من أزمة إدارة النظام إلى الفيدرالية الواقعية لـ"حزب الله"

آراء 06-08-2026 | 04:06

من أزمة إدارة النظام إلى الفيدرالية الواقعية لـ"حزب الله"

تمكن "حزب الله"، بدعم إيراني مباشر، من بناء منظومة تمتلك عناصر أساسية من الدولة الواقعية: قوة عسكرية مستقلة عن المؤسسة العسكرية الرسمية، ومؤسسات تعبئة وتنشئة وتعليم وخدمات اجتماعية، ومؤسسات مالية موازية.
من أزمة إدارة النظام إلى الفيدرالية الواقعية لـ"حزب الله"
القرض الحسن (إكس).
Smaller Bigger


 نزيه الخياط* 

لطالما عرف لبنان أزمات سياسية عميقة ارتبطت بطبيعة نظامه التوافقي، وبالصراع على توزيع السلطة بين مكوناته، إلا أن هذه الأزمات بقيت تاريخياً ضمن إطار التنافس على إدارة الدولة وموقع كل مكوّن داخلها، من دون أن تصل، في معظم المراحل، إلى الطعن في فكرة الكيان أو في المرجعية الوطنية الجامعة.

ويُعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005 محطةً مفصلية في تطور الأزمة اللبنانية. فمنذ تلك اللحظة بدأ ميزان القوى الداخلي والإقليمي يُعاد تشكيله بصورة مختلفة؛ فمع انتهاء الوجود العسكري السوري المباشر، برز النفوذ الإيراني عبر "حزب الله" بصفته الفاعل الأكثر تأثيراً في القرار اللبناني. ومن هنا أخذت الأزمة تنتقل تدريجاً من مستوى الخلاف حول إدارة النظام السياسي إلى مستوى أعمق يتعلق بمرجعية الدولة والسيادة والهوية الوطنية.

فقد مثّل رفيق الحريري مشروعاً لإعادة بناء الدولة الوطنية المدنية ضمن عمقها العربي، بينما أفسح غيابه المجال أمام تعاظم مشروع ذي مرجعية إيرانية عابرة للحدود، الأمر الذي نقل الأزمة اللبنانية من التنافس على إدارة الدولة إلى التنافس على مرجعيتها نفسها.

أما المرحلة الراهنة فتطرح إشكالية مختلفة نوعياً، إذ لم تعد الأزمة اللبنانية محصورة بكيفية إدارة النظام السياسي أو إصلاح توازناته، بل أصبحت مرتبطة بسؤال أكثر عمقاً: هل ما زال اللبنانيون يمتلكون تصوراً مشتركاً حول معنى الدولة، وحدود السيادة، ومصدر القرار الوطني؟

إن خطورة المرحلة لا تكمن فقط في وجود خلافات سياسية أو طائفية، فهذه عرفها لبنان منذ تأسيسه، بل في ظهور مشاريع سياسية وعقائدية تتجاوز الإطار الوطني، وتطرح تصورات مختلفة للهوية والولاء والمرجعية والانتماء . وعندما تصبح الدولة عاجزة عن احتكار القرار السيادي، أو عن إنتاج رؤية وطنية جامعة، فإن الأزمة تنتقل من مستوى الحكم إلى مستوى الكيان نفسه.

من هنا يصبح السؤال الأساسي ليس فقط: من يحكم لبنان؟ بل: أي لبنان يريد اللبنانيون؟ وهل ما زال المشروع الوطني قادراً على استيعاب التناقضات الداخلية ضمن دولة واحدة، أم أن تعدد المرجعيات بدأ يهدد الأساس الذي قام عليه الكيان اللبناني؟

أولًا: من أزمة النظام السياسي إلى أزمة الدولة الوطنية

ـ رجالات الدولة: بين إدارة السلطة وحماية الكيان

لا يُقصد برجالات الدولة الوطنية مجرد شاغلي المناصب العليا أو قادة الأحزاب، بل النخبة القادرة على التمييز بين الدولة والسلطة، وبين المصلحة الوطنية والمصلحة الفئوية، وعلى قراءة التحولات الجيوسياسية بما يحول دون تحولها إلى تهديد لبنية الدولة نفسها.

