العطش برخصة المقلع
ليست قضية المقالع سؤالاً تقنياً عن الحفر والردم، بل سؤال عن معنى الدولة نفسها: هل هي سلطة تمنح الإذن باستهلاك ما لا تملك أخلاقياً أن تدمّره، أم مسؤولية تحفظ شروط الحياة المشتركة؟
*نجاة عون صليبا ورشاد رافع
حين نرى مقلعاً في جبل لبنان، نراه غالباً كجرح في المشهد: بقعة بيضاء على خاصرة جبل، غبار فوق قرية، طريق محفور بين الصخور، وتلال اختفت كأنها لم تكن. لكن الضرر الحقيقي لا يظهر دائماً بالعين. فعندما نقطع الجبل، نحن لا نزيل حجراً فقط؛ نحن نضرب نظاماً طبيعياً يلتقط المطر والثلج، يخزّن المياه في باطن الأرض، ويغذّي الينابيع والأنهار والآبار التي تعيش منها القرى والمدن.
لهذا لا يمكن التعامل مع المقالع في جبل لبنان كملف بيئي عادي، أو كخلاف حول رخصة إدارية. المسألة أعمق: أمن مائي، وعدالة عامة، ومسؤولية دولة. فالجبل ليس أرضاً فارغة تنتظر من يستخرجها. إنه جزء من البنية التحتية الطبيعية للبنان.
المياه التي تصل إلى بيوتنا لا تبدأ من الحنفية. تبدأ من المرتفعات: من المطر، والثلج، والتربة، والصخور المتشققة، والطبقات الرملية والكلسية التي تسمح للمياه بأن تتسرّب وتُخزَّن وتعود لاحقاً على شكل ينابيع وأنهار. عندما يُدمَّر هذا النظام، لا يدفع الثمن فقط سكان القرية القريبة من المقلع. الثمن ينتقل إلى الأسفل: إلى الزراعة، والصحة العامة، وكلفة المياه، ومستقبل أولادنا.
حجم المشكلة لم يعد تفصيلاً. فالمسح الوطني للمقالع، المستند إلى بيانات الجيش اللبناني بين عامي 2020 و 2023 والمحدّث في عام 2024، أحصى 457 تجمعاً للمقالع في لبنان. جبل لبنان وحده يحمل العبء الأكبر: 130 تجمعاً تغطي نحو 10 كيلومترات مربعة، أي حوالي 38 في المئة من البصمة الوطنية الممسوحة، مع أكثر من 53 مليون متر مكعب من الاستخراج المسجل. أما الأعباء التنظيمية والبيئية والتأهيلية المقدّرة في جبل لبنان فتصل إلى نحو 1.6 مليار دولار، أي ما يقارب الـ 44 في المئة من المجموع الوطني.
الخطر الأكبر هو أن نستمر في الحديث عن المقالع كأن الضرر الوحيد هو تشويه المنظر. فالمقالع تزيل التربة والصخور السطحية التي تنظّم تسرّب المياه. وقد تقطع طبقات كلسية متشققة أو رملية مسامية تخزّن المياه أو تنقلها. كما يمكنها أن تغيّر مجاري المياه، وتسرّع الانجراف، وتفتح الطريق أمام الغبار والرواسب والزيوت والمحروقات والنفايات للوصول إلى طبقات نفّاذة. وفي المناطق الكارستية، لا تبقى الملوّثات قرب المقلع بالضرورة؛ قد تسافر في قنوات تحت الأرض وتظهر لاحقاً في نبع أو بئر بعيدة.
نظام جعيتا يجعل هذه العلاقة بين الجبل والحنفية واضحة. جعيتا مصدر أساسي للمياه في بيروت وضواحيها، وتغذّي ما يقارب المليوني شخص. وتشير الدراسات الهيدروجيولوجية إلى أن جزءاً مهماً من تغذية هذا النظام يأتي من المرتفعات، حيث يعمل الثلج والمطر والتشققات الجيولوجية كآلية طبيعية لتجميع المياه وتخزينها ونقلها. بكلام آخر، ما يحصل في أعالي الجبل لا يبقى في الجبل. قد يظهر لاحقاً في النبع، أو البئر، أو شبكة المياه، أو فاتورة الصهريج.
