ما الذي فعله إبراهيم كالين في أثينا؟

آراء 09-09-2026 | 20:51

ما الذي فعله إبراهيم كالين في أثينا؟

أنقرة تبني مساراً أمنياً جديداً مع السعودية وباكستان، وإسرائيل تدفع باتجاه شبكة أوسع مع اليونان وقبرص اليونانية. وبين المسارين تقف أثينا، التي تريد الحفاظ على شراكتها مع إسرائيل من دون خسارة قناة التواصل مع تركيا.
ما الذي فعله إبراهيم كالين في أثينا؟
رئيس الاستخبارات التركية ابراهيم كالين
Smaller Bigger
 

 سمير صالحة *

لم يذهب رئيس جهاز الاستخبارات التركية إبراهيم كالين إلى أثينا لفتح قناة مع نظيره اليوناني؛ قناة التواصل موجودة منذ أعوام. لكنه ذهب هذه المرة بنفسه، وفي توقيت شديد الحساسية، وفي ظرف إقليمي مختلف. زيارة كالين لم تكن تهدف إلى بحث ملفات الخلاف التركي ـ اليوناني التقليدية وحدها، بل إلى قراءة موقع أثينا في تحولات الخريطة الإقليمية الجديدة، وحدود ما يمكن أن تذهب إليه شراكتها مع إسرائيل تحت مظلة "درع آخيل"، بينما كانت أنقرة توسع شراكاتها الأمنية مع السعودية وباكستان، وتخوض المواجهة مع تل أبيب على أكثر من جبهة، بينها غزة وسوريا ولبنان، وصولاً إلى شرق المتوسط.

أراد كالين تثبيت رسالة واضحة: تستطيع اليونان تطوير تعاونها مع إسرائيل، لكن عليها ألا تسمح بتحويل هذا التعاون إلى جبهة جديدة في مواجهة تركيا. أنقرة لا تريد أن تجد نفسها أمام بيئة أمنية تتمدد جغرافياً، ,تجمع إسرائيل واليونان وقبرص اليونانية في شبكة واحدة. ولذلك فإن إدارة العلاقة مع أثينا أصبحت جزءاً من إدارة التنافس مع تل أبيب.
الهدف هو اختبار أثينا، لا الاستماع إليها .

 فأنقرة أرادت أن تعرف حدود الشراكة الأمنية اليونانية ـ الإسرائيلية، وإلى أيّ مدى يمكن أن تتحول من تعاون دفاعي إلى عنصر في معادلة ضغط على تركيا. فـ"درع آخيل" لا يُقرأ في أنقرة كصفقة عسكرية منفصلة، خصوصاً عندما يأتي فوق أرضية أوسع من التنسيق الإسرائيلي ـ اليوناني ـ القبرصي اليوناني، وفي لحظة يمتدّ فيها التنافس التركي ـ الإسرائيلي من سوريا إلى شرق المتوسط.

الهدف الثاني كان منع الخلاف التركي ـ اليوناني من أن يصبح جزءاً من صراع إقليمي أكبر . فالخطر بالنسبة إلى أنقرة هو أن تدخل على ملفات التوتر حسابات إسرائيلية وسورية وقبرصية جديدة. ومن هنا تأتي أهمية قناة الاستخبارات: عندما تتغير موازين القوى، تصبح قنوات الاتصال المباشر أداة لمنع سوء التقدير، وضبط الأزمات، وقراءة نوايا الطرف الآخر قبل أن تتحول التحركات العسكرية والأمنية إلى وقائع يصعب التراجع عنها. لهذا لم يكن المطلوب من كالين حل الخلافات التركية ـ اليونانية، بل وضع سقف لها وسط المتغيرات الإقليمية الحاصلة.

أما الهدف الأوسع، فكان قراءة موقع اليونان على الخريطة الأمنية التي تتشكل حول تركيا.
 أنقرة تبني مساراً أمنياً جديداً مع السعودية وباكستان، وإسرائيل تدفع باتجاه شبكة أوسع مع اليونان وقبرص اليونانية. وبين المسارين تقف أثينا، التي تريد الحفاظ على شراكتها مع إسرائيل من دون خسارة قناة التواصل مع تركيا، شريكة الأطلسي. هذه هي المعادلة التي ذهب كالين إلى أثينا لقياسها.

من المبكر القول إن زيارة كالين أفضت إلى تفاهمات تمنع تثبيت قواعد لعبة جديدة في العلاقات التركية ـ اليونانية. لكن قيمة الزيارة لا تقاس فقط بما قيل خلف الأبواب المغلقة، وإنما بما إذا كانت أنقرة قد نجحت، عبر الحفاظ على قناة تواصل مباشرة مع أثينا، في إقناعها بالابتعاد عن محاولات الاستقطاب الإسرائيلية.

 

مرحلة جديدة من العلاقات

 

الأهم أن الزيارة وضعت أثينا أمام معادلة لا تستطيع تجاهلها: التعاون مع إسرائيل يمكن أن يتوسع، لكن موقع اليونان الجغرافي، وعلاقاتها داخل الناتو، وحاجتها إلى إدارة ملفاتها مع تركيا، تجعل من الصعب عليها التعامل مع أنقرة باعتبارها طرفاً يمكن تجاوزه في أيّ ترتيبات أمنية جديدة في شرق المتوسط.
لا ينبغي قياس نتيجة زيارة كالين بما إذا كانت اليونان ستتراجع عن شراكتها مع إسرائيل؛ فهذا ليس الهدف الذي تراهن عليه أنقرة. المعيار الأهم هو ما إذا كانت أثينا ستبقي هذه الشراكة ضمن حدود لا تحولها إلى اصطفاف عسكري جديد في مواجهة تركيا. 

تعرف أنقرة أن شراكة اليونان مع إسرائيل ستتواصل، لهذا ستبقى أثينا في الحسابات التركية أكثر من مجرد خصم في إيجه؛ إنها اختبار لحدود الخريطة الأمنية التي تتشكل حول تركيا.
لكن الزيارة كشفت أكثر أن العلاقة التركية ـ اليونانية دخلت مرحلة جديدة: لم يعد السؤال كيف يدير الطرفان خلافاتهما فقط، بل كيف يمنعان هذه الخلافات من أن تصبح جزءاً من صراع إقليمي تتسع دوائره.

* كاتب وأستاذ جامعي - تركيا

الأكثر قراءة

كتاب النهار 9/8/2026 5:28:00 AM
الواضح أن الإسرائيلي يعتبر انسحاب مقاتلي "حزب الله" الذين كانوا متحصنين في أنفاق علي الطاهر ويدافعون عنها، بمثابة انهيارٍ لأهم الدفاعات التي بذل الحزب جهوداً استثنائية طوال العقدين الماضيين لإنشائها.
اقتصاد وأعمال 9/8/2026 2:28:00 PM
المدير العام للصندوق الدكتور محمد كركي لـ"النهار": تنفيذه ينتظر همة أهل السياسة!
اقتصاد وأعمال 9/9/2026 6:03:00 AM
تمكن طاقم الطائرة من الهبوط بنجاح، فيما انعكس إخلاء المدرج على حركة الملاحة الجوية، إذ اضطرت طائرة تابعة للخطوط الجوية المصرية إلى تأجيل هبوطها والتحليق في الجو إلى حين إخلاء المدرج.
ظهر دونالد ترامب بشعر بدا أكثر قتامة وميلاً إلى البني خلال وصوله إلى نيوجيرسي، ما أثار موجة من التكهنات والتعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي.