نتائج لبنان في اختبار PISA 2025: حين يصبح الامتحان مرآةً لسنواتٍ لم يحدث فيها التعلّم

آراء 12-09-2026 | 21:07

نتائج لبنان في اختبار PISA 2025: حين يصبح الامتحان مرآةً لسنواتٍ لم يحدث فيها التعلّم

السؤال الأكثر إلحاحاً هو: كم سنة أخرى سنسمح لهذا الجيل أن ينتقل فيها من صف إلى صف، قبل أن نتأكد أولاً مما إذا كان قد تعلّم فعلاً؟

نتائج لبنان في اختبار PISA 2025: حين يصبح الامتحان مرآةً لسنواتٍ لم يحدث فيها التعلّم
لم يرسب طلابنا في العلوم، رسبنا نحن في تعليمهم القراءة!
Smaller Bigger

د. مهدي منصور*

 

حين يحصل الطالب اللبناني في اختبار العلوم على 372 نقطة مقابل 482 كمعدل لدول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) في البرنامج الدولي لتقييم الطلاب، من السهل أن نختصر الخبر بعنوان من نوع: «لبنان يتراجع تربويًا». لكن الأرقام التي كشفت عنها نتائج PISA 2025 تستحق قراءة أعمق بكثير. فالمشكلة ليست في ترتيب لبنان على جدول دولي، ولا في مقارنة طالب لبناني بآخر في سنغافورة أو اليابان. السؤال الحقيقي هو: ماذا يستطيع طالبنا، في الخامسة عشرة من عمره، أن يفعل بما تعلّمه؟ وهنا تحديدًا تكمن أهمية اختبار PISA.

 

فهذا الاختبار، الذي تنظمه منظمة OECD دوريًا ويستهدف طلابًا في سن الخامسة عشرة، لا يسألهم ببساطة عمّا حفظوه من كتبهم المدرسية. في دورة 2025، التي كان محورها الأساسي العلوم، اختبر PISA قدرة الطالب على تفسير الظواهر علميًا، وقراءة الأدلة، وتقييم المعلومات، واستخدام المعرفة في مواقف غير مألوفة. كما قاس القراءة والرياضيات، وأدخل بصورة موسعة مهارات حل المشكلات الحاسوبية والتعلّم في البيئة الرقمية.

 

بمعنى آخر، لا يسأل PISA الطالب: «ماذا تعرف؟» فقط، بل يسأله: ماذا تستطيع أن تفعل بما تعرف؟ ومن هنا تصبح نتائج لبنان مقلقة.

 

بلغ متوسط الطلاب اللبنانيين 372 نقطة في العلوم، مقابل 482 في دول OECD. وفي الرياضيات سجّل لبنان 377 نقطة مقابل 463، وفي القراءة 331 نقطة فقط مقابل 461. أما في حل المشكلات الحاسوبية، فسجّل الطلاب اللبنانيون 358 نقطة مقابل 500.

 

لكن المتوسطات وحدها لا تكشف حجم المشكلة. ففي العلوم، يقع 66% تقريبًا من الطلاب اللبنانيين دون المستوى الثاني، وهو المستوى الذي تعتبره PISA الحد الأدنى للكفاءة العلمية الوظيفية. وفي الرياضيات، لا يصل إلى هذا الحد سوى 31% من الطلاب. أما الرقم الأكثر إيلامًا، فهو في القراءة: 22% فقط من الطلاب اللبنانيين في سن الخامسة عشرة يمتلكون الحد الأدنى من الكفاءة القرائية بحسب معايير PISA. وهنا ربما يبدأ النقاش الحقيقي.

 

أزمة علوم أم أزمة قراءة؟

 

 

قد يبدو غريبًا أن تكون الإجابة عن ضعف لبنان في اختبار العلوم هي: القراءة. لكن العلوم الحديثة لا تُتعلّم من خلال حفظ تعريف «القوة» أو «الخلية» أو «التفاعل الكيميائي» فقط. الطالب يحتاج إلى قراءة نص، وفهم معطيات، والتمييز بين معلومة وادعاء، وربط أكثر من مصدر، واستخراج دليل، وبناء استنتاج ثم الدفاع عنه. والأمر نفسه في الرياضيات. فالمشكلة الرياضية اليوم ليست دائمًا عملية حسابية جاهزة؛ قد تكون موقفًا حياتيًا يحتاج الطالب أولًا إلى فهمه وتحويله إلى نموذج رياضي.

 

لذلك، حين يصل ثلاثة أرباع طلابنا تقريبًا إلى الخامسة عشرة من دون امتلاك الحد الأدنى المطلوب من الكفاءة القرائية، تصبح القراءة مشكلة أستاذ الفيزياء والرياضيات والتاريخ والجغرافيا بقدر ما هي مشكلة أستاذ اللغة. ربما نحتاج، لهذا السبب، إلى الانتقال من مفهوم «تعليم القراءة» في الصفوف الأولى إلى مفهوم أوسع هو «القراءة من أجل التعلّم» في جميع المراحل والمواد.

