علي الطاهر... معركة كسر العظم على أرض الجنوب
السؤال الحقيقي حول علي الطاهر لم يعد فقط: من يسيطر على التلال؟ بل: من يستطيع أن يحوّل السيطرة العسكرية إلى واقع سياسي دائم؟
د. رانيه غانم*
ليست تلال علي الطاهر اليوم مجرد مرتفع جغرافي في جنوب لبنان، ولا هي تفصيل عسكري عابر في حرب طويلة. إنها النقطة التي تكثّف فوقها الصراع كله: إسرائيل تريدها موطئ قدم عسكرياً في عمق الجنوب، و"حزب الله" يرفض أن تتحول إلى قاعدة إسرائيلية أو إلى عنوان جديد لفرض معادلة أمنية على لبنان، فيما تجد الدولة اللبنانية نفسها أمام سؤال بالغ الحساسية: كيف تستعيد أرضها وسيادتها في وقت تتنازع فوقها قوة احتلال من جهة، وقوة عسكرية لبنانية غير خاضعة بالكامل لقرار الدولة من جهة أخرى؟
منذ أسابيع تتعرض منطقة علي الطاهر لقصف إسرائيلي عنيف وتحركات ميدانية، في محاولة واضحة لتثبيت واقع عسكري جديد. وفي المقابل، يصر حزب الله على أن الموقع من النقاط الأساسية في منظومته الدفاعية، وأن أي محاولة إسرائيلية لفرض السيطرة عليه ستواجه بالمقاومة. وفي 18 آب 2026 أعلن النائب عن الحزب حسن عز الدين أن الحزب لن يتخلى عن تلة علي الطاهر، وأن أي هجوم عليها سيواجه بكل القدرات المتاحة. وهذا التصعيد يكشف أن المسألة تتجاوز السيطرة على مرتفع إلى صراع على شكل الجنوب في المرحلة المقبلة.
فلماذا كل هذه الضراوة حول علي الطاهر؟ لأن موقع التلال يمنح من يسيطر عليها قدرة مهمة على الرصد والإشراف على مساحة واسعة من محيط النبطية والجنوب، وترتبط جغرافياً بمنظومة المرتفعات الممتدة باتجاه إقليم التفاح والريحان وقلعة الشقيف. ولهذا تنظر إسرائيل إليها باعتبارها جزءاً من منظومة أمنية تريد تثبيتها داخل الجنوب، فيما ينظر إليها حزب الله باعتبارها موقعًا يمنع تحويل المنطقة إلى مساحة مكشوفة أمام الجيش الإسرائيلي.
لهذا، لم تكن معركة علي الطاهر في حزيران/ يونيو اشتباكاً عادياً. عندما أعلنت إسرائيل في 26 حزيران/ يونيو أنها فرضت «السيطرة الكاملة» على التلة، سارع حزب الله إلى نفي ذلك، مؤكدًا أن مقاتليه ما زالوا موجودين فيها. ومنذ ذلك الحين، أصبحت كلمة «السيطرة» نفسها جزءًا من المعركة: إسرائيل تتحدث عن سيطرة عسكرية، وحزب الله يتحدث عن استمرار المقاومة، وبين الروايتين تبقى الأرض اللبنانية موضع نزاع.
لكن الأخطر أن المعركة لم تتوقف عند إعلان السيطرة أو نفيها. فقد عادت علي الطاهر إلى قلب المشهد في آب/ اغسطس مع استمرار الضربات الإسرائيلية والتوتر الميداني. وفي 15 آب، أدّى التصعيد الإسرائيلي في الجنوب إلى سقوط قتلى وجرحى مدنيين، بينما قالت إسرائيل إن عملياتها جاءت رداً على هجمات نسبت إليها صلة بحزب الله. وهكذا دخلت المنطقة في دائرة خطيرة من الفعل ورد الفعل: إسرائيل تضرب لمنع إعادة بناء قدرات حزب الله، والحزب يعتبر الضربات استمرارًا للاحتلال والعدوان، ثم يأتي الرد الإسرائيلي ليؤكد أن قواعد الاشتباك الجديدة لم تستقر بعد.
وتزداد خطورة القضية عندما نربط علي الطاهر بالمفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية. فالمسألة لم تعد فقط وقف إطلاق النار، بل مستقبل الجنوب كله: إسرائيل تريد ضمانات أمنية ونزع سلاح حزب الله جنوبًا، ولبنان يريد الانسحاب الإسرائيلي واستعادة سيادته، بينما يرفض حزب الله التخلي عن سلاحه في ظل استمرار الاحتلال. وفي 13 آب، أعلنت إسرائيل بوضوح أن انسحابها من جنوب لبنان مرتبط بنزع سلاح حزب الله، ما يعني أن الوجود العسكري الإسرائيلي بدأ يتحول من مسألة أمنية موقتة إلى ورقة ضغط سياسية على لبنان.