فالدول لا تُبنى بالقوانين وحدها، بل بقيادات تمتلك رؤية استراتيجية، وتؤمن بأن شرعية أي سلطة تستمد من حماية الكيان والدستور والسيادة، لا من ميزان القوى أو التحالفات العابرة. وعندما تفتقر الدولة إلى هذا النوع من القيادات، يصبح الفراغ السياسي مدخلاً طبيعياً لتنامي المرجعيات البديلة والتدخلات الإقليمية.

لم تكن الخلافات التي عرفها لبنان بين مكوناته عبر تاريخه الحديث ذات طبيعة واحدة. فقد اختلفت الطوائف والقوى السياسية حول السلطة، والصلاحيات، والسياسات الخارجية، وخيارات الدولة، لكن معظم هذه الصراعات بقيت تدور حول كيفية المشاركة في الكيان اللبناني، لا حول استبداله أو إعادة تعريفه وفق مشروع يتجاوز حدوده.

حتى عندما ظهرت تيارات قومية عربية قوية في لبنان، ومنها التيار الناصري الذي وجد صدى واسعاً لدى شرائح من المسلمين اللبنانيين، فإن مطالبها الأساسية تمحورت حول موقع لبنان في محيطه العربي، أو حول شكل علاقاته الإقليمية، ولم تكن، بمعظمها، مشروعا لإلغاء الكيان اللبناني أو دمجه في هوية سياسية خارجية بديلة. كان الخلاف آنذاك حول دور لبنان وموقعه الجيوسياسي، لا حول وجود لبنان كساحة.

ـ التحول من صراع على الدولة إلى صراع حول مرجعيتها

أما التحول الأكثر تعقيداً في المرحلة الراهنة، فيرتبط بظهور مشروع سياسي ـ عقائدي عابر للحدود، لم يعد يتعامل مع الدولة اللبنانية باعتبارها الإطار النهائي للهوية والقرار، بل باعتبارها ساحة ضمن مشروع أوسع له مرجعياته السياسية والفكرية والإقليمية.

وهنا تكمن أهمية التمييز بين المكوّن الشيعي اللبناني كجزء أصيل من النسيج الوطني اللبناني، وبين المشروع السياسي الذي نشأ حول "حزب الله" وعلاقته بالمشروع الإيراني. فالإشكالية لا تتعلق بطائفة أو بهوية دينية، بل بنمط سياسي يقوم على تعدد المرجعيات، وعلى ربط القرار الوطني بمشروع يتجاوز حدود الدولة.

لقد كان ضعف رجالات الدولة الوطنية، وعجز النخب السياسية والأكاديمية عن تجديد الفكر النقدي، وبناء مؤسسات قوية ومرجعية سيادية واضحة، من العوامل التي سمحت بتراكم هذا الفراغ. فالدول لا تحافظ على تماسكها بالقوانين فقط، بل تحتاج إلى قيادات تمتلك رؤية تتجاوز إدارة السلطة إلى حماية فكرة الدولة نفسها.

وعندما يغيب هذا الدور، تصبح الدولة أكثر عرضة لأن تتحول إلى مساحة تتنافس فيها مشاريع مختلفة؛ بعضها يريد إصلاحها، وبعضها يريد استخدامها، وبعضها يريد إعادة تعريفها وفق مرجعيات تتجاوزها.

ثانياً: من إشكالية السلاح إلى إشكالية العقيدة وإعادة إنتاج الهوية

ـ منظومة فكرية واجتماعية وأمنية عُزلت عن الفضاء الوطني العام عبر بناء مجال عقائدي وتنظيمي ومصلحي موازٍ 

إن اختزال الإشكالية اللبنانية الراهنة بمسألة السلاح فقط لا يحيط بجوهر الأزمة، لأن السلاح، رغم خطورته وتأثيره على مفهوم الدولة والسيادة، يبقى أداة تمكن معالجتها ضمن تسوية سياسية أو ترتيبات أمنية. أما التحدي الأكثر عمقاً فيكمن في المنظومة الفكرية والاجتماعية التي أنتجت هذا السلاح، وفي القدرة على إعادة إنتاجها عبر الأجيال.

فالمسألة لا تتعلق فقط بوجود قوة عسكرية لبنانية خارج إطار الدولة، بل بوجود مشروع سياسي ـ عقائدي إيراني يسعى إلى بناء تصور مختلف للانتماء والهوية والولاء. وهنا تصبح الإشكالية أكثر تعقيداً، لأن معالجة السلاح وحدها لا تعني بالضرورة معالجة السؤال المتعلق بموقع هذا المشروع داخل الدولة اللبنانية.

