بين المادة 17 من الدستور قبل التعديل والمادة 64: كل يريد الطائف على هواه

آراء 14-08-2026 | 04:13

بين المادة 17 من الدستور قبل التعديل والمادة 64: كل يريد الطائف على هواه

القضية الآن ليست بتطبيق الدستور بحرفيته، أو بناء دولة المؤسسات، التي طالما انتهكتها كل القوى السياسية على مدار عقود، بل إنها الصورة الأوضح لطيْ صفحة سياسية سابقة، بكل ما حملته من موازين لقوى داخلية محلية وإقليمية إلى صفحة جديدة...

بين المادة 17 من الدستور قبل التعديل والمادة 64: كل يريد الطائف على هواه
الرؤساء الثلاثة (أرشيف)
Smaller Bigger

د. رائد المصري*

 


تُجمع النصوص الدستورية المعدَّلة باتفاق الطائف في لبنان على أن عملية تمثيل الحكومة أمام البرلمان هي صلاحية حصرية لرئيسها، وما قام به وزير الدفاع ميشال منسَّى يمكن أن يُعدَّ سقطةً سياسيةً وتجاوزاً يمسُّ قواعد التضامن الوزاري والنظام الداخلي للعمل الحكومي؛ فكلُّ ما جرى لم يكن غير تعبير عن تغييرٍ في موازين القوى، انسجاماً مع متغيراتٍ كبرى على مستوى المنطقة تنعكس في لبنان.


المادة 64 من دستور الطائف تحسم الإشكالية بشكلٍ مباشرٍ بتوضيحها أن رئيس مجلس الوزراء هو ممثل الحكومة ويتكلم باسمها، والمسؤول عن تنفيذ السياسة العامة التي يضعها مجلس الوزراء؛ وهذا فيه تكريسٌ لمبدأ التضامن الوزاري الموحَّد، بعد أن أعاد اتفاق الطائف توزيع السلطة التنفيذية لتصبح مناطةً بمجلس الوزراء، الذي يتولَّى وضع السياسات العامة للدولة كسلطةٍ تنفيذيةٍ جماعيةٍ.


قبل تعديلات الطائف عام 1990، كانت السلطة التنفيذية كلُّها تدور في فلك رئيس الجمهورية؛ فمن خلال المادة 17، يتولَّى رئيس الجمهورية السلطة الإجرائية، مع تعيين الوزراء وتسميتهم وإقالتهم، وكان الوزير يعمل ضمن بنيةٍ أو تركيبةٍ تنفيذيةٍ يغلب عليها الطابع الرئاسي؛ وهذا ما لم تستسغه بعدُ بعض القوى والتكتلات السياسية والحزبية حتى اليوم.


فالقضية الآن ليست بتطبيق الدستور بحرفيته أو بناء دولة المؤسسات التي طالما انتهكتها كل القوى السياسية على مدار عقودٍ، بل إنها الصورة الأوضح لطيّ صفحةٍ سياسيةٍ سابقةٍ بكل ما حملته من موازين لقوى داخليةٍ محليةٍ وإقليميةٍ والانتقال إلى صفحةٍ جديدةٍ، بدليل أن الرئيس نواف سلام نجح في إقرار العفو العام في وقتٍ يُحكم فيه على بشار الأسد بالإعدام؛ وهذا العفو كأنه طُبع لمن عارض نظام الأسد أو حتى خاض القتال ضده.


يبدو أننا حتماً أمام تمزيقٍ لصفحةٍ سياسيةٍ تالفةٍ بكلّ ما حملته من موازينها، بمعنى أن إقرار العفو العام وكلّ ما جرى من مزايداتٍ ومسرحياتٍ نيابيةٍ، كتعطيل نصاب الجلسات أو الانسحابات منها، هو تعبيرٌ عن تغييرٍ في موازين القوى المنسجمة مع متغيراتٍ وتحولاتٍ كبرى على مستوى المنطقة، منها ما انعكس حتماً في لبنان. والعفو العام الحالي هو أفضل وأبلغ تعبيرٍ وأكبر إشارةٍ على تغيير موازين هذه القوى على المسرحين الدولي والإقليمي، فيستفيد منه من كان معارضاً لـ"حزب الله"، وممن أُنزلت بحقهم أشد العقوبات من سلطةٍ كان يشرف عليها الحزب والنظام السوري من بعيدٍ، إضافةً إلى استفادة عوائل اللبنانيين الموجودين في إسرائيل من المتعاملين مع جيش الاحتلال الإسرائيلي، وفي ذلك أيضاً مؤشرٌ إلى المتغيرات التي تشهدها المنطقة ولبنان.


إن موقف رئيس الحكومة نواف سلام بحلَّته وكما هو ضرورةٌ لازمةٌ لإدارة الدولة اليوم دون الخضوع للاجتهادات الفردية أو التأويلات، رغم الاحترام الكبير للوزير ميشال منسَّى؛ فالدستور اللبناني حسم قطعاً بوجود رأسٍ واحدٍ ممثلٍ للسلطة التنفيذية أمام السلطة التشريعية والسياسات العامة الوطنية، لأن أي انفلاتٍ وتفلّتٍ أو سقطاتٍ سيحمِّل رئيس الحكومة المسؤولية بالاستقالة الفورية أو بالإسقاط عبر الشارع المحتقن.

 

كاتب سياسي وأستاذ محاضر في الفكر السياسي والعلاقات الدولية

-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

دوليات 8/11/2026 10:21:00 PM
حذّر فرانك هوغربيتس من زلزال قوي محتمل في منطقة فرانتشا برومانيا بقوة قد تتراوح بين 7 و7.9 درجات
لبنان 8/13/2026 10:26:00 AM
"أعتذرُ يا أهالي الشهداء، يا من قدّمتم للوطن فلذاتِ الأكباد"