أمن البحر الأحمر: ركيزة الاستقرار الإقليمي وشريان الاقتصاد العالمي

آراء 06-08-2026 | 04:06

أمن البحر الأحمر: ركيزة الاستقرار الإقليمي وشريان الاقتصاد العالمي

التطورات المتسارعة في المنطقة كشفت حقيقة استراتيجية أكثر عمقاً، وهي أن أمن البحر الأحمر يبدأ من البرّ قبل البحر. فحماية السفن داخل الممرات البحرية لم تعد كافية إذا بقيت السواحل والموانئ والجزر المطلة عليها عرضة للاضطرابات...

أمن البحر الأحمر: ركيزة الاستقرار الإقليمي وشريان الاقتصاد العالمي
أصبح البحر الأحمر أحد أهم المراكز الجيوسياسية في العالم (أ ف ب)
Smaller Bigger

السفير عبد الله عبد الكريم حسن الدعيس*

 

 

لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر مائي يربط بين المحيط الهندي والبحر المتوسط، بل أصبح أحد أهم المراكز الجيوسياسية في العالم، حيث تتقاطع عنده المصالح الاقتصادية والأمنية للقوى الإقليمية والدولية. فمن خلال مضيق باب المندب وقناة السويس تعبر نسبة كبيرة من التجارة العالمية وإمدادات الطاقة، الأمر الذي يجعل استقرار هذا الممر البحري شرطاً أساسياً لاستقرار الاقتصاد الدولي. ولهذا لم يعد أمن البحر الأحمر قضية تخص الدول المطلة عليه وحدها، بل تحول إلى مصلحة استراتيجية مشتركة للمجتمع الدولي بأسره.

وتجمع معظم الدراسات الصادرة عن مراكز الفكر الاستراتيجية العالمية على أن أهمية البحر الأحمر لا تكمن فقط في كونه ممراً للتجارة، بل في موقعه الذي يربط آسيا وأفريقيا وأوروبا ضمن منظومة اقتصادية وأمنية واحدة. ولذلك فإن أي اضطراب فيه ينعكس مباشرة على حركة التجارة وأسعار الطاقة وكلفة النقل والتأمين وسلاسل الإمداد العالمية، كما أثبتت الأزمات الأخيرة التي دفعت العديد من شركات الملاحة إلى تغيير مساراتها، بما ترتب على ذلك من ارتفاع كبير في زمن الرحلات وكلفتها.

غير أن التطورات المتسارعة في المنطقة كشفت حقيقة استراتيجية أكثر عمقاً، وهي أن أمن البحر الأحمر يبدأ من البر قبل البحر. فحماية السفن داخل الممرات البحرية لم تعد كافية إذا بقيت السواحل والموانئ والجزر المطلة عليها عرضة للاضطرابات أو خاضعة لقوى مسلحة قادرة على تهديد الملاحة. ومن هنا برز الساحل الغربي لليمن باعتباره الحلقة الأكثر حسماً في معادلة الأمن البحري، إذ يشكل الامتداد الجغرافي المسيطر على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، ويؤثر بصورة مباشرة في أمن مضيق باب المندب وحرية الملاحة الدولية.

وفرضت التكنولوجيا العسكرية الحديثة واقعاً جديداً، بعدما أصبحت الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة والزوارق غير المأهولة والألغام البحرية تمنح الفاعلين من غير الدول قدرة على تعطيل أحد أهم الممرات البحرية في العالم بكلفة محدودة مقارنة بحجم الأضرار الاقتصادية التي يمكن أن تلحقها. وهذا التحوّل غيّر مفاهيم الردع التقليدي، فلم تعد السيطرة البحرية وحدها كافية، بل باتت تتطلب معالجة مصادر التهديد على اليابسة، وتعزيز قدرة الدول على بسط سيادتها الكاملة على سواحلها وموانئها.

وفي قلب هذه المعادلة يحتل اليمن موقعاً استثنائياً، لا فقط بحكم امتداده الساحلي الطويل وإشرافه المباشر على باب المندب، بل لأنه يمثل نقطة الارتكاز التي يتوقف عليها أمن المدخل الجنوبي للبحر الأحمر. ولذلك فإن استعادة الدولة اليمنية سيادتها الكاملة على سواحلها وموانئها لا تمثل مصلحة وطنية فحسب، بل ضرورة إقليمية ودولية لضمان حرية الملاحة واستقرار التجارة العالمية. فالتجربة أثبتت أن أي فراغ أمني في هذه المنطقة سرعان ما يتحول إلى تهديد يتجاوز الحدود الوطنية ليطال الاقتصاد العالمي بأسره.

