براءة الآلة... واتّهام الضّمير!

آراء 03-09-2026 | 17:02

براءة الآلة... واتّهام الضّمير!

في التّربية، صار واضحاً أنّنا لن نستمرّ في تعليم يقوم على تخزين المعلومات واسترجاعها، ثمّ نمتحن المتعلّم في ما تنجزه الآلة أسرع منه، ونسمّي ذلك تقييماً!
براءة الآلة... واتّهام الضّمير!
تعبيرية.
Smaller Bigger

 

 


د. محمّد ماجد *



لا شكّ في أنّ مالئ الدّنيا وشاغل النّاس اليوم سيحلّ محلّ الإنسان في بعض المهامّ، غير أنّ الوهم يبدأ حين تقفز توقّعاتنا من استبدال مهمّة إنسانيّة معيّنة ومحدّدة، إلى استبدال الإنسان نفسه! وربّما يبشّرنا "المتفائلون" بتمرّد الآلة قريباً وانفرادها بالحكم... يمكن القول من البداية وبطمأنينة عالية: هذا ما لن يفعله الذّكاء الاصطناعيّ، فلنهدأ قليلاً!

يقول خبير المعلوماتيّة إيغور أشمانوف Igor Ashmanov إنّ عصبوناً واحداً في دماغ إنسان أعقد بكثير من الوحدة البرمجيّة الحسابيّة التي سرقت منه اسمها. والشّبكات العصبونيّة (Neural Networks) التي تبهرنا إنّما هي مجرّد برامج تتعلّم الأنماط والعلاقات بين الأشياء من خلال نماذج كثيرة تتاح لها باستمرار واطّراد، ولهذا رأى لوكان LeCun، كبير علماء الذّكاء الاصطناعيّ، أنّ هرّاً يمتلك من الحسّ المشترك ما لا تمتلكه أذكى الأنظمة، والأخيرة فوق ذلك لا تملك شعوراً أو وعياً؛ مع الإقرار بأنّها بلغت قدرة مدهشة على أداء أعمال كانت إلى الأمس القريب حكراً على الإنسان؛ غير أنّ ثمّة فرقاً كبيراً: القدرة شيء والوعي شيء آخر.

 

 

اللغة المبشّرة بالوهم

 

وإذا كانت هذه حدود الآلة، فمن يروّج لأوهام التمرّد والحلول محلّ الإنسان... ولماذا؟ الوهم عند لارسون Larson (أسطورة الذّكاء الاصطناعيّ 2021) هو القول إنّ آلة تضاهي العقل البشريّ سوف تأتي لا محالة، وإنّ الطّريق الذي نسلكه اليوم يوصل إليها حتماً! ومن الواضح أنّ هذه اللّغة المبشّرة بالوهم والحتميّة المرعبة تداعب الخيال لأغراض شتّى، كما تصلح بقوّة لازدهار السّوق، وهو ما لا تحقّقه الحقائق العلميّة والتمييز بين الممكن وغير الممكن.

وعلى الرّغم من اختلاف الباحثين في تقدير حدود الآلة، فإنّهم يتّفقون على أمرين: أنّها أبعد ممّا يُقال عن مضاهاة الإنسان، وأنّ خطرها يأتي من الإنسان لا منها. شبّه نج Ng (2015) الخوف من الروبوتات القاتلة بالخوف من الاكتظاظ السّكّانيّ على المرّيخ! أمّا راسل Russell (متوافق مع البشر 2019) فلا يخشى تمرّد الآلة، ويقول إنّ الآلة لا تحتاج أن تكون شرّيرة لتصير خطراً: يكفي أن نبني نظاماً شديد القدرة، ثمّ نكلّفه هدفاً لم نحسن صياغته؛ وهذا ما حدث في فيلم ستانلي كوبريك Kubrick‏ (أوديسا الفضاء): فالحاسوب هال لم يتمرّد ويقتل الطّاقم لأنّه يبغضهم، بل لأنّ مشغّليه كلّفوه أن يقول الحقيقة وأن يخفي حقيقة المهمّة في الوقت نفسه؛ الفيلم لم يتنبّأ بتمرّد الآلة، بل نبّه إلى أخلاقيّات من يشغّلها.

