المواطنة والضمانات: نحو توافقية وظيفية

آراء 15-09-2026 | 10:07

المواطنة والضمانات: نحو توافقية وظيفية

أثبتت التجربة بعد الطائف أن المشكلة ليست في وجود الضمانات، بل في غياب حدود واضحة بين مجال الديمقراطية والمواطنة ومجال التوافق والضمانات الجماعية.
المواطنة والضمانات: نحو توافقية وظيفية
علم لبنان ممزّق وخلفه البحر.
Smaller Bigger

منذ نشوء دولة لبنان الكبير، يواجه النظام السياسي اللبناني معادلة دقيقة: كيف يمكن بناء جمهورية برلمانية ديمقراطية تقوم على المواطنة والمساواة، في مجتمع تعددي تتكون هويته التاريخية من جماعات دينية وطائفية تخشى إحداها هيمنة الأخرى؟

 

غالباً ما يُطرح السؤال وكأن على لبنان الاختيار بين نموذجين: دولة مواطنين تتجاوز الانتماءات الطائفية، أو دولة توافقية تحمي الطوائف وتضمن مشاركتها. لكن قراءة الدستور والتعديلات التي أقرها اتفاق الطائف تكشف عن صيغة تجمع بين الأمرين: المواطن هو أساس الحقوق والشرعية الديمقراطية، والطوائف تحصل على ضمانات دستورية تمنع الإقصاء والهيمنة.

 

وقد أثبتت التجربة بعد الطائف أن المشكلة ليست في وجود الضمانات، بل في غياب حدود واضحة بين مجال الديمقراطية والمواطنة ومجال التوافق والضمانات الجماعية. وهكذا توسع مفهوم «الميثاقية» تدريجياً في الممارسة، فتحول أحياناً من أداة لحماية الشراكة إلى وسيلة لتعطيل المؤسسات. لذلك، وفي غياب المناخ السياسي للانتقال الكامل إلى نظام قائم على المنافسة السياسية، لا يبدو السؤال الإصلاحي الحقيقي هو: كيف نلغي التوافقية؟ بل: كيف نجعلها توافقية وظيفية؟

 

الجمهورية الديمقراطية هي الأصل

تعرّف مقدمة الدستور لبنان بأنه «جمهورية ديمقراطية برلمانية»، وتؤكد المساواة في الحقوق والواجبات بين المواطنين. كما تنص المادة 7 على أن اللبنانيين «سواء لدى القانون»، ويتمتعون بالحقوق المدنية والسياسية ويتحملون الفرائض والواجبات العامة دون فرق بينهم.

 

جلسة لمجلس النواب اللبناني.
جلسة لمجلس النواب اللبناني.

 

إذن، المواطن هو الوحدة القانونية الأساسية التي يتعامل معها الدستور. والديمقراطية البرلمانية تفترض مواطنين متساوين، وانتخابات، وأكثرية وأقلية، وحكومة تحكم وبرلماناً يشرّع ويراقب. لكن الدستور لا يتجاهل في الوقت نفسه الواقع الطائفي.

 

الطوائف والضمانات الدستورية

تضمن المادة 9 حرية الاعتقاد وتحترم نظام الأحوال الشخصية والمصالح الدينية، وتحمي المادة 10 حق الطوائف في إنشاء مدارسها. أما المادة 24 فتكرس، في المرحلة الانتقالية، المناصفة بين المسيحيين والمسلمين في مجلس النواب، والنسبية بين طوائف كل من الفئتين، وكذلك النسبية بين المناطق.

 

وتنص المادة 95 على تمثيل الطوائف بصورة عادلة في تشكيل الحكومة، لكنها تضع أيضاً مساراً لإلغاء الطائفية السياسية، مع الإبقاء خلال المرحلة الانتقالية على المناصفة في وظائف الفئة الأولى وما يعادلها.
نحن، إذاً، أمام معادلة مزدوجة: المواطن متساوٍ في الحقوق، والطوائف مضمونة في الشراكة. ولا تناقض بالضرورة بين الأمرين، شرط تحديد مجال كل منهما.

 

المناصفة والتوافق: حماية المشاركة لا تعطيلها

المناصفة في مجلس النواب تمنع أن تتحول التحولات الديموغرافية إلى قدرة جماعة واحدة على السيطرة السياسية الدائمة. لكنها لا تعني أن كل قرار يحتاج إلى إجماع الطوائف. فهناك فرق بين ضمان المشاركة وبين تحويل المشاركة إلى لعبة فيتو.

 

وتقدم المادة 65 نموذجاً واضحاً لذلك؛ فالتوافق داخل مجلس الوزراء هو القاعدة المفضلة، لكن عند تعذره يتم اللجوء إلى التصويت، بينما تحتاج مجموعة من «المواضيع الأساسية» إلى أكثرية الثلثين من عدد أعضاء الحكومة المحدد في مرسوم تشكيلها.

 

وهذا يعني أن الدستور نفسه يميز بين القضايا العادية والقضايا الأساسية، ويوازن بين الشرعية الديمقراطية والحماية السياسية. ومن هنا ينبغي أن ينطلق أي تعريف واضح للميثاقية.

 

الميثاقية ليست فيتو مفتوحاً

الميثاقية ضرورية عندما يكون الهدف منع استبعاد مكوّن أساسي أو المساس بالشراكة الوطنية. لكن الخطر يبدأ عندما تصبح مفهوماً سياسياً بلا حدود دستورية، فيتحول كل خلاف حول سياسة عامة أو تعيين أو قرار إداري إلى قضية طائفية وجودية.