في وطى الجوز وكفرذبيان، تُظهر الخرائط العلمية وجود شقوق ومنخفضات ونقاط ابتلاع تسمح للمياه بالدخول إلى النظام الكارستي. وقد أثبتت تجارب التتبع أن أجزاء من شمال وطى الجوز تساهم في تغذية حوض جعيتا الجوفي. لذلك لا يمكن تقييم أي مقلع هناك كأنه حفرة معزولة داخل عقار محدد. يجب تقييمه على مستوى الحوض المائي كله.
ميْروبا مثال صارخ آخر. البلدة التي ارتبط اسمها شعبياً بالماء والنقاء، عُرفت تاريخياً بكثرة ينابيعها، مع ثلاثة مصادر رئيسية ونحو مئة عين ماء صغيرة. لكن استخراج الرمل والحجر الرملي طرح أسئلة خطيرة حول مصير هذه الثروة. فقد سُجلت شكاوى وتقارير عن تراجع الينابيع إلى قلة تعدّ على أصابع اليد الواحدة، وتلوث بعضها بالرمل، وإزالة طبقات جيولوجية كانت تؤمّن الحماية والتخزين.
وفي عين دارة، يظهر الخطر بوضوح على نظام عين زحلتا ـ نبع الصفا ـ الدامور. فالمقالع الواقعة على أطراف هذه المنطقة تهدّد أحد أكثر الأحواض حساسية، حيث يمكن للغبار والرواسب أن تسدّ الشقوق التي تسمح بالتغذية الجوفية، ويمكن للزيوت والمحروقات والنفايات أن تصل إلى الخزان المائي. أما في الكورة، حيث يرتبط الاستخراج بصناعة الإسمنت، فتتحدث المعطيات عن ينابيع جفّت أو تراجعت بشكل كبير، وعن أضرار لحقت بالمياه الجوفية والزراعة والغطاء النباتي.
هنا يجب قول ما يحاول كثيرون إخفاءه: إنتاج الإسمنت لا يبدأ في المصنع. يبدأ في المقلع. لذلك لا يمكن فصل ملف المقالع عن الاقتصاد السياسي للإسمنت في لبنان: سوق محمي، استثناءات إدارية، فترات سماح، قرارات خاصة، وحجج دائمة عن الحاجة إلى البناء وإعادة الإعمار. لكن الحاجة إلى مواد البناء لا تبرر تحويل الجبال إلى ضحية دائمة لفشل التخطيط العام.
المشكلة الحقيقية ليست الجهل. لبنان يعرف أهمية جباله، ويعرف هشاشة أمنه المائي، ويعرف أن الاستخراج العشوائي يدمّر الأرض ويهدّد الموارد العامة. المشكلة في نظام حوكمة يسمح بتبخّر المسؤولية وبقاء الربح مركّزاً في أيدي قلة: إدارة تمنح أو تغضّ النظر، وزارة تؤجل، بلدية تعترض ولا تُسمع، جهة تفترض أنها تراقب، جهة أخرى تحتسب الرسوم، وملفات ناقصة واستثناءات وتسويات وتمديدات. بين كل هذه المؤسسات، تضيع المسؤولية. لكن الربح لا يضيع.
في لبنان، المقلع ليس موقعاً اقتصادياً فقط. إنه علاقة سياسية. يكشف من يستطيع أن يستخرج، ومن يستطيع أن يحصل على استثناء، ومن يستطيع أن يؤجل الدفع، ومن يستطيع أن يتهرّب من التأهيل، ومن يستطيع أن يحوّل الجبل إلى مال ثم يسمّي ذلك تنمية.