 

الخطر الأشدّ رعباً

 

غير أنّ تفكيك سرديّة تمرّد الآلة لا يجوز أن يحجب الخطر الأشدّ رعباً: آلة ليس فيها شعور لتكره أو تحبّ، يستعملها إنسان قادر على الكراهية والتحيّز. فالمشكلة ليست في استقلال الآلة عنّا، بل في شدّة طاعتها لنا. في حرب غزّة، مثالاً لا حصراً، كشفت تحقيقات +972 Magazine وLocal Call (نيسان 2024) عن برامج ذكاء اصطناعيّ لتصنيف أشخاص، أو لتعيين أهداف. صنّف أحدها نحو سبعة وثلاثين ألف شخص مشتبهاً في كونهم مقاتلين، أي إدراجهم في قوائم الاستهداف، من دون مراجعة بشريّة أو معها بحدود ضيّقةٍ جدّاً.  ثمّ ما قيمة المراجعة البشريّة إذا حوّلت السّرعة والثّقة بالخوارزميّة من يراجِع إلى موظّف يضغط زرّ الموافقة على القتل والتدمير الّذي قرّرته الآلة؟ هنا تتجلّى إدانة الضّمير لا الآلة: فالخوارزميّة لا تعرف أنّ هذا طفل وذاك مقاتل، ولا تعود إلى بيتها مثقلة بصور الضّحايا. وخارج الحرب، يعمل المنطق نفسه بصخب أقلّ؛ بيانات تُجمع عنّا لتُستعمل علينا: وصفت زوبوف Zuboff (عصر رأسماليّة المراقبة 2019) استخراج بيانات من سلوكنا اليوميّ، ثمّ تحليلها للتنبّؤ بما سنفعله ثمّ بيعنا هذه التنبّؤات! وقد لا يطول الزّمن حتّى تتحوّل الأداة التي تتنبّأ بما نريد إلى أداة تؤثّر في ما نريده أصلاً!

 

 

الانتقال من امتلاك المعرفة إلى حسن استعمالها

 

أمّا في التّربية، فقد صار واضحاً أنّنا لن نستمرّ في تعليم يقوم على تخزين المعلومات واسترجاعها، ثمّ نمتحن المتعلّم في ما تنجزه الآلة أسرع منه، ونسمّي ذلك تقييماً! وليس المطلوب أن نطرد المعرفة من المدرسة بحجّة أنّ الآلة تحفظها؛ فلا تفكير بلا معرفة. غير أنّ المطلوب هو الانتقال من امتلاك المعرفة إلى حسن استعمالها: كيف نتحقّق منها؟ متى نقبل جواب الآلة، ومتى نرفضه، وكيف نقيّم المصدر إلخ... وهذا ما يجعل ثقافة الذّكاء الاصطناعيّ، فهمه واستعماله بوعي ونقد، كفاية أساسيّة لا نشاطاً هامشيّاً، وهذا ما أوصى به الإطار الذي أصدرته المفوّضيّة الأوروبيّة European Commission ومنظّمة التعاون الاقتصاديّ والتنمية OECD (حزيران 2026).

 

وأخشى ما أخشاه أن نضيف درساً عنوانه "الذّكاء الاصطناعيّ" إلى المنهج، ثمّ نطلب حفظ تعريفاته لنمتحن فيها المتعلّمين! والآن صار السّؤال ملحّاً: أين موقع هذه الكفايات؟ ومن يدرّسها؟ وكيف نقيس أثرها في أثناء العمليّة التعليميّة، قبل أن تتحوّل، هي الأخرى، إلى عناوين برّاقة، للتباهي، في الوثائق التربويّة؟

 

في المحصّلة، لسنا مضطرّين إلى الاختيار بين خرافتين: آلة شرّيرة تتربّص بنا، وأخرى محايدة لا تؤثّر فينا. ستصبح الآلة شديدة القدرة، فتسهم في مضاعفة فرص الخير أو الشرّ تبعاً لأغراض من يبنيها. ويبقى الرّهان معقوداً على الإنسان، لا لأنّه أفضل من الآلة وأقدر، بل لأنّه صاحب المسؤوليّة عن التّحقّق والحكم، وهو من يحدّد الغاية ويعرف النتائج... أو لا يعرفها!

 

براءة الآلة ليست براءةً من الوقوع في الخطأ أو التسبّب في الضّرر؛ هي براءة من الذّنب. فالذّنب مفهوم أخلاقيّ، صاحبه إنسان له حريّة الاختيار. أمّا الآلة فلا ذنب لها.

* باحث ومؤلّف تربويّ، ومتخصّص في بناء المناهج والتعليم الرقميّ

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 9/2/2026 12:14:00 PM
لم تتسلّم عناصر "الحرس الوطني" رواتبها لمدة 5 أشهر بسبب تراجع إرسال الأموال من إسرائيل. لكن المصدر يرصد عودة تقاضي العناصر للرواتب منذ بداية آب الماضي.
المشرق-العربي 9/2/2026 11:25:00 PM
كان سليمان من أكثر الشخصيات غموضا وحساسية داخل الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس السوري السابق.
لبنان 9/1/2026 10:41:00 AM
"هيئة البث الإسرائيلية": القيادة الأمنية العليا ناقشت أخيراً مسألة استمرار السيطرة على مرتفعات علي الطاهر أو تسليمها إلى الجيش اللبناني