لقد استطاع "حزب الله"، بدعم إيراني استمر لعقود، بناء منظومة متكاملة لم تقتصر على الجانب العسكري، بل امتدت إلى المجالات الاجتماعية والثقافية والتربوية والتعبوية العقائدية والإعلامية والخدماتية. وقد لعب العامل المالي دوراً أساسياً في تثبيت هذه المنظومة، عبر توفير شبكة واسعة من الخدمات والرعاية الاجتماعية، ما عزز ارتباط شرائح واسعة من بيئته تنظيمياً واجتماعياً وخدماتياً بالمشروع.

ـ من التربية الوطنية إلى التعبئة العقائدية والانقلاب على الانتماء 

لكن البعد الأكثر حساسية يكمن في الانتقال من مفهوم التربية الوطنية والمعرفة الأكاديمية المفتوحة إلى مفهوم التعبئة والتعليم العقائدي، إذ يصبح الهدف الأساسي ليس فقط بناء الفرد المتعلم، بل إنتاج فرد يحمل منظومة فكرية دينية ملتزمة محددة ويلتزم بها ضمن إطار تنظيمي صارم.

وهنا تظهر إشكالية إعادة تشكيل الهوية قبل أن تكون مجرد إشكالية سياسية.

ـ ما بين الأذرع الإيرانية والإنكشارية: تشكيل الولاء الخارجي 

إذا كان مصطلح "الأذرع الإيرانية" يصف الامتداد الجيوسياسي للمشروع الإيراني في المنطقة، فإن الإشكالية الأعمق تكمن في آلية إعادة إنتاج هذا الامتداد اجتماعياً وثقافياً عبر الأجيال.

وهنا يبرز تشبيه "الإنكشارية" بوصفه مفهوماً تفسيرياً، لا مقارنة تاريخية حرفية، إذ إن أخطر ما في هذا التحول ليس إنتاج أفراد يتبنون موقفاً سياسياً معيناً، بل إعادة إنتاج هوية وانتماء جديدين عبر أجيال متعاقبة، بحيث يصبح الانتماء العقائدي سابقاً على الانتماء الوطني.

فالتشبيه بالإنكشارية يهدف إلى تفسير عملية إعادة تشكيل الولاء والهوية عبر منظومة متكاملة من التعبئة والإعداد والتعليم، لا إلى المساواة التاريخية بين التجربتين.

فالإنكشارية، في هذا السياق، ليست حدثاً تاريخياً يُستعاد، بل نموذج تحليلي لفهم كيفية انتقال الولاء من الدولة والمجتمع إلى تنظيم ذي مرجعية فوق وطنية.

فالهوية الوطنية لا تُبنى على الإلغاء أو الانغلاق، بل على قدرة المواطن على الجمع بين انتمائه الثقافي أو الديني وانتمائه الوطني الجامع. أما عندما تصبح الهوية العقائدية العابرة للحدود هي المرجعية الأولى، فإن المسافة بين المواطن والدولة تبدأ بالاتساع، ويصبح الاندماج داخل مشروع وطني مشترك أكثر صعوبة.

ومن هنا يمكن فهم خطورة البعد العقائدي مقارنة بالبعد العسكري وحده؛ فالسلاح يمكن أن يكون موضوع اتفاق أو تسوية، أما الأفكار التي تُنقل عبر الأجيال فتحتاج إلى مسار طويل من المراجعة وإعادة بناء الثقة داخل المجتمع.

فداخل البيئة الشيعية اللبنانية كما داخل سائر المكونات اللبنانية، توجد تنوعات وتجارب ومواقف مختلفة. لكن المشكلة تكمن عندما يتحول مشروع سياسي معين إلى مرجعية شبه حصرية تفرض تعريفاً محدداً للهوية الوطنية، وتضع الانتماء إلى الدولة في مرتبة ثانية بعد الانتماء إلى مشروع عقائدي أوسع.

 في هذه النقطة تحديداً يظهر المأزق التاريخي: فالمشروع الإيراني الذي أراد تعزيز موقع المكوّن الشيعي اللبناني عبر ربطه بمشروعٍ إقليمي أوسع، وضع هذا المكوّن نفسه أمام إشكالية هوياتية وتحدي التوفيق بين هويته اللبنانية الطبيعية، وانتمائه إلى محيطه العربي، وبين منظومة سياسية وفكرية عقائدية نشأت في سياق جغرافي واجتماعي وتاريخي مختلف.

