لبنان بين المطرقة والسدَّان

آراء 19-08-2026 | 04:01

لبنان بين المطرقة والسدَّان

لبنان عالق بين فكي كماشة متوحشين مهووسين بمثولوجيات عقائدية غير صحيحة من الجهة الإسرائيلية، وبين فريق ممانع ليس لديه أي عاطفة على لبنان، ومغامراته متهورة لن تؤدي إلا إلى مزيد من الخراب والدمار والفوضى.

لبنان بين المطرقة والسدَّان
موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت حياً في قرية دير الزهراني بجنوب لبنان في 15 أغسطس 2026. (أ ف ب)
Smaller Bigger

بين مطرقة العدوان الوحشي الإسرائيلي، وسدَّان الهجمة الإيرانية المرتدة، يتلقَّى لبنان الضربة تلوى الضربة، وهو يعيشُ ظروفاً صعبة، ويكاد يختنق من جراء الانطباق السياسي والاقتصادي والأمني المُستمرّ منذ أكثر من عامين.

 

والجنوبيون أكثر من دفع ثمن هذا التوتر من دماء أبنائهم ومن ممتلكاتهم وجنى أعمارهم، وأنينهم يٌسمع بقوة في دساكر النزوح، وعلى الطرقات وفي أماكن العمل التي يكاد يطالها الشلَّل.

 

والدولة حائرةٌ منكوبة، فهي من جهة تتحمَّل أوزار الخراب والدمار والشلَّل، ومن جهة ثانية لا تريد زيادة منسوب القسوة أو التوتر مع شريحة من أبنائها، ولو كانوا على ضلال.

 

انطلاق حروب الإسناد والانتقام يكاد يكون "شحمة على فطيرة" للعدو الإسرائيلي (كما يقول المثل العامي)، وهو مارس بحجتها أبشع أنواع القتل والتدمير، وأقدم على احتلال شريط لبناني واسع يضمّ عدداً كبيراً من البلدات الجنوبية، وجعلها أرضاً محروقة غير قابلة للعيش.

في المقابل، فإن استراتيجية المجموعات المقاومة لم تلتزم بأجندة وطنية، او بتنسيق مع الدولة، وكانت تتفرَّد بقراراتها الدفاعية بما يتماشى مع ارتباطاتها الخارجية، وهي دفعت الثمن الأغلى في الحرب العبثية، وسقط في صفوفها عدد كبير من الشهداء والجرحى.

 

اختارت الدولة اللبنانية طريق المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، بعد أن تلقت ضمانات من الجهات الراغبة في الحوار، ولا سيما الولايات المتحدة الأميركية؛ وهذه الدولة المُنهكة لا تملك في الوقت الحاضر وسائل أخرى لمقارعة العدوان وإجبار إسرائيل على الانسحاب، لكنها ليست ضعيفة ومُربكة وفق ما يعتقد حكام تل أبيب؛ فالشعب اللبناني بأغلبيته يقف وراءها، وإذا ما تمادى العدوان، فيمكن لهذا الشعب أن يلعب أوراقاً وازنة، كما حصل في الماضي، وقد اندحرت إسرائيل مهزومة، بعد أو وصل احتلالها إلى بيروت عام 1982.

 

يبدو الوضع اللبناني اليوم غاية في الانشداد؛ فالحكومة لم تلق الدعم الأميركي مثلما كان منتظراً، رغم أن الوفد الأميركي الأخير إلى بيروت برئاسة الجنرال جوزيف كليرفيلد أعطى وعوداً للرؤساء الثلاثة ولقائد الجيش بأن بلاده ستبذل الجهود الكافية لتطبيق مندرجات اتفاق 26 حزيران/يونيو، خصوصاً تنفيذ عملية الانسحاب الإسرائيلي من الشريط الأصفر المحتل إلى خارج الحدود، ووفق المراحل المُتفق عليها، بالتزامن مع إنهاء المظاهر المسلحة غير الشرعية في الجنوب.

 

ولا يمكن تجاهل كون هذا الالتزام الذي وافقت عليه الحكومة اللبنانية كان خطأً فادحاً، لأنه ربط عملية انسحاب الاحتلال بتنفيذ استحقاق داخلي، يفترض أن تنفذه الدولة اللبنانية استناداً إلى لوائحها التشريعية (الدستورية والقانونية)، ولا سيما ما ورد في اتفاق الطائف للعام 1989، وما جاء في قرار مجلس الأمن ذي الرقم 1701 للعام 2006، وكلّها تنص على حلَّ الميليشيات وحصر امتلاك السلاح بالجيش اللبناني والقوى الأمنية النظامية الأخرى.

 

يتزايد الاختناق السياسي في لبنان من جراء عدم إعلان "حزب الله" قبوله تسليم السلاح وتصعيده للخطاب الموجه ضد الحكومة اللبنانية لأنها اختارت التفاوض مباشرةً مع العدو.

ومن جهة ثانية، فإن قوى الحكومة اليمينية الإسرائيلية المتطرفة تتحضَّر لخوض انتخابات تشريعية في تشرين الأول/أكتوبر المقبل، والواضح أنها تستخدم ورقة العدوان على لبنان لتحشيد المؤيدين، من خلال البحث عن انتصارات وهمية، بحجة الدفاع عن أمن الإسرائيليين. وتكاد "تلَّة علي الطاهر" قرب النبطية تتحوَّل إلى أسطورة عسكرية، واستكمال السيطرة عليها يمكن أن يستخدم كانتصار مهول، بينما الوقائع على الأرض لا توحي بهذه الصورة، رغم أهمية الأنفاق التي أنشأها "حزب الله" تحت هذه التلَّة وفي محيطها، والحزب لم يُحرِّك ساكناً منذ ما يقارب الشهرين، وظروف صموده في وجه العدوان تكاد تكون مستحيلة، والجيش اللبناني قادر على تفكيك هذه المنشأة وغيرها إذا انسحبت إسرائيل.

 

لبنان عالق بين فكّي كماشة متوحشين مهووسين بميثولوجيات عقائدية غير صحيحة من الجهة الإسرائيلية، وبين فريق ممانع ليس لديه أي عاطفة على لبنان، ومغامراته متهورة لن تؤدي إلا إلى مزيد من الخراب والدمار والفوضى.
على أمل أن تنجح زيارة رئيس الجمهورية جوزف عون إلى روما في الحصول على موافقة للتمديد لقوات اليونيفيل لمدة سنة، أو تأليف قوة عسكرية من دول صديقة، تكفل فرض الانسحاب على إسرائيل وبسط سيادة الدولة وحدها على أرض الجنوب وفي كل لبنان.

 

-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

فن ومشاهير 8/14/2026 11:44:00 AM
تزين المكان بديكورات مترفة، وطاولات مضاءة عكست بريق الأمسية، وتنسيقات ورود بيضاء مذهلة أضفت طابعاً رومانسياً وحالماً على الأجواء.
فن ومشاهير 8/16/2026 12:49:00 PM
وقد اختارت وهبي لهذه الحفلة إطلالة جذابة للغاية بفستان أسود قصير مصنوع من الترتر الناعم اللامع مع جزمة بتصميم مماثل.