محمد علي جناح: الواقعية الأخلاقية في زمن الحرب

آراء 17-08-2026 | 05:45

محمد علي جناح: الواقعية الأخلاقية في زمن الحرب

تؤكد تجربة جناح أن حلّ الصراعات المعاصرة لا يتحقق بالحسم العسكري أو بالاستقواء اللحظي، بل عبر الاستثمار الراسخ في الهندسة الدستورية وبناء المؤسسات المحايدة التي تتجاوز العرق والدين.
محمد علي جناح: الواقعية الأخلاقية في زمن الحرب
محمد علي جناح
Smaller Bigger

إيمان درنيقة الكمالي*

تكتسي الذكرى المئة والخمسون لولادة الزعيم التاريخي ومؤسس باكستان "قائد أعظم" محمد علي جناح، أهمية استثنائية تتجاوز البعد الرمزي لتصبح حاجة فكرية وسياسية ملحّة. ففي ظلّ المشهد الدولي المعاصر المفخخ بالحروب الممتدة، وانحسار الديبلوماسية الوقائية، وتفاقم الانقسامات المجتمعية، تفرض العودة إلى مبادئ جناح نفسها ضرورة لإعادة بناء النظام السياسي على قواعد متينة. وتبرز المعيارية الأخلاقية في فكره نموذجاً قابلاً للتطبيق الواقعي؛ إذ لم يطرح مثالية معزولة، بل صاغ واقعية أخلاقية توازن بين قوة القانون والقانون المدعوم بالقوة.

 

تضطلع باكستان اليوم بدورٍ ريادي محوري في المشهدين الإقليمي والدولي؛ إذ تتصدر مبادرات السلام وتوقيع الاتفاقيات الاستراتيجية، وتسعى لترسيخ مكانتها كمركز للوساطة والتوازن وتهدئة النزاعات. هذا الدور ليس وليد المصادفة، بل ينبثق مباشرة من الفلسفة السياسية للزعيم التأسيسي محمد علي جناح. فالممارسة الديبلوماسية لباكستان اليوم تجد بوصلتها في إرث جناح، لا سيما في تغليب الديبلوماسية الوقائية، وتدعيم الأمن الإقليمي القائم على حسن الجوار، وتجنب السياسات الانحيازية الحادة. إن الامتثال لرؤية جناح يُمثل شرطاً شارحاً لمكانة باكستان الاستراتيجية؛ إذ تترجم الدولة عقيدته التاريخية "السلام في الداخل، والسلام في الخارج" عبر جمع الفرقاء إلى طاولة المفاوضات، وتعزيز الحوكمة وحياد المؤسسات الوطنية، لتثبت أن السلام الإقليمي يبدأ من استقرار الدولة الداخلي واحترامها للقواعد الدولية.

 

وبينما تتسابق دول عدة اليوم نحو التسلح المفرط وتعتبر البطش القوة المعيارية الأساسية لفرض الهيمنة وتغذية الصراعات، تجسّد باكستان نموذجاً مغايراً مستوحى من فكر قائدها التأسيسي. فمع كونها قوة إقليمية وعسكرية لا يُستهان بها، فإنها لا تضع قوتها في خدمة العدوان أو التوسّع، بل تجعل منها درعاً رادعة لحماية السيادة الوطنية وإرغام الخصوم على الاحتكام لطاولة القانون. إن الاستفادة من مبادئ جناح تتجلى اليوم في تحويل "القوة" من أداة للسيطرة والحروب العبثية إلى وسيلة حماية تُدعم الديبلوماسية وتصون السلام وتفرض الاحترام المتبادل.

 

السلام ليس بالحسم العسكري

 

في المحصّلة، تؤكد تجربة جناح أن حلّ الصراعات المعاصرة لا يتحقق بالحسم العسكري أو بالاستقواء اللحظي، بل عبر الاستثمار الراسخ في الهندسة الدستورية وبناء المؤسسات المحايدة التي تتجاوز العرق والدين. إن "قائد أعظم" لم يترك مجرد دولة، بل أورث العالم نموذجاً حيّاً يُثبت أن السلام الحقيقي والمستدام هو الذي يُغرس في وجدان الشعوب وتضمنه دولة القانون والعدالة، وأن السلاح الحقيقي في وجه التفتت والخراب يكمن في حكمة القادة ورصانة الدساتير، وليس في المدفع أو البارود.

 

 

* أستاذة جامعيّة - باحثة سياسيّة - رئيسة مركز إيليت للثقافة والتعليم

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

فن ومشاهير 8/14/2026 7:52:00 PM
فرحة جديدة في العائلة الملكية الأردنية... الأميرة إيمان وزوجها جميل ألكساندر ترميوتس يرزقان بتوأمين
العالم العربي 8/15/2026 6:55:00 AM
ماذا طلبت سفارة سوريا من مواطنيها المقيمين في مصر بشأن الإقامات والمخالفات والغرامات؟
دوليات 8/16/2026 1:23:00 PM
للمرة الأولى، تنطلق سفينة حاويات صينية إلى أوروبا عبر القطب الشمالي، في مسار يختصر الرحلة إلى النصف ويتجنب قناة السويس واضطرابات الشرق الأوسط.
فن ومشاهير 8/14/2026 11:44:00 AM
تزين المكان بديكورات مترفة، وطاولات مضاءة عكست بريق الأمسية، وتنسيقات ورود بيضاء مذهلة أضفت طابعاً رومانسياً وحالماً على الأجواء.