ثالثاً: البعد الجغرافي للهوية: إشكالية الأصل والبديل بين المجال اللبناني والمرجعية الإيرانية

ـ الجغرافيا كعنصر مؤسس للهوية السياسية

إن الجغرافيا ليست مجرد مسافة، بل هي أحد المكونات المؤسسة للهوية السياسية والاجتماعية للمكوّن الشيعي اللبناني، ولانتمائه إلى المجال الوطني ذاته. فالانتماءات العابرة للحدود تستطيع أن تنشئ روابط عقائدية أو ثقافية، غير أن التماهي العميق الذي استهدفه المشروع الإيراني لهذا المكوّن مع بيئة جغرافية واجتماعية مختلفة، سيصطدم حتماً بخصوصيات المجال الذي نشأت فيه تلك المرجعية، وبخصائص المجال اللبناني الذي نُقلت إليه.

 ومن هنا تنشأ إشكالية "الأصل والبديل"، بحيث يجد الفرد نفسه بين انتمائه الطبيعي إلى مجتمعه الوطني، وانتماء مكتسب إلى مرجعية خارجية. وكلما اتسعت المسافة بين المجالين، ازداد احتمال ظهور توترات نفسية وفكرية واجتماعية، وخصوصاً لدى الأجيال الجديدة التي تجد نفسها مطالبة بالتوفيق بين هويتين لا تتطابقان دائماً في المرجعية السياسية أو في تصور الدولة والسيادة.

وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في الحالة اللبنانية، إذ تتجاوز الجغرافيا معناها المكاني لتصبح عاملاً مؤسساً للهوية الوطنية وللعقد السياسي والاجتماعي.

ومن هذا المنطلق، يصبح مشروعاً التساؤل عن مدى قدرة أي مشروع ذي مرجعية عابرة للحدود على تحقيق اندماج مستقر داخل مجتمع لبناني تشكلت هويته عبر سياق تاريخي وجغرافي مختلف.

ـ بين المجال الوطني والمرجعية السياسية الإيرانية العابرة للحدود

تكمن إحدى أكثر الإشكاليات تعقيداً في هذا المشروع في أن بناء الهوية السياسية والعقائدية على مرجعية خارج المجال الجغرافي اللبناني يطرح تحديات عميقة لا يمكن تجاوزها بسهولة.

فالهويات لا تُبنى فقط على العقيدة أو السياسة، بل تتشكل أيضاً من خلال التاريخ المشترك وموروثاته، والجغرافيا، والذاكرة الاجتماعية، والتفاعل الثقافي والقيمي الناتج من تجربة العيش المشترك داخل المجال الوطني الواحد.

لذلك، فإن محاولة نقل مركز الانتماء السياسي والعقائدي الى مكوّن لبناني بعينه إلى مجال جغرافي آخر يبعد أكثر من 1500 كيلومتر، مهما كانت الروابط الدينية أو الفكرية، تخلق بالضرورة إشكالية بين الانتماء الوطني الطبيعي والمرجعية السياسية العابرة للحدود.
 
وهنا تظهر إحدى المفارقات الأساسية: فالمشروع الإيراني في لبنان سعى إلى تعزيز حضور مكوّن لبناني عبر ربطه بمشروع إقليمي واسع، لكنه في الوقت نفسه أدخله في إشكالية أكثر تعقيداً تتعلق بموقعه داخل الدولة اللبنانية ومستقبل علاقته ببقية المكونات.

فكلما ارتبط المشروع بهوية سياسية خارجية، ازدادت صعوبة إيجاد مساحة مشتركة مع شركاء الوطن الذين يرون الدولة اللبنانية إطارهم النهائي للانتماء والقرار.

ولا تكمن المشكلة في البعد السياسي فحسب، بل أيضاً في البعد الاجتماعي والنفسي للأجيال التي نشأت داخل هذه المنظومة. فالفارق بين الجغرافيا الإيرانية والجغرافيا اللبنانية ليس مجرد مسافة مكانية، بل هو اختلاف في التاريخ والجغرافيا والتجربة الاجتماعية والبيئة السياسية.

