الحرب الهجينة ـ التضليل الإعلامي والتأثير المؤسساتي
الخطر الأكبر لا يتمثل بالضرورة في تغيير نتيجة انتخابية محددة. قد يكون الهدف الأعمق هو إضعاف الثقة بالديموقراطية نفسها.
لم تعد الانتخابات الأوروبية مجرد منافسة بين أحزاب وبرامج سياسية، بل ساحة صراع جديد على المعلومات والثقة والرأي العام. التحذيرات الأوروبية الأخيرة من شبكات البوتات والحسابات الوهمية المرتبطة بعمليات نفوذ روسية تكشف أن المعركة قد لا تستهدف صناديق الاقتراع مباشرة، بقدر ما تستهدف البيئة التي تسبق لحظة التصويت: ماذا يقرأ الناخب؟ ماذا يصدق؟ وهل يثق بالمرشحين والإعلام والمؤسسات؟
التعبير عن جيش بوتات روسي قد يكون جذاباً إعلامياً، لكن الواقع أكثر تعقيداً. نحن أمام شبكات منسّقة، تجمع بين حسابات آلية وأخرى وهمية وحسابات يديرها بشر، ويمكن أن تستفيد من الذكاء الاصطناعي لإنتاج محتوى واسع ومتنوع. الأخطر أن هذه الحسابات لا تبدأ بالضرورة بخطاب سياسي واضح؛ بعضها قد يظهر بصورة حسابات عادية تهتمّ بالرياضة أو السفر أو الثقافة، قبل أن تنتقل تدريجياً إلى القضايا الحساسة.
وتقوم قوة هذه الشبكات على التضخيم والاستقطاب؛ فهي لا تحتاج دائماً إلى نشر الرسالة نفسها، بل يمكن أن تدفع مواقف متناقضة حول القضية ذاتها، بهدف إعطاء انطباع بأن المجتمع أكثر انقساماً مما هو عليه فعلاً. وعندما تتكرّر الرسالة عبر مئات الحسابات، فقد تنتقل من الفضاء المصطنع إلى المستخدمين الحقيقيين، ثمّ إلى الإعلام، فتكتسب زخماً يصعب فصله عن النقاش العام الطبيعي.
الانتخابات تمثل هدفاً مثالياً لهذه العمليات، لأنها لحظة يكون فيها المجتمع أكثر حساسية للمعلومات. وفي الحالة الأوروبية، يرتبط أحد الأهداف الأساسية بمحاولة التأثير في المواقف من الحرب في أوكرانيا، عبر التشكيك في جدوى استمرار الدعم المالي والعسكري لكييف، أو تضخيم قضايا الفساد والانتهاكات، أو مهاجمة مرشحين ومؤسسات.
لكن الخطر الأكبر لا يتمثل بالضرورة في تغيير نتيجة انتخابية محددة. قد يكون الهدف الأعمق هو إضعاف الثقة بالديموقراطية نفسها؛ فإذا وصل المواطن إلى قناعة بأنه لا يستطيع معرفة الحقيقة، وأن الإعلام غير موثوق به، وأن السياسيين جميعاً متهمون، وأن نتائج الانتخابات قابلة للتلاعب، فإن عملية التأثير تكون قد حققت جزءاً مهماً من غايتها، حتى من دون فوز حزب معين.
الذكاء الاصطناعي
يزداد التحدّي مع الذكاء الاصطناعي، الذي خفّض تكلفة إنتاج الصور والفيديوهات والأصوات والنصوص المضللة، وأتاح توجيه المحتوى إلى شرائح مختلفة وبسرعة كبيرة. وهذا يعني أن أوروبا لا تستطيع مواجهة المشكلة بحذف الحسابات فقط، بل تحتاج إلى تعاون أوسع بين السلطات الانتخابية وأجهزة الأمن السيبراني ومنصات التواصل ووسائل الإعلام.
ومع ذلك، تبقى المعادلة الأصعب هي حماية الديموقراطية من التدخل الأجنبي من دون تحويل مكافحة التضليل إلى رقابة على حرية التعبير. المطلوب ليس إسكات الآراء المخالفة، وإنما استهداف السلوك المنسق والسريّ الذي يهدف إلى التلاعب بالنقاش العام.
الحرب الهجينة الحديثة لا تحتاج إلى احتلال أرض أو السيطرة على مؤسسات بالقوة. يكفي أحياناً أن تنجح في جعل المواطنين يشكّون في بعضهم، ويفقدون الثقة بمؤسساتهم، ويتساءلون عن حقيقة ما يرونه ويسمعونه. ولهذا أصبحت حماية الثقة العامة جزءاً لا يقلّ أهمية عن حماية صناديق الاقتراع نفسها.
*باحث في الأمن الدولي والإرهاب / بون
نبض