الديموقراطية التي تحمي خصومها
لهو إفلاس سياسي كبير لمن يراهن من الديكتاتوريين على التغيير الديموقراطي لدى الدول الحرّة، وهو دليل إلى فقدان أدوات التأثير الخارجية، فيصبح الهمّ الأساسي ليس الانتصار الخارجي لا بل الاستمرار الداخلي القمعي...
سيروج أبيكيان*
في واحدة من أكثر مفارقات السياسة الدولية إثارةً للتأمل، تخوض بعض الأنظمة السلطوية، وفي مقدمتها النظام الإيراني، صراعاً مفتوحاً مع دول غربية ديموقراطية، بينما تستفيد في الوقت نفسه من أهم القيم التي تقوم عليها هذه الديموقراطيات: حرية التعبير، وحرية الإعلام، والتعددية السياسية، واستقلال المؤسسات، وحق المواطنين في الاعتراض والاحتجاج. وهنا تبرز مفارقة استراتيجية لافتة: النظام الذي يقمع الحريات في الداخل، يراهن على الحريات في الدول التي يواجهها في الخارج.
يمكن النظر إلى هذه المسألة باعتبارها جزءاً من معادلة سياسية واستراتيجية أكثر تعقيداً. فالأنظمة الديكتاتورية لا تحتاج إلى أن تكون ديموقراطية كي تواجه الديموقراطيات؛ بل تستطيع، في بعض الحالات، أن تجعل من ديموقراطية خصمها نقطة قوة لها، وأن تحول انفتاح المجتمع والمؤسسات وحرية النقاش إلى أدوات يمكن استغلالها في الصراع السياسي.
وهنا تحديداً تنشأ المفارقة:
فالنظام السلطوي قد لا يستطيع تغيير سياساته الداخلية بسهولة، لكنه يستطيع أن ينتظر تغيراً في القيادة السياسية لدى خصمه الديموقراطي، أو تغيراً في المزاج الشعبي، أو ظهور تيارات سياسية جديدة أكثر استعداداً للتفاوض معه.
ومن هنا تصبح الانتخابات في الدول الديموقراطية، بالنسبة إلى خصم سلطوي، ليست مجرد ممارسة ديموقراطية داخلية، بل حدث استراتيجي يمكن مراقبته وانتظاره واستثماره.
وهكذا يصبح المشهد شديد التناقض: في الداخل، إغلاق المجال السياسي. وفي الخارج مراقبة المجال الديموقراطي والاستفادة من انفتاحه.
الرهان على الزمن
أحد أهم الأسلحة التي تمتلكها الأنظمة السلطوية هو الوقت.
الديموقراطيات تتحرك غالباً وفق دورات انتخابية قصيرة نسبياً، بينما تستطيع الأنظمة السلطوية التفكير بمنطق أطول أمداً، فيمكنها أن تنتظر سنوات حتى تتغير حكومة حرّة، أو حتى يتغير موقف الرأي العام، أو حتى تظهر أزمة اقتصادية أو اجتماعية داخل الدولة الخصم.
فما تعتبره الديموقراطية تغييراً طبيعياً في السلطة، قد تعتبره الديكتاتورية فرصة استراتيجية.
الدولة الديموقراطية قد تتخذ موقفاً متشدداً تجاه دولة سلطوية، ثم تأتي حكومة جديدة فتطرح سياسة أكثر انفتاحاً على الحوار، ويتجلّى ذلك في السياسات الأميركية. وقد تفرض إدارة ما عقوبات، ثم تأتي إدارة أخرى فتخففها. وقد تعتبر حكومة معينة أن المواجهة هي الخيار الأفضل، بينما ترى حكومة لاحقة أن التفاوض أكثر فائدة، وأحياناً الاثنين معاً.
وهنا تراهن الديكتاتورية على قاعدة بسيطة: إذا كنت لا تستطيع تغيير خصمك بالقوة، فانتظر حتى تغيّره الديموقراطية من الداخل.
هذه ليست دعوة إلى اعتبار الديموقراطية نقطة ضعف، بل إلى إدراك أن الانفتاح الديموقراطي يحتاج إلى استراتيجية تحميه من الاستغلال.