 

ماذا حدث لهذا الجيل؟

 

 

لا يمكن قراءة نتائج PISA اللبنانية خارج السنوات الست الأخيرة. فالطالب الذي جلس أمام اختبار PISA في 2025 كان في التاسعة أو العاشرة من عمره تقريبًا عندما بدأت أزمة 2019، ثم جاءت جائحة كورونا وإقفال المدارس، والانهيار الاقتصادي، والإضرابات المتكررة، وتراجع القدرة الشرائية للمعلمين، واضطراب انتظام العام الدراسي، وانفجار بيروت، ثم الحرب والنزوح وإقفال مدارس أو استخدامها كمراكز إيواء.

 

هذه ليست خلفية اجتماعية للنتائج؛ إنها جزء من تفسير النتائج نفسها. يقدّر البنك الدولي أن طلاب المدارس الرسمية في لبنان تلقوا خلال أربعة أعوام دراسية مضطربة بين 2019 و2023 نحو 270 يومًا فقط من التعليم الحضوري، بدلًا من نحو 600 يوم في أربعة أعوام مدرسية عادية. كما أشارت تقديرات البنك إلى خسارة تعلّم تعادل تقريبًا سنة إلى 1.2 سنة من سنوات التعلّم المعدّلة بحسب الجودة.

 

وهنا يجب التمييز بين مفهومين كثيرًا ما نخلط بينهما: الفاقد التعليمي وفقدان التعلّم. التلميذ الذي يخسر مئة يوم مدرسي، لا يتعافى بمجرد تعويض حصص أو أعادة تعليم. فإذا لم يتقن الكسور في صف معين، دخل الصف التالي وهو غير قادر على فهم النسب. وإذا كانت قراءته ضعيفة، أصبح فهم نصوص العلوم أصعب. ثم تتراكم الفجوة سنة بعد أخرى.

 

إنها أشبه بفائدة مركبة، ولكن بالاتجاه المعاكس. ولهذا لا يمكن معالجة سنوات من فقدان التعلّم بمجرد إعادة فتح المدارس واستكمال المنهج. العودة إلى المدرسة لا تعني تلقائيًا استعادة التعلّم.

 

ومع ذلك، هناك مفارقة تستحق الانتباه. قد نفترض أمام هذه النتائج أن الطالب اللبناني فقد رغبته في التعلّم. لكن بيانات PISA تقول شيئًا مختلفًا. نحو 69% من الطلاب اللبنانيين يقولون إنهم يحبون تعلّم أشياء جديدة في المدرسة، وهي نسبة تكاد تطابق معدل OECD. ونسبة الذين يقولون إنهم يكملون ما بدأوه تكاد أيضًا تساوي المتوسط الدولي. والأكثر لفتًا للنظر أن مؤشر تحديد الأهداف لدى الطلاب اللبنانيين جاء أعلى من متوسط OECD.

 

أي أن المشكلة ليست ببساطة أن «هذا الجيل لا يريد أن يتعلّم». لدينا طلاب يملكون طموحًا وقدرة معقولة على المثابرة، لكن المؤشرات تصبح أضعف عندما نقيس الفضول، وطلب المساعدة، والقدرة على تغيير استراتيجية التفكير أمام مشكلة جديدة.

 

وهنا قد يكون السؤال موجّهًا إلينا نحن، لا إليهم. هل بنينا مدرسة تكافئ السؤال أم الإجابة الصحيحة؟ هل نطلب من الطالب أن يبحث ويجرّب ويخطئ ويعيد التفكير، أم أن عليه أن يتقن النموذج الذي سيأتي في الامتحان؟ فالطالب قد يكون مجتهدًا جدًا في نظام يقوم على: ادرس، احفظ، أعد الإنتاج، واحصل على العلامة؛ لكنه قد يتعثر عندما تصبح المهمة: اقرأ، تساءل، جرّب، حلّل، اختر استراتيجية، ثم فسّر لماذا وصلت إلى هذه النتيجة. والفارق بين النموذجين هو في جوهره أحد الأشياء التي تقيسها PISA.

 

التكنولوجيا ليست الحل تلقائيًا

 

 

تكشف النتائج مفارقة أخرى. الطلاب اللبنانيون يستخدمون الذكاء الاصطناعي في الأعمال المدرسية بمعدلات مرتفعة نسبيًا، و73.7% منهم يقولون إنهم تعلموا في الصف كيفية تقييم المعلومات التي ينتجها الذكاء الاصطناعي، وهي نسبة أعلى من متوسط OECD. لكن أداء لبنان في حل المشكلات الحاسوبية بلغ 358 نقطة فقط مقابل 500. أي أن الوصول إلى التكنولوجيا لا يعني بالضرورة امتلاك التفكير الرقمي. يمكن لطالب أن يستخدم ChatGPT كل يوم، وأن يبقى ضعيفًا في تحليل الجواب الذي يحصل عليه. ويمكن لمدرسة أن تملأ الصفوف بالشاشات والمنصات من دون أن يتغير عمق التعلّم.

