قراءة شخصية في قرارات مجلس الأمن الدولي في الكتاب الوثائقي للسفير عفيف أيوب اليونيفل والتقاعد القسري المبكر
جبران صوفان
سفير لبنان لدى الأمم المتحدة
في جنيف سابقاً.
كتبت دراسات ومقالات في "النهار" عن "قوة الأمم المتحدة المؤقتة لحفظ السلام في جنوب لبنان"، ومنها "قصة اليونيفل والدبلوماسية اللبنانية منذ نشأتها ومراحل إعادة تشكيلها الى نوافذ ومنافذ القرار ٢٧٩٠ المعتمد بتاريخ ٢٨ آب ٢٠٢٥" والذي بموجب فقرته العاملة ٥ "يطلب (مجلس الأمن الدولي) الى القوة المؤقتة أن توقف عملياتها في ٣١ كانون الأول ٢٠٢٦"، فيما أشارت ديباجة القرار الى أن "الحالة في لبنان لا تزال تشكّل خطراً يهدّد السلام والأمن الدوليين".
بعض الفقرات صادمة لأنها متناقضة إذ يفتقد القرار إلى التماهي الإيجابي بين أبرز حيثيات المقدمة وأهمّ الفقرات العاملة، فيقع لبنان ضحية الخلل في آلية عمل مجلس الأمن والإختلال في النظام العالمي والجنوح نحو "الهيمنة الأحادية" في عالم "يعاني من الجنون الجماعي"، كما لاحظ الأمين العام للأمم المتحدة في قمّة منظمة شنغهاي للتعاون بتاريخ أول أيلول الجاري.
وتطرّقتُ الى الطاقات اللبنانية عام ١٩٧٧ والتي تجنّدت لخدمة لبنان وتمثّلت بشراكة دبلوماسية ثلاثية قوامها الرئيس العصامي الياس سركيس وفؤاد بطرس الرؤيوي والفذ وزيراً للخارجية، وغسان تويني الصحافي والسياسي الموسوعي المحنّك سفيراً للبنان لدى الأمم المتحدة في نيويورك حتى إنتهاء ولاية الرئيس سركيس في أيلول ١٩٨٢ . وبرأيي، كان تويني فعلياً معتمداً لدى الدول الكبرى، الدائمة العضوية في مجلس الأمن التي تحكّمت بمصائر البشر. وبالتالي، تضافرت قدرات نجحت في إعتماد القرار ٤٢٥ تاريخ ١٩ آذار ١٩٧٨ وإنشاء اليونيفل. وكلما إهتزّت "واغونات هذا القطار" طوال ٤٨ عاماً، كان لبنان يعيد صيانة المقطورات وحتى السكك الحديدية لتأمين المسار الطبيعي للقرار ٤٢٥ وفروعه، ما أمكن.
وحيث أن لبنان لم يبلغ بعد نقطة الوصول النهائية بل قطع محطات، تكثر التساؤلات عن أسباب وضع قطار اليونيفل خارج الخدمة. هل هو الإرهاق الدولي أو المنحنيات والنواحي التي قطعها قطار اليونيفل؟ هل هو الإحتباس الحراري المتزايد ونفاذ الإشعاعات السامة في المنطقة الى لبنان؟ هل هي العواصف وسوء الأحوال والرؤية في المنطقة، فاصطدم القطار بأجسام صلبة أو أن العلّة في الركاب وازدياد الحمولة والتحامل على القوة الدولية؟ هل طعنت اليونيفل في السنّ، فعجزت أم سقطت من كثرة الطعنات؟ وبالرغم من افتقار الأسئلة الى ردود جاهزة وقاطعة وشافية، فإن صدور كتاب "قرارات ومقررات وبيانات مجلس الأمن الدولي ١٩٩٠ – ٢٠٢٥" للزميل السفير عفيف أيوب هو بحدّ ذاته حافز لي لأعود مجدداً الى موضوع "اليونيفل" والاشادة بهذا العمل الوثائقي المتأني والقيّم وبالمجهودات المبذولة وبطول أناة السفير وبدقته المعهودة لإصدار مختلف هذه الوثائق التي تُعنى بقضايا لبنان في مجلس الأمن ضمن كتاب مرجعي يضعه في متناول أصحاب الشأن والاختصاص. وحيث أن المستندات مدرجة بالشكل الأصلي ومصنّفة في مرجع واحد، سوف "يسهّل الكتاب عملية البحث والمتابعة والمراجعة والمقارنة، ويخفّف من عناء الجهد ويختصر الوقت" ،كما مهّد لذلك السفير أيوب.