إيران نموذجاً
يقدم النظام الإيراني مثالاً واضحاً على هذه المفارقة. فإيران، كدولة ذات نظام سياسي شديد المركزية، تتبنى سياسات إقليمية ودولية تقوم على المدى الطويل، وتعمل ضمن منظومة مؤسسات أمنية وعسكرية وسياسية متداخلة. وفي المقابل، تتعامل مع دول غربية تتغيّر حكوماتها وسياساتها عبر الانتخابات.
لذلك لا ينظر صانع القرار الإيراني بالضرورة إلى الحكومة الغربية الحالية باعتبارها ثابتاً دائماً، بل قد ينظر إلى الدولة الغربية باعتبارها نظاماً سياسياً قابلاً للتغيير.
ومن هنا يصبح الرهان على التحول السياسي في الديموقراطيات جزءاً من حسابات الأنظمة السلطوية. رغم أنه جزء طبيعي من الديموقراطية، لكنه قد يتحول إلى مادة تستثمرها الدول المعادية في صراعاتها السياسية والاستراتيجية.
حرية الخصم كأداة ضغط عليه
لا تقتصر المسألة على انتظار الانتخابات. فحرية التعبير تسمح بظهور أصوات عديدة داخل المجتمع الديموقراطي: أصوات مؤيدة للحرب وأخرى معارضة لها، أصوات تطالب بالتفاوض وأخرى تطالب بالتصعيد، أصوات تنتقد الحكومة وأخرى تدافع عنها.
هذا أمر صحي في النظام الديموقراطي، لكن في الصراع الدولي، قد تحاول دولة سلطوية استغلال هذا التعدد من خلال حملات التأثير السياسي والإعلامي، أو نشر روايات مضللة، أو تضخيم الخلافات الموجودة أصلاً، أو تقديم نفسها إلى قطاعات معينة من الرأي العام باعتبارها ضحية للسياسات الغربية.
وهنا لا تكمن المشكلة في وجود المعارضة أو حرية التعبير؛ فهذه ليست عيوباً في الديموقراطية، بل من أهم عناصر قوتها. المشكلة تكمن في استغلال الانفتاح الديموقراطي من طرف خارجي لا يؤمن أصلاً بالمبادئ التي تحمي هذا الانفتاح. بمعنى آخر، قد تستخدم الديكتاتورية حرية الديموقراطية ضد الديموقراطية نفسها.
إلى جانب أن الدولة الديموقراطية تفرض على نفسها قيوداً لا تفرضها الأنظمة السلطوية على نفسها. فهي تخضع للقضاء، والإعلام، والبرلمان، والرأي العام، والقانون الدولي، والمنظمات الحقوقية والإنسانية. أما النظام السلطوي فقد يستطيع اتخاذ قراراته بسرعة أكبر، ولا يحتاج دائماً إلى الحصول على موافقة شعبية أو مؤسساتية.
وهذا يعني أن الديموقراطية قد تكون أبطأ في اتخاذ القرار، لكنها أكثر قابلية للتصحيح والمراجعة. أما الديكتاتورية فقد تكون أسرع في اتخاذ القرار، لكنها أقل قدرة على تصحيح أخطائها لأن النظام السياسي نفسه قد يمنع الأصوات المعارضة من الوصول إلى مركز القرار، لذلك تبقى أنظمة غير مرنة وغير قابلة للتطوير، مصيرها الدائم إما الانتصار أو الانكسار.
وهنا لا ينبغي أن يكون الحل هو التخلي عن الحريات. على العكس، الحل هو تطوير ديموقراطي أكثر وعياً بحدود الانفتاح وأكثر قدرة على حماية نفسها دون أن تفقد جوهرها.
المشكلة ليست في الديموقراطية، بل في الاعتقاد بأن جميع الخصوم السياسيين يشتركون في القيم نفسها، وهذا ما تعانيه أوروبا وخاصةً اليسار في القارة.
