الشرق الأوسط كشركة مساهمة: من سيتولى إدارة المنطقة؟

آراء 04-09-2026 | 04:40

الشرق الأوسط كشركة مساهمة: من سيتولى إدارة المنطقة؟

الولايات المتحدة ما زالت تمتلك شيئاً لا يمتلكه أي طرف آخر: شبكة من القواعد والتحالفات والعلاقات العسكرية والاقتصادية وقدرة غير مسبوقة على التأثير في ميزان القوة الإقليمي.

الشرق الأوسط كشركة مساهمة: من سيتولى إدارة المنطقة؟
الرئيس الأميركي دونالد ترامب (أ ف ب)
Smaller Bigger

د. نواف كبارة*

في عام 1998، سألني طلابي في الجامعة سؤالاً بدا في حينه أكبر من أن تكون له إجابة واضحة: ما هو مستقبل الشرق الأوسط؟

 

قلت لهم يومها إنني أعتقد أن الشرق الأوسط يتجه إلى التحول إلى ما يشبه شركة مساهمة كبرى، رئيس مجلس إدارتها الولايات المتحدة الأميركية، وأن الصراع الأساسي في المستقبل لن يكون فقط بين العرب وإسرائيل، بل على من سيتولى الإدارة التنفيذية لهذه الشركة الإقليمية. وقلت إن القوى المرشحة لهذا الصراع ستكون بصورة أساسية إسرائيل وإيران وتركيا.

 

بعد ما يقارب ثلاثة عقود، يبدو أننا أصبحنا في قلب ذلك الصراع. لم يعد السؤال المركزي في الشرق الأوسط اليوم هو فقط من يحتل أرضاً، أو من ينتصر في حرب، أو حتى من يمتلك القوة العسكرية الأكبر. السؤال الأعمق أصبح: من سيضع قواعد النظام الإقليمي؟ من يحدد حدود نفوذ الدول؟ من يقرر مستقبل سوريا والعراق ولبنان والخليج وشرق المتوسط؟ ومن يمتلك القدرة على التأثير في القرار العربي؟

 

لقد انتقلت المنطقة تدريجاً من مرحلة كان العالم العربي فيها، رغم ضعفه وانقساماته، أحد صانعي النظام الإقليمي، إلى مرحلة أصبح فيها في جزء كبير منه ساحة للصراع على النظام الإقليمي. وهنا تكمن المأساة الحقيقية.

 

من الصراع العربي - الإسرائيلي إلى الصراع على العالم العربي

 

خلال النصف الثاني من القرن العشرين، كان الصراع الرئيسي في المنطقة يُعرّف بأنه الصراع العربي- الإسرائيلي. كانت هناك مشاريع عربية متنافسة، ناصرية وبعثية وملكية وإسلامية، وكانت الدول العربية نفسها، مهما اختلفنا على سياساتها، أطرافاً رئيسية في رسم مستقبل المنطقة.

 

أما اليوم فقد تغيرت الخريطة. نحن أمام ثلاثة مشاريع إقليمية رئيسية، إسرائيلية وتركية وإيرانية، لكل منها تصور مختلف لموقعه ودوره وحدود نفوذه. وبين هذه المشاريع تتحرك الدول العربية منفردة، وفق مصالحها الوطنية أحياناً، ووفق مصالح أنظمتها وهواجسها الأمنية أحياناً أخرى.

 

ولذلك لم يعد هناك عملياً "محور عربي" واحد في مواجهة المحاور الأخرى. هناك دول عربية تقترب من الولايات المتحدة، وأخرى تنسق مع تركيا، وأخرى بنت علاقات استراتيجية مع إسرائيل، وأخرى ارتبطت بإيران، ودول تحاول إقامة علاقات متوازنة مع الجميع.

 

حتى دول الخليج نفسها لم تعد تتحرك باعتبارها كتلة سياسية واحدة، بل أصبحت لكل دولة منها حساباتها وعلاقاتها وتحالفاتها الخاصة. وتظهر التحولات الجارية عام 2026 أن بعض دول المنطقة يبحث بالفعل عن ترتيبات أمنية وتحالفات جديدة بعدما اهتزت الثقة القديمة بقدرة النظام الإقليمي التقليدي على توفير الاستقرار.

