلحة مشتركة في عدم تحول الساحة السورية إلى مواجهة تركية ـ إسرائيلية مباشرة.
واشنطن ليست بعيدة
ولن تكون واشنطن بعيدة عن هذا المسار، فمصلحتها لا تكمن في تحول التنافس التركي ـ الإسرائيلي إلى مواجهة مباشرة، خصوصاً في سوريا. ويمكن للدور الأميركي أن يبقى حاضراً في توفير آليات لمنع الاحتكاك وفتح قنوات التهدئة، من دون أن يعني ذلك أن واشنطن تملك وحدها مفاتيح العلاقة بين أنقرة وتل أبيب.
من هذه الزاوية، يصبح رحيل نتنياهو مهماً لا لأنه سيحل المشكلة، بل لأنه قد يزيل إحدى العقبات أمام إعادة فتح الحوار التركي ـ الإسرائيلي. فالاختبار الحقيقي للحكومة الإسرائيلية المقبلة لن يكون في إنهاء التوتر مع أنقرة، بل في قدرتها على إدارة تنافس بات يتجاوز الملفات الثنائية إلى بيئة إقليمية أكثر تعقيداً.
نبض