الديموقراطية تفترض وجود الاختلاف، لكنها لا تفترض بالضرورة أن جميع الأطراف الخارجية ستتعامل معها وفق القواعد نفسها.
الدولة الديموقراطية قد تكون مستعدة للتفاوض، بينما يرى خصمها أن التفاوض مجرد وسيلة لكسب الوقت. وقد تقدم تنازلات باعتبارها جزءاً من التسوية السياسية، بينما يعتبرها الطرف الآخر علامة على الضعف. وقد تتراجع عن موقف معين استجابةً للرأي العام، بينما يفسر الخصم هذا التراجع على أنه فرصة لمزيد من الضغط.
لذلك تحتاج الديموقراطيات إلى التمييز بين المرونة السياسية والتردد الاستراتيجي.
هل المطلوب تقييد الديموقراطية؟
بالتأكيد لا. القول إن الأنظمة السلطوية تستفيد من حرية الديموقراطيات لا يعني أن الحل هو تقليص الحريات. فهذا سيكون انتصاراً للمنطق السلطوي نفسه.
المطلوب هو العكس: ديموقراطية قوية تقضي على الأنظمة القمعية، لا ديموقراطية خائفة.
ديموقراطية تستطيع أن تسمح بالمعارضة من دون أن تسمح بالتدخل الخارجي في مؤسساتها. ديموقراطية تسمح بتغيير الحكومات، ولكنها تحافظ على ثوابت استراتيجية تحظى بإجماع وطني واسع. ديموقراطية تسمح بالتفاوض، ولكنها لا تجعل التفاوض بديلاً من امتلاك عناصر القوة. وديموقراطية تقبل اختلاف الآراء، لكنها ترفض أن يتحول هذا الاختلاف إلى أداة في يد دولة أجنبية.
المفارقة الأخلاقية: الديكتاتور ينتظر الانتخابات
ربما تكمن إحدى أكثر المفارقات السياسية غرابة في أن الديكتاتور الذي يمنع شعبه من تغيير حكومته أو حتى إبداء رأيه، ينتظر الانتخابات في الدولة الديموقراطية التي يواجهها. هو لا يسمح لشعبه بحرية سياسية، لكنه يراهن على أن يمارس الشعب في الدولة الخصم حريته في اختيار حكومة جديدة.
وهكذا تصبح حرية الخصم جزءاً من الحساب الاستراتيجي للديكتاتورية.
لكن هذه المفارقة لا تعني أن الديموقراطية فاشلة؛ بل تعني أن الديموقراطية قوة تحتاج إلى حماية. فالمجتمع المفتوح لا يكون قوياً بمجرد كونه مفتوحاً، بل عندما يستطيع الدفاع عن انفتاحه من القوى التي تسعى إلى استغلاله لتقويضه.
كما لا ينبغي للديموقراطيات أن تتحول إلى ديكتاتوريات كي تواجه الديكتاتوريات. عليها أن تثبت أن الحرية ليست ضعفاً، وأن التعددية ليست فوضى، وأن تغيير الحكومات لا يعني تغيير المبادئ، وأن الانفتاح لا يعني السذاجة. فالخطر الحقيقي ليس أن تكون الديموقراطية مرنة، بل أن يعتقد خصمها أن هذه المرونة تعني أنها قابلة للكسر.
الديموقراطية القوية هي التي تسمح لشعبها بتغيير حكومتها، من دون أن تسمح لخصمها بتغيير مبادئها.
لطالما سقطت الديكتاتوريات أمام كلمة واحدة وهي "الحرية" على درجاتها. ولهو إفلاس سياسي كبير لمن يراهن من الديكتاتوريين على التغيير الديموقراطي لدى الدول الحرّة، وهو دليل إلى فقدان أدوات التأثير الخارجية، فيصبح الهمّ الأساسي ليس الانتصار الخارجي لا بل الاستمرار الداخلي القمعي، غافلين أن تلك الدول تسير أصلاً على مبدأ الكاردينال ريشيليو منذ عهد لويس الثالث عشر، مبدأ "مصلحة الدولة".
*مدير مركز MEC affairs
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية
نبض