 

عندها تنقلب التوافقية من حماية الجماعات من الهيمنة إلى حماية القوى السياسية من الديمقراطية والمساءلة. لذلك يجب التمييز بين حق الجماعة في الحماية وحق الحزب في الاعتراض السياسي؛ فلا يصبح الخلاف ميثاقياً لمجرد اعتراض فريق طائفي عليه، بل عندما يمس فعلاً الشراكة الوطنية أو ضمانة دستورية محددة.

 

المادة 22: مفتاح الفصل بين المجالين

تحمل المادة 22 مفتاحاً مهماً لهذا التمييز، إذ تنص على إنشاء مجلس للشيوخ تتمثل فيه العائلات الروحية، وتنحصر صلاحياته في القضايا المصيرية، بالتزامن مع انتخاب أول مجلس نواب على أساس وطني لا طائفي.

 

هنا تظهر هندسة دستورية واضحة: مجلس النواب يمثل المواطنين والخيارات والبرامج السياسية، فيما يمثل مجلس الشيوخ الطوائف ويضمنها في القضايا المصيرية. ولو اكتملت هذه الصيغة، لأمكن نقل جزء أساسي من الوظيفة التوافقية إلى مؤسسة مخصصة لها، وفتح المجال أمام مجلس النواب ليصبح تدريجياً ساحة للمنافسة السياسية العابرة للطوائف.

 

المواطن وحدة الحقوق والطائفة وحدة الضمان

يمكن اختصار الصيغة اللبنانية المنشودة بالقول: المواطن هو وحدة الحقوق، والطائفة هي وحدة الضمان.
فالمواطن يجب أن يتعامل مباشرة مع الدولة في القضاء والتعليم والاستشفاء والوظيفة والخدمات والحقوق المدنية والسياسية، من دون الحاجة إلى وسيط طائفي. أما الجماعة، فتُمنح ضمانات دستورية في المسائل التي تمس وجودها وهويتها ومشاركتها.

 

ومن هنا، فإن المواطنة لا تُبنى بالنصوص وحدها، بل عندما تصبح الدولة هي الضامن المباشر لحقوق المواطن، فتتحول الطائفة إلى هوية دينية وثقافية واجتماعية، لا إلى شرط للحصول على الحق.

 

نحو توافقية وظيفية

يمكن تطوير النظام اللبناني على أساس مجالين واضحين: مجال ديمقراطي عام، يشمل السياسات الاقتصادية والاجتماعية والإدارية والمالية والصحية والتعليمية وسائر شؤون الدولة، وفيه تعمل الحكومة والبرلمان وفق قواعد الديمقراطية والمساءلة؛ ومجال للضمانات الجماعية، يشمل القضايا المصيرية والتوازنات الوطنية الجوهرية والحقوق الأساسية للجماعات، حيث يصبح التوافق والأكثريات الموصوفة ضرورياً.

 

فالقاعدة بسيطة: الأكثرية تقرر في السياسة، والضمانات تحمي الشراكة في القضايا الوجودية.
ويقتضي ذلك تعزيز استقلال القضاء والمجلس الدستوري، احترام آليات اتخاذ القرار التي نص عليها الدستور، تطبيق المادة 22 وإنشاء مجلس الشيوخ، تطوير مجلس النواب باتجاه التمثيل السياسي والبرامجي، تطبيق جوهر المادة 95 على أساس الكفاءة والاختصاص، وتطوير اللامركزية من دون تحويلها إلى كانتونات طائفية، بالتوازي مع بناء دولة اجتماعية وقانونية تقلل اعتماد المواطن على شبكات الطائفة.

 

اعادة الاعتبار إلى المؤسسات 

المطلوب اليوم ليس إعادة إنتاج الانقسام بين دعاة إلغاء الطائفية ودعاة حماية النظام التوافقي، بل الانتقال من إدارة هذا الانقسام إلى تنظيمه دستورياً. فاستمرار الغموض حول حدود الميثاقية يجعل كل استحقاق سياسي قابلاً للتحول إلى أزمة، فيما يؤدي غياب الضمانات إلى إعادة إنتاج المخاوف الطائفية نفسها.

 

لذلك، فإن الإصلاح الحقيقي يبدأ من إعادة الاعتبار إلى المؤسسات، وتحديد القضايا التي تستوجب حماية خاصة، وترك سائر الملفات لقواعد العمل الديمقراطي والمساءلة. وفي موازاة ذلك، ينبغي أن تتقدم الدولة في تقديم الحقوق والخدمات والحماية للمواطن مباشرة، بما يخفف تدريجياً الحاجة إلى الاحتماء بالبنى الطائفية.

 

بهذا المسار يمكن للبنان أن يحافظ على تعدديته من دون أن تبقى التعددية أسيرةً لكل تفاصيل الحياة السياسية، وأن يطور نظاماً قادراً على حماية الشراكة من جهة، وعلى إنتاج القرار والمساءلة من جهة أخرى.
فالمسألة في نهاية المطاف ليست في إلغاء التوافق، وإنما في وضعه في مكانه الصحيح: ضمانة عند الحاجة، لا قاعدة دائمة للحكم؛ وحماية للشراكة، لا آلية لتعطيل الدولة. 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

لبنان 9/14/2026 2:19:00 PM
أصدر "حزب الله" بيان أعلن فيه ضمناً تبرؤه من كل من يتكلم باسمه من محللين وصحافيين، فمن كان يقصد؟ وماذا يحصل داخل آلته الإعلاميّة؟
لبنان 9/13/2026 6:52:00 PM
ختمت الإدارة بيانها بالتأكيد أنها تؤمن بأنه "كما نهض القصر من بين الركام، سينهض لبنان من جديد"، وأن الجنوب "بكل ما يمثله من صمود وتاريخ، سينهض معه"...
لبنان 9/14/2026 10:28:00 AM
ما صحة محاصرة عناصر من الحرس الثوري في علي الطاهر؟