 

المشروع الإسرائيلي: من السيطرة على الأرض إلى السيطرة على النظام

 

عندما نتحدث عن "إسرائيل الكبرى"، من الخطأ اختزال الفكرة بالضرورة في خريطة جغرافية محددة تمتد من مكان إلى آخر. هناك تيارات إسرائيلية دينية وقومية تحمل بالفعل تصورات توسعية جغرافية، لكن المفهوم الأكثر أهمية استراتيجياً هو إسرائيل الكبرى بوصفها قوة الهيمنة الرئيسية في الشرق الأوسط.

 

بمعنى آخر، قد لا تحتاج إسرائيل إلى احتلال كل الأراضي حتى تحقق مشروعها. قد يكون الشكل الأكثر فعالية للهيمنة هو أن تصبح القوة العسكرية والتكنولوجية والاستخباراتية التي لا يستطيع أي قرار إقليمي كبير أن يتجاهلها.

 

إسرائيل تمتلك تفوقاً عسكرياً وتكنولوجياً كبيراً، وتحالفاً استراتيجياً عميقاً مع الولايات المتحدة، وقدرة استخباراتية وعسكرية تتجاوز مساحتها وعدد سكانها بأضعاف.

 

ومن هذا المنظور يصبح إضعاف القوى الإقليمية المنافسة، ومنع ظهور قوة عسكرية قادرة على موازنة إسرائيل، عناصر أساسية في رؤيتها الأمنية.

 

لقد شكلت إيران خلال العقود الماضية التحدي الإقليمي الأكبر أمام هذه الرؤية. لكن إضعاف إيران لا يعني انتهاء الصراع على النظام الإقليمي. بل قد يكشف المنافس التالي. وهذا المنافس هو تركيا.

 

المشروع التركي: النفوذ من دون احتلال

 

تركيا لا تحتاج هي أيضاً إلى استعادة الإمبراطورية العثمانية حتى تصبح القوة الأكثر تأثيراً في فضائها الجغرافي.

 

المشروع التركي الحديث أكثر تعقيداً وبراغماتية من ذلك. تركيا تريد أن تكون الدولة التي لا يمكن اتخاذ قرار في سوريا أو العراق أو شرق المتوسط أو القوقاز، وربما في أجزاء واسعة من المنطقة العربية، من دون أخذ مصالحها في الاعتبار.

 

إنها تستخدم الاقتصاد والتجارة والطاقة والصناعة الدفاعية والقوة العسكرية والديبلوماسية والعلاقات الثقافية، إضافة إلى موقعها في حلف شمال الأطلسي، لبناء مجال نفوذ واسع.

 

ومن الخطأ وصف ذلك بصورة مبسطة بأنه "عثمانية جديدة". فدراسات حديثة تشير إلى أن السياسة التركية الحالية أقرب إلى محاولة بناء نظام إقليمي يخدم أمن تركيا ومصالحها ويمنع خصومها من تشكيل البيئة المحيطة بها، أكثر مما هي محاولة لإعادة إنتاج إمبراطورية تاريخية.
لكن صعود الدور التركي يضع أنقرة بصورة متزايدة في مواجهة المشروع الإسرائيلي.

 

فالمجالان الحيويان للمشروعين يتقاطعان في سوريا وشرق المتوسط، كما يمتدان نحو البحر الأحمر وطرق التجارة والطاقة والنفوذ داخل النظام السياسي الإقليمي. ولهذا بدأت العلاقة التركية- الإسرائيلية تتحول من خلافات سياسية دورية إلى تنافس استراتيجي أكثر بنيوية.

 

المشروع الإيراني: الدفاع عن مجال النفوذ المتراجع

 

أما إيران فقد بنت منذ الثورة الإسلامية عام 1979 مشروعها الإقليمي بطريقة مختلفة. لم تعتمد فقط على القوة العسكرية التقليدية، بل على إنشاء شبكة واسعة من التحالفات السياسية والعسكرية وغير الحكومية امتدت من العراق وسوريا إلى لبنان واليمن.

