من مكة إلى واشنطن: هل تولد منظومة أمن إقليمية جديدة؟

آراء 10-08-2026 | 13:19

من مكة إلى واشنطن: هل تولد منظومة أمن إقليمية جديدة؟

التحول المقبل لا يعني بالضرورة خروج الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، بل قد يعني انتقالها من موقع الضامن الأمني شبه الاحتكاري إلى موقع القطب الاهم في النظام الإقليمي الجديد.
من مكة إلى واشنطن: هل تولد منظومة أمن إقليمية جديدة؟
بن سلمان وإردوغان وشريف.
Smaller Bigger

لم يكن توقيع اتفاق الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان في مكة في 7 آب/أغسطس 2026 مجرد حدث عسكري آخر يضاف إلى سلسلة الاتفاقات التي عرفتها المنطقة، بل قد يكون مؤشراً على تحوّلٍ أعمق في طريقة تفكير دول الشرق الأوسط في أمنها ومستقبلها الاستراتيجي. فبعد عقود كان فيها أمن المنطقة يعتمد إلى حدّ كبير على المظلة الأميركية، تبدو قوى إقليمية رئيسية كأنها بدأت تبحث عن صيغة جديدة يكون فيها الأمن الإقليمي مسؤولية الدول نفسها، لا مسؤولية قوة خارجية واحدة.

قوة إقليمية مستقلة 

 

المسألة هنا لا تتعلق بانسحاب الولايات المتحدة من المنطقة، ولا بقطيعة مع واشنطن، فتركيا عضو في حلف الناتو، والسعودية وباكستان ترتبطان بعلاقات استراتيجية طويلة مع الولايات المتحدة، وإنما تتعلق بتغيير طبيعة الاعتماد على القوة الأميركية. فقد أظهرت الحرب مع ايران والتوترات الأخيرة، والهجمات التي طاولت منشآت ودولاً خليجية، أن الولايات المتحدة تستطيع أن تتدخل عندما تقرر ذلك، لكنها ليست بالضرورة مستعدة دائماً لتوفير مظلة أمنية تمنع التهديد قبل وقوعه. ومن هنا برزت الحاجة إلى بناء قدرة إقليمية مستقلة على الردع، بحيث لا تبقى دول المنطقة أمام خيارين فقط: الاعتماد على واشنطن أو مواجهة خصومها منفردة.

 

وتبدو صيغة السعودية–تركيا–باكستان لافتة تحديداً بسبب التكامل في عناصر القوة التي تجمعها؛ فالسعودية تمتلك الثقل المالي والطاقة والموقع الاستراتيجي في الخليج والبحر الأحمر، وتركيا تمتلك جيشاً كبيراً وصناعة دفاعية متقدمة وموقعاً جغرافياً يصل الشرق الأوسط بأوروبا والبحر الأسود، بينما تضيف باكستان خبرة عسكرية واسعة وقوة نووية. وقد اكتسب الاتفاق أهمية أكبر بعد توضيحات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن بند الدفاع المشترك يشبه من الناحية التقنية المادة الخامسة في حلف الناتو، بحيث يُعامل الاعتداء على إحدى الدول الثلاث باعتباره اعتداءً عليها جميعاً، مع بقاء طبيعة الرد خاضعةً للتشاور بين الأطراف.

وهنا تبرز المسألة الأكثر حساسية: هل يمكن أن يشكل وجود باكستان، بما تمتلكه من قدرات نووية، بعداً ردعياً إضافياً لهذا التكتل؟ من المبكر جداً القفز إلى استنتاج وجود "مظلة نووية باكستانية"، إذ لا ينص الاتفاق المعلن على ذلك، لكن مجرد وجود قوة نووية داخل منظومة دفاع مشتركة يضيف، من الناحية الاستراتيجية، عاملاً جديداً إلى حسابات الخصوم، ويجعل الاتفاق مختلفاً عن معظم ترتيبات التعاون العسكري التقليدية في المنطقة.

بناء شبكة أمنية واسعة 

 

والأهم أن التطور قد لا يتوقف عند الدول الثلاث. فقد بدأت تحليلات أميركية وغربية تنظر إلى الاتفاق باعتباره جزءاً من إعادة تشكيل أوسع للتوازنات الإقليمية، مع بروز السعودية كأحد مراكز الثقل الجديدة، وانفتاح الإطار على دول مثل مصر وقطر. وإذا تطور هذا المسار، فإننا لن نكون أمام تحالف عسكري محدود، بل أمام محاولة لبناء شبكة أمنية وسياسية أوسع تمتد من الخليج إلى الأناضول وجنوب آسيا وشمال أفريقيا.