الى جانب الوثائق، يحتوي الكتاب على تمهيد ومقدمة، مع تشديد الكاتب على أنها "نظرة موجزة على القرارات التي صدرت عن مجلس الأمن الدولي بشأن لبنان، وهي تلقي إضاءات ليس إلا على بعض الأحداث الرئيسية التي اتخذ مجلس الأمن قرارات بشأنها، ... وتمّ الإكتفاء بتفاصيل كل حدث وموقف بما هو ضروري لفهم الوقائع وظروف تدخّل مجلس الأمن في الأحداث الواقعة في فترة زمنية محددة".
في مقاربته، يذكّرني السفير أيوب بكتاب أحدث نهضة في قواعد الاقتصاد عام ١٩٧٣ للكاتب الانكليزي والألماني المولد E.F.Schumacher إعتمده لاحقاً أستاذ مادة الاقتصاد في إحدى حصصه في جامعة نيويورك خلال خدمتي هناك، بعنوان "Small is beautiful…" وبالعربية "الصغير جميل: الاقتصاد المعني بالناس" كخيار بديل عن الشعار السائد آنذاك والمعروف بـ "الأكبر هو الأفضل". ومع ذلك، فمقدمة السفيرالتي تضمنت عناوين أساسية لموضوعات ذات صلة بالقرارات هي وافية للغرض، مبيّنة لتفاعل الأحداث في لبنان وصناعتها وتعاطي الحكومات اللبنانية المتعاقبة معها وأدوار كبار اللاعبين، فرادة في الميدان اللبناني، أو جماعة في مجلس الأمن الدولي، من حيث دعم تنفيذ القرارات الدولية أو تسييبها وربما إحباطها.
أولاً – بعض الموضوعات في مقدّمة كتاب السفير أيوب من خلال قرارات ومقررات مجلس الأمن، الفترة ١٩٩٠- ٢٠٢٥.
بإصدار كتابه الأخير، يكون السفير أيوب قد أكمل تجميع كافة قرارات ومقررات مجلس الأمن الدولي حول لبنان، إلحاقاً بكتابه الصادر عام ١٩٩١ المتعلق بالوثائق عن الفترة ١٩٤٦ – ١٩٩٠.والى جانب جدولة تلك المستندات، مما يجعل عملية البحث ميسّرة، سلّط الضوء على الأحداث الهامة والدامية التي شهدها لبنان في تلك الفترة مع إبداء ملاحظات عليها، بالإضافة إلى اختصار المستجدات لغاية حزيران ٢٠٢٦.
واستند السفير في المقدمة الى مراجع مذكورة تباعاً في أسفل صفحاتها، والتي تمكّن القارئ بدوره من دراستها والتعمق في أبعادها ومقاصدها، ومن خلالها الوقوف على أولويات الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن ذات التأثير في صياغة مشاريع قرارات لبنان وإعتمادها، إنتهاءً بالقرار ٢٧٩٠ (٢٠٢٥) حيث تجتاز اليونيفل مرحلة انتقالية للتحوّل برأيي من الانتشار الميداني الى التموضع النهائي في التاريخ اللبناني والتاريخ الأممي.
أشير إلى بعض العناوين لمسائل لا تزال تحاكي الحاضر، مع بعض التفاصيل التقنية الواردة في المقدمة:
"أصدر مجلس الأمن الدولي خلال الفترة ١٩٤٦- ٢٠٢٥، ١٣٠ قراراً و٢٩ مقرراً و٨٤ بياناً رئاسياً حول لبنان".
