دروس القيادة
دروس "القيادة" من كيسنجر شأنها شأن رسائل مكيافيلي إلى "الأمير"، متاحة لمن شاء الفلاح بنقل بلاده إلى وضع أفضل وإحراز أهداف استراتيجية، وليس تكتيك إدارة الأزمات فقط.
طروحات وزير خارجية أميركا الراحل هنري كيسنجر ومبادراته السياسية اتكأت على خلفية أكاديمية تدرس أدوار الساسة الكبار خلال مراحل فاصلة في التاريخ البشري -مثل المستشار النمسوي كليمنس مترنيخ- تضمنتها أطروحة كيسنجر للدكتوراه "درب السلام الصعب".
"دروب صعبة" اجتازها كيسنجر بجولاته المكوكية في الشرق الأوسط، إثر انتهاج سياسة الوفاق الثنائي بين واشنطن وموسكو، وانفتاح واشنطن على بكين. وظل يجوب آفاق نماذج قيادية مميزة وسمواتها، عاصر أكثرها والتقى أهمها، صاغ بوحيها دراسة ست استراتيجيات عالمية تضمنتها آخر كتبه "القيادة".
بهذه الدراسة، وغيرها، يقارب هنري كيسنجر مصاف نيقولو مكيافيللي، صاحب الكتاب الشهير "الأمير" الذي يسنّ أهم قواعد العمل السياسي، بما قيد من ضرورات إمساك زمام الحكم وموجباته، مستقياً ماضي التجارب الضارة منها والنافعة، فيسدي النصح والتوجيه المتطلع إلى التأثير وابتكار قواعد تخلص الأوطان مما يتربص بها.
26 رسالة لمكيافيللي فتحت أبواباً جديدة لنبلاء عصره، وست استراتيجيات لست شخصيات كفؤة في الشرق والغرب، أضاء بها كيسنجر أجَدَّ طرق التحول "من حكم النبلاء إلى حكم الأكفياء".
كِتابا مكيافيلي وكيسنجر يثبتان كيف تؤثر الكتب وتصنع التغيير، وتسعف القارئ المتمعن من مُلاك القرار بإجابات مفحمة على أسئلة مباشرة، فضلًا عن فاعلية التعاطي مع وقائع حية والتفاعل الهادئ مع فعاليات صاخبة. التعاطي الفاعل وابتداع التفاعل الهادئ لا يبتدعهما ويبرع فيهما من يفتقر إلى المَلكةِ والموهبة ومهارة مواجهة تحديات تبقى دوماً في تحديثٍ مستمر.
سيستوقفكم ما استوقف كيسنجر من طرائق تعامل القادة مع مختلف الشؤون بما يتسمون به من "تواضع، إرادة، توزان، تسامٍ، تميز وقناعة" شكلت عناوين الاستراتيجيات التي تجبه حقائق صعبة مجردة، بعمق ثقافة وسعة خيال. يبدأ من موطنه الأصلي ألمانيا ومستشارها كونراد إديناور، ففرنسا وقائدها شارل ديغول، ثم أميركا ورئيسها ريتشارد نيكسون، ويهبط مصرَ حيث يلتقي الرئيس أنور السادات، قبل أن يخط قلمه صورة باني سنغافورة لي كوان يو، ثم يسجل إعجابه بمارغريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا وتأثيرها على رؤساء أميركا بصوتها المسموع عالمياً.
تضم صفحات "القيادة" إرشادات يتبعها القائد اللبيب.. عن التعامل مع المعارضين مثلًا تجد اديناور "المتواضع" يلقن كيسنجر درساً مباشراً حول "الانتقام بدم بارد"، فيما يقرر نيكسون "المتوازن" تعيينه مستشاراً لشؤون الأمن القومي وهو صاحب رأي معارض له.
حتماً سيأخذ لب القراء، "إرادة" ديغول التي نقلت فرنسا من طور إحباط إلى طور أمل، بعد فترة موقتة من الاعتماد على الحلفاء حتى أنعش روح فرنسا واستعاد السيادة.
حين تحلقون معه فوق جزر سنغافورة ستلحظون كيف نقلها "المتميز" لي كوان يو "من العالم الثالث إلى العالم الأول"، مستعيناً بكل خبرة ممكنة وإن بجنسيات مستعارة إثر انكشاف حالة نفاق سياسي في عالمٍ يدعي الحياد وعدم الانحياز!
نأتي إلى "تسامي" أنور السادات وقد أنعم عليه كيسنجر بشهادات عن تفوقه على أسلافه وخلفائه، وكيف بقوة عربية استثنائية وفي لحظة مباغتة اقتنص فرصة فرض السلام لكي يسترد أراضي مصر المحتلة من بين أنياب الكيان الصهيوني.
إذ يستحضر خاتمة تاتشر عقب تآمر رفاقها بعد "القناعة" بدورها الفاعل، تحضر خواتم كل قائد، من انتهى قتيلاً... شامخاً في رفض نتائج انتخابية... مغادراً بفضيحة... متأملاً نتاج تواضعه، وقاطفاً ثمار إنجازاته.
دروس "القيادة" من كيسنجر شأنها شأن رسائل مكيافيلي إلى "الأمير"، متاحة لمن شاء الفلاح بنقل بلاده إلى وضع أفضل وإحراز أهداف استراتيجية، وليس تكتيك إدارة الأزمات فقط.
*عضو مجلس الشورى اليمني
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية
نبض