وهذا يجعل عملية التماهي بين المرجعيتين عملية معقدة، وسيؤدي إلى نشوء حالة من الاضطراب الهوياتي بين الأصل والبديل، وبين الانتماء الوطني والهوية العقائدية الأوسع.

ومن هنا يمكن فهم أن نجاح أي مشروع سياسي إيراني أو تعثره داخل البيئة الشيعية لا يُقاس فقط بقدرته على بناء القوة، بل بقدرته على الاندماج في البيئة التي يعمل داخلها.

فالمشاريع التي تتجاوز الجغرافيا المحلية تواجه دائماً اختبار اكتساب الشرعية الاجتماعية، لأن الهوية الوطنية لا تُفرض فقط عبر التنظيم أو الموارد، بل تُبنى عبر المشاركة التاريخية وأنماط الحياة في مجتمع واحد.

ولهذا، فإن استمرار أي مشروع سياسي على قاعدة هوية عابرة للحدود سيبقي السؤال مفتوحاً حول إمكان تحوله إلى مكوّن وطني متصالح بالكامل مع الدولة اللبنانية، أو بقائه مشروعاً يحمل تناقضاً دائماً بين مرجعيته الخارجية وضرورات اندماجه الداخلي.

إن هذه الإشكالية لا تعني إلغاء خصوصية أي مكوّن لبناني أو إنكار تنوعه، بل تعني أن الدولة لا تستطيع أن تستقر عندما تتعدد المرجعيات التي تحدد معنى الوطن والولاء والسيادة.

فالدولة الحديثة تقوم على قاعدة أن الاختلافات الثقافية والدينية يمكن أن تتعايش، شرط وجود مرجعية دستورية وطنية مشتركة واحدة فوق الجميع.

رابعاً: من مأزق بيئة "حزب الله" إلى مأزق الكيان   

ـ من اختلاف المكونات إلى اختلاف المرجعيات الإقليمية حول الدولة

إن خطورة المرحلة اللبنانية الراهنة لا تكمن فقط في التباينات بين المكونات، فهذه التباينات رافقت نشأة الكيان اللبناني وكانت جزءاً من تركيبته الاجتماعية والسياسية. لكن المشكلة الأساسية تظهر عندما تنتقل الاختلافات من مستوى التنوع داخل الدولة إلى مستوى تعدد المرجعيات حول الدولة نفسها.

وهنا تبرز أهمية التمييز بين الصراعات اللبنانية السابقة وبين المرحلة الحالية. فقد شهد لبنان خلافات حادة بين طوائفه وقواه السياسية، لكنها كانت في معظمها صراعات على المشاركة في السلطة أو على موقع لبنان الإقليمي، لا على استبدال الدولة بمرجعية سياسية أو عقائدية موازية.

أما اليوم، فإن التحدي يرتبط بوجود مشروع لا يناقش فقط حجم المشاركة داخل النظام، بل يطرح سؤالاً أعمق حول من يملك تعريف المصلحة الوطنية، ومن يحدد اتجاه القرار السيادي.

ـ مأزق البيئة الحاضنة للحزب قبل مأزق الكيان

وهذا لا يعني أن المأزق يخص مكوّناً لبنانياً بعينه. فالمشروع الذي يبني قوته على مرجعية إيرانية تتجاوز الدولة اللبنانية لا يضع الآخرين فقط أمام تحديات جديدة، بل يضع بيئته الحاضنة نفسها أمام إشكالية مركبة تتعلق بمستقبل موقعها ودورها وانتمائها داخل المجتمع اللبناني التعددي، وبكيفية التوفيق بين هذا الانتماء وبين علاقتها الطبيعية بمحيطها العربي.

فكل مشروع سياسي، مهما بلغت قوته، يحتاج في النهاية إلى القدرة على الاندماج في وطنه، وإلا تحوّل من عنصر توازن إلى مصدر انقسام وطني دائم.

إن استمرار هذا الواقع يهدد بتحويل لبنان من دولة متعددة المكون إلى مساحة تتنافس فيها هويات سياسية تعيش خارج زمنها الوطني، ومنفصلة عن المجال الجغرافي والاجتماعي الذي تنتمي إليه، بحيث يصبح المواطن أولاً تابعاً لجماعته السياسية أو العقائدية قبل أن يكون مواطناً في دولة واحدة.

وعندها لا تعود الأزمة أزمة نظام انتخابي أو توزيع صلاحيات، بل تصبح أزمة العقد الوطني نفسه.