وهنا تصبح علي الطاهر ورقة تفاوضية من العيار الثقيل. فالموقع الذي تستطيع إسرائيل تثبيت وجودها فيه يتحول إلى ورقة ضغط على لبنان؛ والموقع الذي يستطيع حزب الله الدفاع عنه يتحول إلى دليل على أن إسرائيل لم تتمكن من فرض سيطرتها الكاملة على الأرض. لذلك، فإن معركة التلة هي في جانب منها معركة على طاولة المفاوضات قبل أن تكون معركة على قمة جبل.
لكن ثمة سؤالاً لبنانياً لا يمكن القفز فوقه: ماذا تعني السيادة إذا بقيت إسرائيل داخل الأرض اللبنانية؟ وماذا تعني أيضاً إذا بقي القرار العسكري موزعاً بين الدولة وقوة مسلّحة خارج مؤسساتها؟ هنا تكمن العقدة الحقيقية. إسرائيل تقول إن وجودها ضروري لأمنها، وحزب الله يقول إن سلاحه ضروري لمواجهة إسرائيل، فيما يريد اللبنانيون دولة قادرة على حماية حدودها وأرضها دون احتلال ودون أن تبقى الحرب والسلم خارج قرارها.
ولهذا، فإن علي الطاهر أصبحت مرآة للبنان كله. فهي تكشف مأزق السيادة بأوضح صورة: إسرائيل لا تريد الانسحاب قبل ضمان أمنها ونزع سلاح حزب الله، وحزب الله لا يريد تسليم سلاحه فيما إسرائيل تحتل أرضًا لبنانية، والدولة اللبنانية تحاول أن تجد طريقًا بين طرفين يملكان أدوات ضغط عسكرية وسياسية تفوق قدرتها على فرض حل منفرد.
والأخطر أن إسرائيل لا تتعامل مع علي الطاهر كهدف عسكري فقط، بل كجزء من تصور أوسع لتثبيت وجود عسكري في الجنوب. وإذا تحول هذا الوجود الموقت إلى واقع دائم، فإن الخطر لا يعود محصورًا في التلة، بل يصبح متعلقًا بإعادة رسم الخريطة الأمنية للجنوب اللبناني.
أما الحديث عن الأنفاق والمنشآت العسكرية تحت الأرض، فقد أضاف طبقة أخرى من التعقيد. إسرائيل تقول إن "حزب الله" يمتلك بنى تحت الأرض في المنطقة، وإنها تعمل على تدميرها ومنع إعادة استخدامها، فيما تؤكد روايات أخرى أن طبيعة هذه المنشآت تجعل السيطرة على سطح التلة وحدها غير كافية. وفي كل الأحوال، تبقى التفاصيل الدقيقة لهذه المنشآت وأعداد الموجودين فيها موضوع تضارب بين الروايتين الإسرائيلية واللبنانية، ولا يمكن التعامل معها كلها كوقائع مثبتة بصورة مستقلة.
وسط هذا الصراع، يجب ألا ننسى الحقيقة الأكثر قسوة: هذه ليست لعبة خرائط. خلف كل مرتفع قرية، وخلف كل غارة عائلة، وخلف كل معادلة استراتيجية إنسان يدفع الثمن. الجنوب لا يحتاج إلى حرب جديدة، بل إلى عودة أهله إلى أرضهم، ووقف الاعتداءات، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وقيام الدولة اللبنانية بمسؤوليتها الكاملة عن الأمن والسيادة.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي حول علي الطاهر لم يعد فقط: من يسيطر على التلال؟ بل: من يستطيع أن يحوّل السيطرة العسكرية إلى واقع سياسي دائم؟
قد تتغير خطوط السيطرة، وقد ترتفع أعلام وتسقط أخرى، لكن لبنان لن يكون منتصرًا إذا بقي الجنوب ساحة مفتوحة للحسابات الإسرائيلية والإقليمية والدولية. الانتصار الحقيقي هو أن تنسحب إسرائيل من الأرض اللبنانية، وأن تتوقف الاعتداءات، وأن يعود الأهالي إلى قراهم، وأن تتولى الدولة اللبنانية مسؤولية الأمن والدفاع، وأن لا يبقى أي شبر من الجنوب رهينة قرار عسكري إسرائيلي أو قرار عسكري خارج مؤسسات الدولة.
علي الطاهر ليست سلسلة تلال في الحرب فقط؛ إنها اختبار لمستقبل الجنوب كله. إسرائيل تريدها جزءاً من منظومة أمنية تفرضها بالنار، و"حزب الله" يريدها موقعاً للمقاومة في وجه إسرائيل، أما لبنان فيجب أن يريدها شيئاً ثالثاً: أرضاً لبنانية تحت سيادة الدولة اللبنانية وحدها.
لأن الجنوب ليس ورقة، وليس ساحة اختبار، وليس جائزة حرب.
الجنوب هو لبنان. وعلي الطاهر، مهما اشتد القصف ومهما تبدلت رايات السيطرة، ستبقى شاهدة على السؤال الأكبر: متى تصبح السيادة اللبنانية أقوى من الاحتلال، وأقوى من السلاح، وأقوى من كل الحسابات التي جعلت من أرض الجنوب ساحة مفتوحة منذ عقود؟
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية
نبض