 

السؤال التربوي لم يعد: «هل نستخدم التكنولوجيا؟» بل: أي نوع من التفكير يحدث عندما نستخدمها؟

 

ليست كل الأخبار سيئة

 

 

هناك أيضًا ضرورة للحذر من قراءة التراجع اللبناني قراءة سطحية. تشير OECD إلى أن نسبة أكبر من أبناء الخامسة عشرة أصبحت مشمولة بالتعليم الثانوي مقارنة بعام 2015، بما في ذلك فئات أكثر تهميشًا كانت سابقًا خارج العينة التعليمية. وعندما تأخذ المنظمة هذا التوسع في الالتحاق بالمدرسة في الاعتبار، تصبح الصورة أقل سوداوية: فالانخفاض الظاهر يمكن تفسيره إلى حد كبير بدخول مزيد من الطلاب المهمشين إلى التعليم، بينما تحسن أداء الفئات الأكثر قابلية للمقارنة في العلوم وبقي قريبًا من مستواه السابق في القراءة والرياضيات. وهذه نقطة أساسية: أن نُبقي طالبًا ضعيفًا داخل المدرسة أفضل من أن نحسّن متوسطنا بإبقائه خارجها. لكن إدخاله إلى المدرسة ليس نهاية المهمة؛ إنه بدايتها.

 

ما الذي ينبغي فعله؟

 

 

لا يحتاج لبنان، بعد كل نتيجة دولية، إلى منهاج جديد وشعار جديد ومشروع جديد. لدينا ما يكفي من الوثائق وهناك منهج قيد التنفيذ قريبًا كما سمعنا، وإن كانت مندرجاته لم تنشر كما يجب وورش التدريب عليه لم تنطلق بعد. ما نحتاج إليه بصورة عاجلة هو معرفة ما تعلّمه الطلاب فعليًا بعد سنوات الانقطاع.

 

نحتاج إلى تشخيص وطني للكفايات الأساسية، وبرامج حقيقية لاستعادة التعلّم، وخصوصًا في القراءة والرياضيات. نحتاج إلى جعل القراءة مسؤولية كل مادة، وإلى تحويل العلوم من محتوى للحفظ إلى مساحة للتحقيق والاستقصاء، وتحويل الرياضيات من تطبيق آلي للقواعد إلى أداة لحل المشكلات. والأهم، إلي معلمين قادرين على تحقيق هذا الهدف. كما نحتاج إلى تقييمات مدرسية تقيس الفهم والتطبيق بقدر ما تقيس الاسترجاع، وإلى استخدام الذكاء الاصطناعي لبناء التفكير لا لاستبداله.

 

نتائج PISA ليست حكمًا على ذكاء الطفل اللبناني. بل لعل أهم ما تقوله هو العكس: هناك طفل ما زال يريد أن يتعلّم، ويضع لنفسه أهدافًا، ويحاول الاستمرار، بعد سنوات كان فيها مجرد الوصول إلى صف مستقر إنجازًا بحد ذاته. المشكلة ليست في قدرته على التعلّم، بل في كمية التعلّم التي أتحناها له، ونوعيته، واستمراريته. لذلك ربما لا يكون السؤال الذي يجب أن نطرحه بعد PISA 2025: لماذا حصل لبنان على 372؟

 

السؤال الأكثر إلحاحًا هو: كم سنة أخرى سنسمح لهذا الجيل أن ينتقل فيها من صف إلى صف، قبل أن نتأكد أولًا مما إذا كان قد تعلّم فعلًا؟

*باحث في التعليم متداخل التخصصات،
Office for Climate Education, OCE
جامعة السوربون، باريس

 

الأكثر قراءة

كتاب النهار 9/11/2026 4:09:00 AM
يعرف الحزب أنه خسر المعركة وإن كان يصر على أن الحرب مازالت قائمة واعداً البيئة الشيعية واللبنانيين بالنصر وتحرير الأرض المحتلة.
كتاب النهار 9/11/2026 4:07:00 AM

لا شك أن ثمة تغيراً وتطوراً حصل في سوريا بعد إسقاط النظام البائد، لكن يبقى السؤال هل الصورة وردية كما طرحها الشيباني في كلمته؟

اقتصاد وأعمال 9/11/2026 9:15:00 AM
ارتفاع ملحوظ بأسعار البنزين والمازوت!
لبنان 9/11/2026 11:14:00 AM
قال الجيش الإسرائيلي إن "نحو 50 مسلحاً قُتلوا خلال عملية تدمير أنفاق في مرتفعات علي الطاهر"، معلناً انسحاب قواته إلى خطوط خلفية مع إبقاء المرتفعات تحت السيطرة عن بُعد.