وفي المقابل، لم يعد البحر الأحمر ساحة لتأمين الملاحة فحسب، بل أصبح ميداناً للتنافس على النفوذ وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية. فالقوى الكبرى تنظر إليه باعتباره ممراً لا غنى عنه لحركة التجارة الدولية، بينما تسعى دول الإقليم إلى حماية أمنها القومي ومصالحها الاقتصادية، فيما تحاول بعض الأطراف توظيف الجغرافيا البحرية كورقة ضغط في صراعات سياسية تتجاوز حدود البحر الأحمر نفسه. ومن ثم فإن أمن هذا الممر لا ينفصل عن استقرار البيئة السياسية والأمنية للدول المطلة عليه.

وفي هذا السياق، يكتسب التحالف الإقليمي لأمن البحر الأحمر، الذي أعلنت عنه المملكة العربية السعودية بمشاركة عدد من الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، أهمية استراتيجية خاصة، لأنه يمثل انتقالاً من مفهوم الاعتماد على المبادرات الدولية المؤقتة إلى بناء مسؤولية جماعية تتولاها دول الإقليم نفسها. ويؤسس هذا التوجه لإطار دائم للتنسيق السياسي والأمني، وتبادل المعلومات، وتعزيز القدرات البحرية، وحماية البنية التحتية والممرات الحيوية، بما يعكس إدراكاً متزايداً بأن أمن البحر الأحمر يبدأ من تعاون دوله قبل أي تدخل خارجي.

وتختلف هذه المقاربة عن التحالفات الدولية التي سبقتها، والتي ركزت غالباً على مرافقة السفن أو تنفيذ عمليات بحرية محدودة لمكافحة القرصنة أو مواجهة التهديدات الطارئة، دون معالجة الأسباب الاستراتيجية التي تنتج تلك التهديدات على اليابسة. أما التحالف الإقليمي، فيمتلك فرصة أكبر لتحقيق أمن مستدام، لأنه يستند إلى مصالح مباشرة للدول المطلة على البحر الأحمر، ويجمع بين الأبعاد الأمنية والسياسية والتنموية، مع الحفاظ على الشراكة والتكامل مع المجتمع الدولي بدلاً من استبدال دوره.

وفي الوقت نفسه، تفرض التحوّلات الاقتصادية العالمية التفكير في مقاربة أشمل تتجاوز حماية المضائق إلى بناء منظومة متكاملة للأمن البحري تشمل تطوير الموانئ، وربطها بشبكات النقل والسكك الحديدية، وتنويع مسارات التجارة، وتعزيز التعاون الاستخباراتي، والاستثمار في تنمية المجتمعات الساحلية، بما يزيد من قدرة المنطقة على مواجهة الأزمات ويحد من هشاشتها أمام التهديدات المستقبلية.

ومن المرجح أن يظل البحر الأحمر خلال العقود المقبلة أحد أهم مؤشرات التوازنات الجيوسياسية العالمية، غير أن نجاح الجهود الرامية إلى تأمينه لن يقاس بعدد القطع البحرية المنتشرة فيه، بل بقدرة دوله على بناء منظومة أمن إقليمي متماسكة، تتكامل مع الشراكات الدولية وتعالج مصادر التهديد من جذورها. فكلما تعززت سيادة الدول على سواحلها، وارتفع مستوى التعاون العربي والأفريقي، ترسّخت حرية الملاحة واستقرّت التجارة العالمية، وتحوّل البحر الأحمر من ساحة للصراع والتنافس إلى فضاء للتعاون والتنمية والازدهار المشترك.

إن أمن البحر الأحمر لم يعد قضية بحرية بالمعنى التقليدي، بل أصبح ركناً أساسياً من أركان الأمن الإقليمي والدولي، وشرطاً لازماً لاستقرار الاقتصاد العالمي. ومن ثم فإن الاستثمار في أمنه هو استثمار في استقرار الأسواق، وأمن الطاقة، واستدامة سلاسل الإمداد، وهو ما يجعل حماية هذا الممر مسؤولية مشتركة تتقاطع فيها مصالح دول المنطقة مع مصالح المجتمع الدولي بأسره.

* سفير الجمهورية اليمنية لدى الجمهورية اللبنانية وجمهورية قبرص.

- المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية

           

الأكثر قراءة

العالم العربي 8/4/2026 10:21:00 PM
أثار تحذير نشره باحث سوري عن بركان كولومبو في بحر إيجه تفاعلاً واسعاً على مواقع التواصل، بعد ساعات من زلزال شعر به سكان عدة دول في شرق المتوسط. فما هو هذا البركان؟ وما حقيقة المخاطر التي يشكلها وفق الدراسات العلمية؟
المشرق-العربي 8/3/2026 6:35:00 PM
علقت العائلة يافطات في العاصمة عمان تعلن فيها براءتها منه والمطالبة بإعدامه.
المشرق-العربي 8/4/2026 2:42:00 PM
أعلنت الهيئة الوطنية للمفقودين كشف مصير الأب بسام وابنه سميح بعد 13 عاماً من فقدانهما في دمشق
المشرق-العربي 8/4/2026 8:51:00 PM
هذا الانتشار يتزامن مع تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي تحدّث عن رغتبه بمساعدة سورية لتفكيك سلاح "حزب الله".