لذلك لا تكفي الرخصة كي يصبح الضرر مشروعاً. السؤال الحقيقي ليس: هل لدى هذا المقلع ورقة اسمها رخصة؟ السؤال هو: هل يحق لأيّ سلطة أن تسمح بالاستخراج في نظام جبليّ يغذّي المياه من دون إثبات حماية الينابيع والخزانات الجوفية والغابات والمنحدرات والقرى وحق الناس بالمياه؟
من هنا، تأتي أهمية قرار مجلس شورى الدولة في 14 تموز 2026، حين أوقف موقتاً أجزاء أساسية من قرارات حكومية كانت تسهّل طلبات شركات الإسمنت المتعلقة بالمقالع. أهمية القرار ليست قانونية فقط. إنه يعيد طرح السؤال الذي حاولت السياسة دفنه: أين الخرائط؟ أين التصنيفات؟ أين ملفات وزارة البيئة؟ أين أدلة التأهيل؟ أين احتساب الكلفة البيئية؟ أين الضرائب والرسوم على الاستخراج الفعلي؟ وأين البدائل الأقل تدميراً، بما فيها استيراد الكلنكر؟
لبنان يحتاج إلى الإسمنت والحصى والرمل، خصوصاً في مراحل إعادة الإعمار. لكن هذا لا يعني أن تبقى الجبال هي الاحتياطي الطارئ الذي يُستنزف بعد كل حرب أو انهيار اقتصادي أو فشل في التخطيط. المطلوب احترام وقف مجلس شورى الدولة، وعدم إصدار أو تجديد أي ترخيص يستند إلى أحكام معلّقة، وفرض التصنيف القانوني للمواقع، وحدود المقالع، والكميات المرخصة، والتفتيش، والضمانات البيئية، وتعليق الاستخراج غير المتوافق مع القانون.
كما يجب حماية مناطق التغذية الجوفية، واسترداد الرسوم والضرائب والموجبات البيئية غير المدفوعة، وإيداع أموال التأهيل قبل الحفر لا بعده، وتقييم الأثر التراكمي للمقالع على مستوى الحوض المائي لا العقار المنفرد. وفي مرحلة إعادة الإعمار، يجب تخفيف الرسوم والعوائق الإدارية المبالغ فيها على الاستيراد المسؤول للكلنكر والإسمنت والبحص والرمل عندما يكون الاستخراج المحلي تهديداً لموارد مائية أو بيئية أو ثقافية لا يمكن تعويضها، وفتح المنافسة أمام شركات جديدة، وتشجيع الركام المعاد تدويره، والإسمنت الأقل اعتماداً على الكلنكر، والتصميم العمراني الذي يخفف الحاجة إلى صخور جديدة.
ليست قضية المقالع سؤالاً تقنياً عن الحفر والردم، بل هي سؤال عن معنى الدولة نفسها: هل هي سلطة تمنح الإذن باستهلاك ما لا تملك أخلاقياً أن تدمّره، أم مسؤولية تحفظ شروط الحياة المشتركة؟ فمشكلة لبنان لم تكن يوماً في غياب المعايير وحده، بل في غياب تنفيذها، وفي قدرة النفوذ على تحويل كل قاعدة إلى استثناء.
هنا يصبح العنوان أكثر من استعارة: العطش قد يأتي فعلاً برخصة مقلع، حين تتحول الرخصة من أداة لتنظيم المصلحة العامة إلى غطاء سياسي لتجفيف المستقبل. جبل لبنان ليس مستودعاً للحجر، ولا احتياطياً مفتوحاً لمن يملك النفوذ. إنه جزء من أمننا المائي ومن حق الناس في الحياة والكرامة. ومن لا يحمي الجبل اليوم، سيكتشف غداً أن ما اختفى لم يكن صخراً فقط، بل ماء وذاكرة وإمكانية حياة.
نبض