"تطوّرت نصوص قرارات مجلس الأمن حول لبنان من قرارات مؤلفة من سطر واحد فقط (القرار ٢٧٩ تاريخ ١٢ أيار ١٩٧٠ والقرار ٢٨٥ تاريخ ٥ أيلول ١٩٧٠) أو صفحة واحدة (القرار ٤٢٥ تاريخ ١٩ آذار ١٩٧٨) إلى قرارات مطوّلة وصل عدد صفحات إحداها الى ١١ صفحة (القرار ٢٦٩٥ تاريخ ٣١ آب ٢٠٢٣)".
ومن المواضيع، على سبيل المثال، إنشاء اليونيفل وتمديدات ولايتها، إتفاق الهدنة العامة بين لبنان وإسرائيل (١٩٤٩)، تطبيق الفصلين السادس والسابع من ميثاق الأمم المتحدة، والاجتياحات الإسرائيلية للبنان والاعتداءات الإسرائيلية على المدنيين اللبنانيين والفلسطينيين إلى حدّ إرتكاب مجازر، مزارع شبعا المحتلة، إنسحاب القوات الإسرائيلية في أيار ٢٠٠٠، جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري في شباط ٢٠٠٥، الحرب الاسرائيلية عام ٢٠٠٦، فالقرار ١٧٠١ (٢٠٠٦) وصولاً الى مستجدات المرحلة الأخيرة.
ثانياً – قراءة شخصية في نجاح اليونيفل أو فشلها في تأدية مهامها.
في ضوء الكمّ الهائل من القرارات والمقررات والبيانات الخاصة باليونيفل والمدرجة في الكتاب، وحيث أن مهام القوة الدولية قد شارفت على الإنتهاء إستجابة لقرار مجلس الأمن رقم ٢٧٩٠ (٢٠٢٥)، تحدوني المناسبة شخصياً لمحاولة الجواب على تساؤلات البعض هذه الأيام عما اذا كانت اليونيفل قد نجحت أو فشلت في تأدية مهامها.
ولئنّ تكوّن لديّ إنطباع أولي، فإني أعتقد في الوقت ذاته بأن أي جواب قاطع يبقى مرهوناً باختمار تلك القرارات مع مرور الزمن وما سيكشفه المستقبل عن مهام تلك القوة.
يثني البعض على تمكّن القوة الدولية من تيسير وتثبيت الاستقرار النسبي على امتداد الخط الأزرق واحتواء تصاعد التوترات والبحث في انسحاب إسرائيل من النقاط المحتلة من خلال "الآلية الثلاثية" ، قبل حربيّ الإسناد في تشرين الأول ٢٠٢٣ وآذار ٢٠٢٦. وينتقدها البعض الآخر للتقاعس في منع الاعمال العدائية من أية جهة أتت وعجزها عن ضمان إنشاء"منطقة خالية من أفراد مسلحين أو معدات أو أسلحة بخلاف ما يخصّ حكومة لبنان"وفقاً للفقرة العاملة 8 من القرار 1701. ويلومها آخرون على عجزها عن حضّ إسرائيل للانسحاب من جنوب لبنان بما يؤكد سيادة الدولة على كامل التراب الوطني.
وتتنوّع الانتقادات والمآخذ والتحفظات تبعاً لموقع ومصلحة الأفرقاء المعنيين. فإسرائيل تتّهم اليونيفيل "بأنها ساهمت في تعزيز قدرات حزب الله" (النهار ٣١ آب ٢٠٢٦ ص ٣)، كما تتنصّل من اتفاق الهدنة العامة بين لبنان وبينها ، وترفض من جهتها انتشار فريق مراقبي "الآنتسو"، فيقتصر الوجود الأممي على الجانب اللبناني من الحدود الدولية . وقد اشتكت اليونيفيل مراراً من الاعتداءات الاسرائيلية المتعمّدة على مواقعها وعلى عناصرها (كما يرد في تقارير الأمين العام الدورية عن مدى تنفيذ القرار ١٧٠١) بهدف إحراج القوة فإخراجها من لبنان، وهي في طور المغادرة.