 

وكان للمكوّن الشيعي دور مركزي في كثير من هذه الشبكات، لكن اختزال المشروع الإيراني بأنه "مشروع شيعي" فقط لا يفسر سلوكه كاملاً. فهو قبل كل شيء مشروع دولة تسعى إلى إنشاء عمق استراتيجي يمنع خصومها من تطويقها ويمنحها أوراق قوة خارج حدودها.

 

لكن هذا المشروع تعرض خلال السنوات الأخيرة لضربات كبيرة، وتغيرت البيئة الإقليمية التي سمحت له بالتوسع.

 

واليوم تبدو إيران في معركة مختلفة عن تلك التي خاضتها في العقدين الماضيين. لم يعد هدفها توسيع مجال نفوذها فقط، بل الحفاظ على أكبر قدر ممكن مما تبقى منه.

 

ومع المواجهات المباشرة التي شهدها عام 2026، انتقل الصراع الأميركي والإسرائيلي مع إيران إلى مستوى جديد، فيما أظهرت أزمة مضيق هرمز أن إيران، حتى وهي تحت ضغط عسكري واقتصادي كبير، ما زالت تمتلك أدوات يمكنها من خلالها التأثير في الاقتصاد والأمن العالميين.

 

بعد إيران: هل تصبح تركيا المنافس الرئيسي لإسرائيل؟ هنا نصل إلى القضية التي أعتقد أنها ستكون مركزية في المرحلة المقبلة.

 

إذا تراجعت قدرة إيران على المنافسة الإقليمية بصورة كبيرة، فلن يؤدي ذلك بالضرورة إلى شرق أوسط مستقر تهيمن عليه إسرائيل من دون منافس. على العكس، قد يؤدي ذلك إلى انتقال مركز التنافس الإقليمي تدريجاً من إسرائيل وإيران إلى إسرائيل وتركيا.

 

تركيا تمتلك ما لم تكن إيران تمتلكه: اقتصاد أكبر وأكثر تنوعاً، قاعدة صناعية متقدمة، صناعة عسكرية متنامية، جيش تقليدي ضخم، عضوية في حلف شمال الأطلسي، موقع جغرافي يتحكم ببوابات أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، وصلات اقتصادية وسياسية واسعة مع العالم العربي.

 

وإسرائيل، من جهتها، قد ترى في صعود قوة إقليمية تركية واسعة النفوذ تحدياً بعيد المدى لاحتكارها التفوق الاستراتيجي في المنطقة.

 

لهذا فإن العائق الأكبر أمام هيمنة إسرائيلية شبه مطلقة بعد إيران قد يصبح تركيا، كما أن العائق الأكبر أمام مشروع تركي لبناء مجال نفوذ إقليمي واسع قد يكون إسرائيل.

 

وهذا الاحتمال لم يعد مجرد تمرين نظري. تحليلات منشورة خلال عام 2026 تتحدث بالفعل عن تحول التوتر التركي- الإسرائيلي إلى منافسة استراتيجية تمتد من سوريا إلى شرق المتوسط وممرات البحر الأحمر.

 

أين العرب؟

 

هنا ينبغي طرح السؤال المؤلم. أين المشروع العربي من كل ذلك؟ هناك دول عربية قوية اقتصادياً ومالياً وعسكرياً، وهناك دول عربية بدأت بالفعل بممارسة سياسة خارجية أكثر استقلالاً وجرأة. ولا يجوز بالتالي التعامل مع العرب كما لو كانوا مجرد دمى تحركها القوى الخارجية.

 

لكن المشكلة تكمن في غياب مشروع عربي جماعي للنظام الإقليمي. هناك سياسة سعودية، وسياسة مصرية، وسياسة إماراتية، وسياسة قطرية، وسياسة عراقية، وسياسات لبقية الدول. ولكن أين التصور العربي المشترك لشكل الشرق الأوسط بعد عشر أو عشرين سنة؟ ما هي الحدود المقبولة للتدخل الخارجي؟ ما هو مفهوم الأمن الإقليمي؟ كيف تتم حماية الدول العربية الصغيرة من التحول إلى مناطق نفوذ؟ ما هو مستقبل القضية الفلسطينية؟ ما هي العلاقة المطلوبة مع إيران وتركيا وإسرائيل؟ وما هي العلاقة التي يريدها العرب أنفسهم مع الولايات المتحدة والصين وروسيا وأوروبا؟

 

غياب الإجابات المشتركة عن هذه الأسئلة هو الذي يسمح للآخرين بالإجابة عنها نيابة عن العرب.

