هل يستطيع "العدالة والتنمية" التركي اللحاق بشعبية أردوغان؟
سمير صالحة *
يدخل حزب "العدالة والتنمية" التركي عامه السادس والعشرين مع سؤال يتجاوز حسابات الربح والخسارة في أي انتخابات مقبلة: هل يستطيع الحزب أن يحوّل القوة السياسية والشعبية التي راكمها رجب طيب أردوغان خلال ربع قرن إلى قوة حزبية قادرة على حمل المشروع إلى نصف قرن جديد؟
فالمفارقة التي تستحق القراءة اليوم ليست في قوة أردوغان، بل في اتساع المسافة بين شعبية الزعيم وشعبية الحزب الذي حمل مشروعه طوال ربع قرن.
والأرقام تكشف جانباً من هذه المفارقة. ففي انتخابات 2011 حصل "العدالة والتنمية" على 49.83% من الأصوات. وفي الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية عام 2023، حصل أردوغان على 52.18%، بينما حصل الحزب نفسه في الانتخابات البرلمانية في العام ذاته على 35.62% من الأصوات.
لا تعني هذه الأرقام أن المقارنة مباشرة؛ فقد تغيرت طبيعة التصويت بعد الانتقال إلى النظام الرئاسي، كما أصبحت التحالفات الانتخابية أكثر تأثيراً. لكنها تكشف فارقاً في الرصيد الانتخابي بين أردوغان وحزبه يستحق القراءة.
فأردوغان لم يعد منذ سنوات مجرد قائد لـ"العدالة والتنمية"، بل تحول إلى عنوان سياسي قائم بذاته. وهذا ما يفسر قدرة الناخب على رؤية أردوغان خياراً رئاسياً مفضلاً، من دون أن يمنح الحزب القوة نفسها عندما يتعلق الأمر بالبرلمان. فالسؤال بالنسبة إلى الحزب لم يعد فقط كيف يحافظ على شعبيته، بل هل يستطيع أن يحمل رصيد أردوغان إلى المستقبل؟
لكن الحزب يدخل عامه الجديد في لحظة سياسية مختلفة عن تلك التي صنع فيها صعوده. فالمشهد التركي يتغير، والمنافسة السياسية تدخل مرحلة جديدة، فيما لم يعد السؤال فقط عن قدرة "العدالة والتنمية" على الفوز، بل عن قدرته على تجديد نفسه داخل بيئة سياسية تتبدل بسرعة.
الحاجة إلى التجديد
كل إنجاز يتحول مع الزمن إلى "أمر طبيعي" في عين الناخب، وما كان إنجازاً استثنائياً قبل عقدين يصبح اليوم نقطة انطلاق لا نقطة وصول. ولذلك فإن الحزب يحتاج إلى تجديد مؤسساته وقياداته ومشاريعه وخطابه، إذا أراد أن يقنع الناخب بمواصلة منحه ثقته.
والحديث عن "نصف قرن" جديد لا يعني تمديد العمر السياسي للحزب فقط، بل اختبار قدرته على التجدد. فـ"العدالة والتنمية" لم يصل إلى عامه السادس والعشرين لأنه بقي كما كان، بل لأنه عرف كيف ينتقل من مرحلة إلى أخرى. لكن الاختبار الأصعب يبدأ الآن: أن يتحول من حزب صنع التحولات إلى حزب قادر على إنتاج تحولات جديدة تقنع الناخب بمواصلة دعمه.
الخبرة كقاعدة للمستقبل
والتجديد هنا لا يعني إعادة تعريف الحزب بعيداً عن هويته التي صنعت تجربته. المطلوب هو أن يثبت "العدالة والتنمية" أن الإرث السياسي يمكن أن يتحول إلى مشروع جديد، وأن الخبرة المتراكمة خلال ربع قرن يمكن أن تصبح قاعدة للمرحلة المقبلة لا سقفاً لها. وبين الحفاظ على الإرث وإنتاج المستقبل تتحدد قدرة الحزب على تحويل الرصيد الشعبي والسياسي لأردوغان إلى رصيد حزبي ممتد.
وقف أردوغان طويلاً في طليعة المدافعين عن حزبه، رغم محاولات التمرد والانشقاق الداخلي. بل حمل مشروعه معه في أصعب مراحله، ونجح في تجاوز محاولات التفتيت والإقصاء والإغلاق. فهل حان الوقت لكي يقف "العدالة والتنمية"خلف زعيمه، ليس فقط لحماية إرثه، بل لتحويل حضوره وشعبيته إلى رصيد سياسي قادر على مواصلة المشروع لسنوات مقبل؟
المتوقع الآن ليس أن يلحق "العدالة والتنمية" بشعبية أردوغان، بل أن يحوّل هذه الشعبية إلى رصيد حزبي يستطيع أن يحمل المشروع إلى المستقبل.
* باحث وأستاذ جامعي - تركيا
نبض