بقي لبنان طوال السنوات وفياً لقناعاته، حريصاً على موقعه في كنف الشرعية الدولية، وإن خَفَتَ التأييد برأيي لدى بيئة "حزب الله" عند تعارض "حرية تنقل القوة الدولية في جميع عملياتها بصورة مستقلة" بناء على الفقرة ١٦ من القرار ٢٦٥٠ (٢٠٢٢) مع أولوياتها واهتماماتها، وصيانة لحرمة منازلها. وأدّى هذا الموقف الى إحتكاك الشبان بدوريات حفظة السلام، فإعتبر مجلس الأمن الحوادث الدامية "هجمات وأعمال مضايقة وترهيب". يقابل ذلك إصرار لبناني رسمي على التنسيق مع الجيش، وحرص أعضاء المجالس البلدية والمختارين على تلطيف الأجواء وعلى صفاء العلاقات الاجتماعية القديمة مع القوة الدولية.
وبالرغم من تمسّك لبنان باليونيفيل، كما تجلّى ذلك بطلب الحكومة تمديد ولايتها، فقد خذل مجلس الأمن لبنان بعدم إبقاء التمديد مفتوحاً وبالطلب من القوة الدولية الانسحاب وتصفية أصولها قبل الفراغ من إكمال مهمتها وذلك في أحرج الظروف على الساحة اللبنانية.
لذلك يبدو السؤال عن نجاح أو فشل القوة الدولية أكثر إلحاحاً خاصة وأن إنهاء مهامها، كما حصل، يشبه التقاعد القسري المبكر. كما يذكّر بطروحات وتشريعات أجنبية تتعلّق "بالموت الرحيم" وإن كان "أطباء المجلس" باستثناء واحد قد عارضوا أو اعترضوا على إنهاء حياتها ولم تستنفد جميع العلاجات بعد.
لذلك، فالحكم المسيّس بفشل اليونيفيل، دون الأخذ بعين الاعتبار عوامل النجاح التي تتعدى القوة ونطاق انتشارها هو حكم جائر. ولحين إنكشاف كافة الأوراق التي "قولبت" عمل اليونيفيل، يتوجب عدم التغاضي عن إنجازاتها، ومنها:
- إلتزامها الدقيق بقواعد الاشتباك الخاصة بحفظة السلام في العالم وأهمها عدم استخدام القوة (force) إلا في حالات الدفاع عن النفس، وإن كان اللجوء إلى القوة مبرراً في بعض الاحيان بموجب القرار 1701.
- إلتزام سلوك الحياد وعدم الانحياز واعتماد الحوار والإقناع خلال عملها عملاً بالمبادئ التي ترعى مهمات حفظ السلام في العالم.
- عين ساهرة على الجنوبيين.
- تضحياتها وضحاياها والتعديات والإعتداءات على مراكزها، و منها للتذكير، مركز قيادة فيجي حيث وقعت مجزرة قانا الأولى في ١٨ نيسان ١٩٩٦.
- مساعدة لبنان بموجب القرارات الدولية وليس الحلول مكان الحكومة اللبنانية في موضوع السيادة. وللتوضيح، إن بسط سيادة الدولة في جنوب لبنان وفقاً للقرار 1701 ولاسيما الفقرة العاملة 11 منه هو مسؤولية حكومية منوطة بالقوات المسلحة اللبنانية وليس باليونيفيل التي تتولى المساعدة والمؤازرة.
- دعم خطة تنمية قدرات الجيش اللبناني ومساعدته بتوفير مواد غير فتّاكة (وقود وطعام وأدوية) والمساهمة في تلبية احتياجاته اللوجستية وأعمال الصيانة بموجب القرارين ٢٥٩١ (٢٠٢١) و٢٦٥٠ (٢٠٢٢).
- تنفيذ مشاريع إنمائية وحرفية لأهالي القرى الجنوبية ضمن "مشاريع الأثر السريع" (QIPs). وأخشى على هذا الصعيد أن يُحدِث انسحابها فراغاً سيشعر به الجنوبيون، فضلاً عن تسريح اللبنانيين الذين يشغلون وظائف محلية.
-إزالة الألغام والقنابل العنقودية والقذائف غير المنفجرة في الجنوب .
في مقدمة كتابه Peace- Keeping يتحدث غسان تويني عن ظروف عمل اليونيفيل، والتي برأيي لم تتغير، عندما قال : "كان يتوجّب على اليونيفيل أن تتصرف كقوة مُوَحّدة ومتجانسة لمجلس أمن غير موحّد".