 

لكن من الخطأ أيضاً اختزال هذا التكتل بكونه "حلفاً ضد إيران". فأنقرة أكدت أن الاتفاق ليس موجهاً ضد إيران أو ضد دولة بعينها، وهو موقف يحمل منطقاً استراتيجياً واضحاً؛ فالسعودية وتركيا لا تريدان استبدال الاعتماد على واشنطن بالدخول في مواجهة دائمة مع طهران، وإنما تريدان امتلاك القدرة التي تسمح لهما بالتفاوض معها من موقع أقوى. وهنا قد تكون المعادلة الجديدة هي: ردع إيران مع إبقاء باب الحوار مفتوحاً، بدلاً من الاختيار بين الحرب معها أو الاعتماد الكامل على الحماية الأميركية.

 

أما إسرائيل، فإن التحول المحتمل يطرح أمامها معادلة مختلفة. فإذا توسع التكتل ليضم مصر، أو اتخذ شكلاً إقليمياً أوسع، فإن القوى الكبرى في العالم الإسلامي ستصبح أكثر قدرة على التأثير في قواعد الأمن الإقليمي، الأمر الذي قد يحدّ من إمكان قيام نظام شرق أوسطي يتمحور بصورة أساسية حول إسرائيل، بدعم أميركي. وهذا لا يعني بالضرورة نشوء محور عسكري معادٍ لإسرائيل، بل يعني أن إسرائيل لن تكون بالضرورة المركز الأمني والتكنولوجي والعسكري الوحيد الذي تُبنى حوله هندسة المنطقة.

 

ومع ذلك، فإن وصف هذا التكتل بأنه "ناتو إسلامي" لا يزال سابقاً لأوانه؛ فهناك اختلافات عميقة بين الدول الثلاث في ملفات إيران وإسرائيل وسوريا والعلاقة مع الولايات المتحدة والصين، كما أن الاتفاقات الدفاعية لا تتحول تلقائياً إلى تحالفات استراتيجية فاعلة ما لم تُترجم إلى قيادة مشتركة، وتبادل استخباري وتكامل عسكري، وصناعات دفاعية ومناورات وقدرة فعلية على اتخاذ قرار مشترك في لحظة الأزمة.

تغيير قواعد اللعبة في المنطقة 

 

لذلك، فإن القيمة الحقيقية لاتفاق مكة قد لا تكون في تفاصيله العسكرية وحدها، بل في الاتجاه الذي يكشفه. فالشرق الأوسط يبدو كأنه ينتقل تدريجاً من نظام أمني تقوده قوة خارجية واحدة إلى نظام أكثر تعددية تشارك في صوغه القوى الإقليمية نفسها. وإذا استمر هذا المسار واتسع ليشمل دولاً أخرى، فقد نكون أمام أحد أهم التحولات الجيوسياسية في المنطقة منذ عقود.

 

وهنا تكمن المفارقة الأهم: التحول المقبل لا يعني بالضرورة خروج الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، بل قد يعني انتقالها من موقع الضامن الأمني شبه الاحتكاري إلى موقع القطب الاهم في النظام الإقليمي الجديد. وهذا الفارق، وإن بدا في ظاهره محدوداً، يحمل في جوهره تغييراً عميقاً في قواعد اللعبة: فالمنطقة لا تستعد بالضرورة للاستغناء عن أميركا، وإنما تستعد لأن تصبح أقل اعتماداً عليها.

 

السعوية وتركيا وباكستان.
السعوية وتركيا وباكستان.

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 8/3/2026 6:35:00 PM
علقت العائلة يافطات في العاصمة عمان تعلن فيها براءتها منه والمطالبة بإعدامه.
شمال إفريقيا 8/7/2026 5:58:00 PM
من علاج السرطان ببيكربونات الصوديوم إلى مناهضة اللقاحات... من هي باربرا أونيل التي حظرت مصر ظهورها ومنعت تداول محتواها الصحي؟
شمال إفريقيا 8/10/2026 7:38:00 AM
جريمة قتل مزودجة بين سيارة وشقة سكنية تودي بحياة أسرة من 4 أفراد في مصر!
ايران 8/9/2026 7:53:00 AM
نشرت وكالة "مهر" فيديو غير مؤرخ لمجتبى خامنئي يظهر فيه بصحة جيدة، بعد تقارير إسرائيلية تحدثت عن وجوده في "حالة حرجة للغاية" ونقله إلى المستشفى.