 

رئيس مجلس الإدارة الأميركي

 

...ويبقى دور الولايات المتحدة. عندما استخدمت عام 1998 تشبيه "الشركة المساهمة"، قلت إن الولايات المتحدة ستكون رئيس مجلس إدارتها.
بعد ثلاثة عقود، ما زال التشبيه صالحاً، ولكن مع تعديل مهم.

 

أميركا لم تعد قادرة على إدارة كل تفاصيل الشرق الأوسط كما فعلت بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. الصين أصبحت قوة اقتصادية كبرى في المنطقة، وروسيا حاولت بناء نفوذ عسكري وسياسي، والقوى الإقليمية أصبحت أكثر استقلالاً.

 

لكن الولايات المتحدة ما زالت تمتلك شيئاً لا يمتلكه أي طرف آخر: شبكة من القواعد والتحالفات والعلاقات العسكرية والاقتصادية وقدرة غير مسبوقة على التأثير في ميزان القوة الإقليمي.

 

والتطورات العسكرية الأميركية- الإيرانية خلال عام 2026 تؤكد أن واشنطن، رغم الحديث المستمر عن انسحابها من الشرق الأوسط، ما زالت لاعباً مباشراً في أمن المنطقة وحروبها.

 

وربما أصبحت الشركة اليوم أقل انضباطاً من تلك التي تخيلتها عام 1998. رئيس مجلس الإدارة ما زال موجوداً، لكنه لم يعد قادراً على ضبط جميع أعضاء المجلس، فيما يحاول كل مدير إقليمي توسيع حصته ونفوذه.

 

الخطر الحقيقي

 

الخطر الأكبر على العالم العربي ليس أن تنتصر إيران أو إسرائيل أو تركيا. الخطر الحقيقي هو أن يستمر العالم العربي في قبول موقع الساحة بدلاً من أن يستعيد موقع الفاعل. فحين تغيب القوة العربية الجماعية، ستختار كل دولة التحالف الذي تعتقد أنه يحميها: هذه مع الولايات المتحدة، وتلك مع تركيا، وثالثة مع إسرائيل، ورابعة مع إيران، وخامسة تحاول الوقوف بين الجميع.

 

لكن مجموع هذه السياسات لا يصنع نظاماً عربياً.
إنه يصنع فراغاً. والسياسة، مثل الطبيعة، لا تحب الفراغ. فإذا لم يضع العرب تصورهم لمستقبل منطقتهم، فسيضعه الآخرون لهم.

 

لذلك، فإن السؤال الذي طرحه طلابي عام 1998 يعود اليوم بصورة أكثر إلحاحاً: من سيحكم الشرق الأوسط؟ ربما يكون السؤال الذي يجب أن نطرحه نحن العرب أكثر أهمية: هل نريد أن نبقى مساهمين صغاراً في شركة يديرها الآخرون، أم نريد أن نستعيد القدرة على صوغ نظام إقليمي نكون شركاء حقيقيين في تحديد قواعده ومستقبله؟

 

-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 9/2/2026 11:25:00 PM
كان سليمان من أكثر الشخصيات غموضا وحساسية داخل الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس السوري السابق.
المشرق-العربي 9/3/2026 10:43:00 PM

أثناء إيقاف زهر الدين على أحد الحواجز الأمنية وبعد كشف هويته، أقدم على سحب سلاحه وإطلاق النار على نفسه منتحراً خشية إلقاء القبض عليه، فيما تم إلقاء القبض على الشخص المرافق له في السيارة.


النهار تتحقق 9/3/2026 9:01:00 AM
التصريح منسوب إلى وزير المال العراقي. وتقصّت "النّهار" صحته.
لبنان 9/3/2026 11:23:00 AM
تاريخياً، لم تستطع الحدود بين لبنان وسوريا وفلسطين فصل الدروز عن بعضهم. فقد توزعت الجماعة بين هذه المناطق وحافظت على روابط دينية واجتماعية وعائلية وسياسية عابرة للحدود. لذا فإن ما يصيب دروز سوريا أو فلسطين يجد صداه في لبنان.