انطونيو عنداري *
هل نحن أمام مجرد تعديل قانوني في قوانين الكنائس الشرقية، أم أمام رسالة أبعد من النصوص؟ السؤال لم يعد هامشياً بعد أن أدخل البابا لاون الرابع عشر تعديلاً لافتاً على القانون الكنسي الخاص بالكنائس الشرقية. فالتعديل الجديد لا يغيّر مادة إدارية عابرة، بل يضع للمرة الأولى آلية واضحة يمكن، في ظروف استثنائية، أن تنتهي إلى تنحية بطريرك لا يريد الاستقالة. وفي لبنان، لم يكن صعباً أن يتجه السؤال فوراً نحو بكركي: هل يعني ذلك أن زمن البطريرك الذي يستحيل تغييرُه قد انتهى؟ وهل يمكن أن يكون مار بشارة بطرس الراعي أول من تُختبر عليه هذه الآلية الجديدة؟ حتى الآن، لا جواب رسمياً يؤكد ذلك. لكن مجرد طرح السؤال بهذه القوة يكشف حجم الدلالة التي حملها التعديل. من «الاستقالة» إلى «التنحية» التغيير الأساسي هو أن السينودس، في حال وجود سبب خطير واختلال عميق وغير قابل للإصلاح في العلاقة بين البطريرك والأساقفة، يستطيع أن يطلب من البطريرك الاستقالة. وإذا رفض، يمكن الانتقال إلى اقتراع سري يحتاج إلى أغلبية الثلثين، قبل أن يُرفع القرار إلى البابا الذي يحتفظ بالكلمة النهائية. وهنا تكمن المفارقة: البابا لم يمنح المطارنة سلطة مطلقة لعزل بطريرك، لكنه منحهم للمرة الأولى طريقاً قانونياً واضحاً للوصول إلى هذه النتيجة. وهذا بحد ذاته تغيير كبير في ميزان القوى داخل الكنائس الشرقية. لماذا الراعي؟ لأن لبنان ليس بعيداً عن هذه المعادلة. فاسم البطريرك الراعي طُرح فوراً في النقاش الإعلامي والسياسي، ليس لأن روما أعلنت شيئاً ضده، بل لأن التعديل جاء في لحظة تتداخل فيها أسئلة الكنيسة المارونية مع أسئلة الدور الوطني لبكركي ومواقفها السياسية. لكن يجب هنا التمييز بين التحليل والوقائع. لا يوجد حتى الآن إعلان فاتيكانـي عن إجراءات لعزل الراعي، ولا دليل معلن على أن السينودس الماروني بدأ مساراً من هذا النوع. بل إن السينودس الماروني انعقد في حزيران الماضي برئاسة الراعي، واستمر البطريرك في ممارسة مهماته بصورة طبيعية. إذن، القول إن «البابا قرر عزل الراعي» ليس خبراً، بل استنتاج لا يزال بلا دليل. ولكن… هل يمكن أن يكون التعديل استباقياً؟ هنا تبدأ المنطقة الأكثر إثارة. لماذا الآن؟ ولماذا احتاجت روما إلى تعديل القانون تحديداً في النقطة المتعلقة بعلاقة البطريرك بالسينودس وإمكانية تنحيته؟ لا توجد إجابة رسمية تربط القرار بحالة مارونية محددة. لكن السياسة الكنسية، مثل السياسة الدولية، لا تُقرأ دائماً من البيانات الرسمية وحدها. أحياناً تكون أهمية القرار في الأداة التي يتم إنشاؤها أكثر من القضية التي يُعلن أنها سبب إنشائها. ومن هذه الزاوية، فإن البابا لاون الرابع عشر يقول شيئاً بالغ الأهمية للكنائس الشرقية: البطريرك ليس فوق السينودس. الثلثان… هنا تكمن المعركة إذا وصل الأمر في يوم من الأيام إلى تطبيق القانون الجديد في الكنيسة المارونية، فلن يكون السؤال الأول عن موقف البابا، بل عن موقف المطارنة. هل يمكن جمع ثلثي الأصوات؟ هذه هي العقدة. فالسينودس يحتاج إلى أغلبية كبيرة جداً، ثم يبقى القرار بحاجة إلى موافقة البابا. أي أن إسقاط بطريرك ليس عملية سياسية سريعة، ولا يستطيع فريق من المطارنة القيام بها بمجرد اختلافه معه. لكن في المقابل، أصبح هناك الآن مسار قانوني يمكن أن يجعل الأمر ممكناً إذا بلغت الأزمة مستوى استثنائياً. ماذا لو كان هناك تحرك فعلي؟ عندها لن تبقى المسألة في إطار المقالات والتكهنات. ستظهر إشارات لا يمكن تجاهلها: اجتماع استثنائي للسينودس، مواقف جماعية غير مسبوقة للمطارنة، اتصالات مكثفة مع روما، وربما توصيف رسمي للخلاف بأنه أصبح «خطيراً وغير قابل للإصلاح». حتى ذلك الحين، يبقى الكلام عن عزل الراعي سيناريو وليس خبراً. لكن الرسالة الأعمق وصلت قد يكون من الخطأ اختزال قرار البابا في شخص البطريرك الراعي. فما فعله لاون الرابع عشر يتجاوز بكركي إلى إعادة تعريف العلاقة بين البطريرك والسينودس في الكنائس الشرقية. لقد وضع حداً نظرياً، وقانونياً، لفكرة أن البطريرك يمكن أن يبقى في موقعه مهما بلغت حدة الخلاف مع أساقفته. وهذا، بالنسبة إلى الكنيسة المارونية، ليس تفصيلاً. فالقرار قد لا يكون موجهاً إلى الراعي، لكنه بالتأكيد يغيّر قواعد اللعبة التي سيعمل ضمنها كل بطريرك ماروني مقبل. السؤال الذي سيبقى معلّقاً لذلك، فإن السؤال الصحيح ليس: «هل قرر البابا عزل الراعي؟» فالجواب حتى الآن: لا دليل على ذلك. السؤال الأكثر دقة هو: «لماذا قرر البابا الآن أن يمنح السينودسات الشرقية، للمرة الأولى بهذه الصراحة، أداة قانونية لتنحية بطريرك يرفض الاستقالة؟» هذا السؤال هو الذي يستحق البحث. فإذا كان الأمر مجرد إصلاح قانوني طال انتظاره، فستنتهي الضجة تدريجياً. أما إذا ظهرت لاحقاً حركة كنسية مارونية وفق الآلية الجديدة، فسيتبين أن تعديل 29 آب لم يكن مجرد تعديل في كتاب القوانين، بل كان فتحاً لباب كان مغلقاً منذ قرون. وعندها فقط سيصبح السؤال عن الراعي أكثر من مجرد عنوان صحافي.. في الخلاصة، يبقى البطريرك مار بشارة بطرس الراعي في سدة البطريركية، ويمارس صلاحياته كاملة، ما لم يقرر هو شخصياً تقديم استقالته أو الاعتزال او عزله وفق الأصول الكنسية الأخيرة وهذا ما دونه صعوبات. وما عدا ذلك ليس سوى تأويلات إعلامية و«اصطياد في الماء العكر» لا تستند إلى أي قرار فاتيكانـي معلن…
* سفير لبنان السابق لدى الفاتيكان
نبض