العلمانية ونزع الهوية الدينية: من يملك حق اختيار ما ترتديه المرأة؟
إن الدولة القوية لا تخاف من معتقد مواطنيها، والعلمانية الواثقة لا تحتاج إلى خلع حجاب امرأة كي تثبت وجودها.
كلير فخرالدين*
غرامات اليمين المتطرف
هنا تطرح الإشكالية الحقيقية: هل تعني العلمانية حياد الدولة، أم حياد المواطن؟
في جوهرها الدستوري، تعني العلمانية أن الدولة لا تفرض ديناً على مواطنيها ولا تميز بينهم بسبب معتقداتهم. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول من حياد الدولة إلى محاولة جعل المواطن نفسه منزوع العلامات الدينية. فالدولة العلمانية مطالبة بأن تكون محايدة حيال الأديان، لا أن تجعل مواطنيها محايدين دينياً.
وقد تعاملت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان مع مسألة الحجاب في أكثر من قضية، لكن من الخطأ اختزال أحكامها بالقول إن المحكمة "حرّمت الحجاب"؛ ففي Dogru v. France و Kervanci v. France عام 2008، تعلقت القضية بفتاتين مسلمتين في المدرسة، أُبعدتا بسبب رفضهما نزع غطاء الرأس أثناء حصة التربية البدنية. رأت المحكمة أن فرنسا لم تنتهك المادة 9 من الاتفاقية الأوروبية في تلك الظروف المحددة، بالنظر إلى خصوصية البيئة المدرسية واعتبارات السلامة والمشاركة، لكنها لم تقرر أن الحجاب في ذاته مخالف للعلمانية أو محظور في الحياة العامة.
أما S.A.S. v. France، وهو الحكم الأشهر في هذا السياق، فقد صدر عام 2014 في قضية امرأة مسلمة كانت ترتدي النقاب، أي غطاءً يحجب الوجه ، وبالتالي لم تكن القضية تتعلق بالحجاب العادي. أيدت المحكمة الأوروبية قانون فرنسا الذي يمنع إخفاء الوجه في الأماكن العامة، وربطت ذلك بمفهوم "العيش المشترك" ومنحت الدولة هامش تقدير في تنظيم المجال العام، لكن هذا الحكم أيضاً لا يشكل ترخيصاً عاماً بحظر كل لباس ديني، ولا يساوي بين الحجاب وتغطية الوجه.
لجنة حقوق الإنسان
من زاوية أخرى، جاءت مواقف لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة لتضع المسألة في إطار أوسع؛ ففي قضية Bikramjit Singh v. France، المتعلقة بطالب سيخي استُبعد من المدرسة بسبب غطاء الرأس الديني، أكدت اللجنة أن حرية الدين لا تقتصر على الاعتقاد الداخلي، بل تشمل أيضاً إظهار المعتقد من خلال اللباس والرموز الدينية، وأبدت قلقها من آثار التشريع الفرنسي على حرية إظهار الدين وعدم التمييز.
وفي قضية Sonia Yaker v. France عام 2018، المتعلقة بالنقاب، خلصت اللجنة إلى وجود انتهاك لحرية الدين وعدم التمييز بموجب المادتين 18 و26 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ودعت فرنسا إلى اتخاذ التدابير اللازمة لمنع تكرار مثل هذه الانتهاكات.
وهنا المفارقة التي تستحق التوقف: كيف نحمي المرأة بإلغاء قدرتها على الاختيار؟
لهذا، إن معركة الحجاب ليست معركة المسلمين وحدهم، إنها اختبار لفكرة الحرية نفسها. اليوم قد يكون الرمز حجاباً، وغداً قد يكون صليباً أو قلنسوة أو أي علامة يختار بها الإنسان أن يقول إن هذا المعتقد جزء من هويته.
والأخطر من منع قطعة قماش هو أن تصبح الدولة صاحبة القرار في تحديد أي هوية يجوز أن تظهر وأي هوية يجب أن تختفي.
العلمانية الواثقة
لذلك، فالقرار الذي يليق بالدولة العلمانية ليس أن تختار للمرأة ما ترتديه، بل أن تحمي حقها في أن تختار، ما دام اختيارها لا يعتدي على حق آخر ولا يهدد النظام العام بضرر حقيقي ومحدد. فالعلمانية لا تُثبت قوتها بإخفاء الدين من المجتمع، بل بإثبات أن الدولة قادرة على الوقوف على مسافة واحدة من جميع المعتقدات.
وحين تحمي الدولة حق المسلمة في ارتداء حجابها، وحق المسيحية في إظهار رمزها، وحق السيخي في ارتداء غطاء رأسه، فإنها لا تحمي ديناً دون آخر؛ إنها تحمي الإنسان من أن تتحول الدولة إلى وصيّ على ضميره وهويته.
هنا تكمن قوة العلمانية الحقيقية ، أن تقول الدولة للمواطن: معتقدك لك، واختيارك لك، وكرامتك مصونة؛ أما الدولة، فمهمتها أن تحمي حريتك لا أن تصنع هويتك.
*المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية
نبض