وأخذاً بعين الاعتبار كل ما تقدّم، والأسباب الموجبة لمجيئها، أعتقد بأن اليونيفل اضطلعت بمهامها بكل احتراف ومسؤولية وإن يكن التفوق في النجاح المنشود مرتبط بإكمال المهمة وبعوامل تتجاوز القوة الدولية بحد ذاتها لتشمل أيضاً الدولة المضيفة.
ثالثاً – عيوب اليونيفيل أم عيوب لبنان؟
استوقفني مقال رائع للأستاذ سمير عطالله بعنوان "اللبناني الطائر" نشرته "النهار" بتاريخ ١٩ آب ٢٠٢٦ وفيه ضمناً دعوة لليقظة والتنبه الى وجهة الانسان في الحياة ، فلا يضلّ الطريق. يقول الأستاذ عطا الله بأنه أصدر أول كتبه العام ١٩٨٤ بعنوان "مسافر بلا ميناء"، ويروي فيه عن " أسطورة الهولندي الطائر الذي يدور البحار هائماً ولا يعثر على مرسى. وبعد يأسٍ، يكتشف أن اللعنة في السفينة وليست في الميناء".
وهكذا في لبنان، فمواطن الضعف والعيوب المزمنة تكمن أصلاً برأيي في الداخل اللبناني وليس في اليونيفيل التي لا يقتضي تحميلها أكثر من طاقتها أو أخطاء وخطايا سواها. ولو توّفر للبنان القدر الكافي من المناعة الداخلية لصمد أمام الفتن والأزمات والمحتلين لأرضه والمتلاعبين بكيانه والعابثين بأمنه وباستقراره وبسلمه الأهلي.
١ - ميثاق وطني دون ثقافة وطنية.
استذكر بكثير من الاحترام الرئيس الشيخ بشاره الخوري والرئيس رياض الصلح اللذين توصّلا الى وضع ميثاق وطني ليتم الاستقلال وليقوم لبنان دولة ناشئة، حاضرة في الأسرة الدولية، وهو عمل شاق على خلفية أحداث المنطقة وتنوّع المكوّنات اللبنانية. ولكن الميثاق "كان يحتاج الى التعزيز المتواصل كي يصل الى مستوى متقدم من الإندماج"، كما يقول فؤاد بطرس. وتخلّف الزعماء اللبنانيون عن جعله "ثقافة وطنية". وبإستثناء قلّة، خلصْتُ مع مرور السنين الى قناعة بأن هواية زعماء لبنان هي تجميع الأزمات، كما يعمل تاجر التحف على اقتناء القطع النفيسة.
يقول الكاتب الفرنسي Albert Camus "إن طبيعة الغباء تكمن في إصراره وتكراره". ولم تتعظ الاوليغارشية من التجارب اللبنانية بالتعزيز المتواصل للميثاق ليغدو نسيجاً وطنياً . تكون أفضل سبله بتوخّي الحوارللاندماج وتطبيق مبادئ العدالة والمساواة والحرية والاعتراف بالآخر والحق بالإختلاف وقبول التنوّع المجتمعي،ونبذ الخطاب المتطرف كي لا يغدو التنوّع مصدراً للإنقسام وللتوتر والعنف ( مقال "الوحدة الوطنية في المجتمعات الحديثة ومخاطر التفكك" ، تاريخ ١٩ شباط ٢٠٢٦، الموقع التعليمي الفرانكفوني Sujets ). وأضيف، النأي بلبنان عن أزمات المنطقة وما يقطّع أوصاله.
2-شعب منقسم، سيادة مفككة.
لا تُحاسَب اليونيفل على تحقيق أو عدم تحقيق السيادة الوطنية اللبنانية، ف "الشعب ...صاحب السيادة" في مقدمة الدستور اللبناني، وهي مرتبطة بالشعب وفقاً للمادة ٣ من الدستور الفرنسي الحالي، بل إن السيادة أصبحت صفة لقطاعات حيوية في الدول مثل السيادة الغذائية والرقمية والصناعية والمالية، كما تقول البروفسورة في القانون العام Hélène Pauliat في موضوع "مقترحات مجلس شورى الدولة الفرنسي عن السيادة" بتاريخ ١٢ أيلول ٢٠٢٤.
بناء عليه، أتساءل إذا كانت السيادة بمفهومها النظري والتطبيقي قد صانت لبنان من التعديات والاحتلالات والاعتداءات وحالت دون تدخّل الغير في شؤونه؟ وبكثير من الدبلوماسية، وبعيداً عن الفظاظة، أقول بأن السيادة اللبنانية هي مرآة لحالة شعبه.... وبأن "القياصرة" جعلوا من المنارة مغارة ومن الشعب شعوب . لذلك فترسيخ مقومات السيادة ينطلق برأيي من الداخل اللبناني توخّياً للنسيج الوطني وهو عمل شاق، خاصة عندما تصبح الاهواء هوّات للتفرقة وانماط عيش متنافرة ومتطاحنة. ولا أجد وسيلة لتصويب الدلع اللبناني الرذيل إلا باعتماد عقيدة الجيش اللبناني منهاجاً تربوياً وبإعادة العمل بخدمة العلم في التوقيت المناسب.
قد نجهل أو نتجاهل بعض مواصفات السيادة التي فصّلها تقرير مجلس شورى الدولة الفرنسي المذكور أعلاه، منها للإستئناس أن "السيادة الوطنية غير قابلة للتجزئة ولا يمكن تفويضها للهيئات المحلية". وبالتالي ولئن كان الشعب مصدر السيادة، فلا يمكن إعادة تقسيم وتجزيء السيادة بين مواطني الدولة أو مكوّناتها لأن السيادة تصبح ملازمة للأمة. وتوضيحاً، جاء في دستور فرنسا لعام ١٧٩١ بأن "السيادة ملك للأمة، ولا يحق لأية فئة من الشعب أو أي فرد أن يختزل ممارستها".
وفي الوجه الآخر لهذا المصطلح على الصعيد الخارجي، "تعني السيادة انتفاء التبعية إلا في حالة الرضى" (محاضرة البروفسورة Isabelle Germain، La Souverainté de l’Etat، ٣ أيار ٢٠٢٠). وقد كرّس ميثاق الأمم المتحدة صورة بهية عن "مبدأ المساواة في السيادة بين جميع أعضاء منظمة الأمم المتحدة"، إلا أنه خارج دفتي الميثاق، يعاني العالم من صراع "السيادات"، وربّ قائل بصراع الحضارات.
في الخلاصة، نظراً لكثرة القرارات الدولية الخاصة بلبنان، خلته مريضاً يدخل مستشفى مجلس الأمن الدولي ويتكرر دخوله بسبب الإنتكاسات المتتالية ولم يبرأ بعد من المرض. جميع القرارات والمقررات منذ العام 1990 ولغاية ٢٠٢٥ مجمّعة في كتاب السفير عفيف أيوب لتكون سهلة المنال وبتصرّف القارئ. ولا يعقل تحقيق إنجاز قيّم بهذا الحجم دون الحبّ، محرّك المشاعر والأقلام، حب السفير للبنان وجنوبه،مسقط رأسه، والحرص على حقوقه ومصالحه وحمايته تحت مظلة الشرعية الدولية.
وعلى العموم، وبالرغم من الأحوال اللبنانية الساخنة، أقرأ شخصياً تلك المشاعر مقترنة بحقبة مجيدة من تاريخ الدبلوماسية اللبنانية في منظمة الأمم المتحدة من خلال صورة غالية على الغلاف الخلفي. إنها صورة الوفد اللبناني لدى الأمم المتحدة خلال انعقاد جلسة مجلس الأمن الدولي بتاريخ ١٧ كانون الأول ١٩٨٠ للتصويت على تمديد ولاية اليونيفل برئاسة المرحوم السفير غسان تويني وعضوية الدبلوماسيين فخري صاغية، المرحوم سليم تدمري، عفيف أيوب، وأنا شخصياً.
كان حضور تويني وزملاؤه (سفراء المستقبل) كبيراً دون عدسات مكبّرة، وشامخاً دون هرمونات دبلوماسية. وكان صوته مسموعاً دون مكبّرات صوت. سقى الله تلك الأيام!
ــــــــــــــــــــــــــ
نبض