لقد أثبت التاريخ اللبناني أن التوازنات الطائفية وحدها لا تكفي لبناء دولة قابلة للحياة. فالدولة تحتاج إلى مرجعية سيادية واضحة، وإلى قيادات وطنية جامعة قادرة على إدارة الاختلاف ضمن المؤسسات، لا عبر تكريس الانقسامات أو الاستقواء بالخارج.

 ومن هنا فإن السؤال المصيري لا يتعلق فقط بمستقبل مشروع سياسي معين، بل بمستقبل لبنان كفكرة سياسية:

هل يبقى وطناً تتعايش فيه هويات متعددة ضمن مرجعية وطنية واحدة، أم يتحول إلى مجموعة مشاريع سياسية متباعدة ومتناقضة، يصعب جمعها داخل إطار وطني مشترك؟

خامساً: لبنان بين الفيدرالية الواقعية لـ"حزب الله" وإعادة تجديد الكيان الوطني 

ـ الفيدرالية الواقعية: عندما تنشأ دولة داخل الدولة

لم يعد النقاش اللبناني يدور حول سؤال نظري يتعلق بجدوى الفيدرالية أو شكل النظام السياسي فقط، بل حول واقع جديد نشأ تدريجاً خلال العقود الماضية، تمثل بقيام دولة واقعية بحكم الأمر الواقع داخل الدولة الدستورية الشرعية.

لقد تمكن "حزب الله"، بدعمٍ إيراني مباشر، من بناء منظومة تمتلك عناصر أساسية من الدولة الواقعية: قوة عسكرية مستقلة عن المؤسسة العسكرية الرسمية، ومؤسسات تعبئة وتنشئة وتعليم وخدمات اجتماعية، ومؤسسات مالية موازية، وفي مقدمها القرض الحسن الذي يؤدي عملياً وظيفة مالية خاصة بالحزب خارج النظام المصرفي الوطني والدولي.

كما نشأ اقتصاد موازٍ ارتبط، وفق ما تشير إليه تقارير ودراسات متعددة، بشبكات تهريب وبالسيطرة على جزء كبير  من حركة المعابر والموارد الحدودية، وخصوصاً خلال مرحلة سيطرة النظام السوري السابق على المعابر المشتركة بين لبنان وسوريا.

ولم يكن هذا البناء المؤسسي منفصلاً عن مرجعيته الفكرية والسياسية، إذ أعلن الأمين العام السابق للحزب حسن نصر الله، في أكثر من مناسبة، أن الحزب جزء من المشروع الإسلامي الإيراني، وأنه مرتبط بولاية الفقيه، بما يجعل العلاقة بإيران تتجاوز التحالف السياسي إلى ارتباط بنيوي وعقائدي وهوياتي.

ـ من الفيدرالية الواقعية لـ"حزب الله" إلى الفيدراليات المتقابلة

ومن هنا تظهر المفارقة الأساسية: فبينما يرفض "حزب الله" أي نقاش دستوري حول الفيدرالية، يكون قد أقام عملياً نموذجاً من الفيدرالية الواقعية له داخل منطقة نفوذه، حيث تتوافر منظومة عقائدية وأمنية وتعليمية وتعبوية واجتماعية ومالية واقتصادية ومرجعية سياسية وقضائية، موازية ومستقلة كلياً عن مؤسسات الدولة اللبنانية.

وقد أدى هذا الواقع إلى بروز دعوات مقابلة داخل أوساط لبنانية أخرى تطالب بصيغ فيدرالية مضادة، باعتبارها وسيلة لحماية مكوناتها في مواجهة اختلال ميزان السلطة داخل الدولة.

وهكذا انتقل لبنان من مرحلة الصراع حول إدارة الدولة إلى مرحلة أخطر: الصراع حول شكل الدولة نفسها.

غير أن السؤال الجوهري يبقى:

هل تعالج الفيدرالية هذه الأزمة، أم أنها تنقلها إلى مستوى أكثر تعقيداً؟

فالفيدرالية ليست مجرد توزيع إداري للصلاحيات بين المركز والأقاليم، بل عقد سياسي ودستوري يفترض توافقاً وطنياً عميقاً حول حدود الوحدات الفيدرالية، وطبيعة توزيع السلطات، وآليات حل النزاعات بينها.

وفي الدول المستقرة قد تكون الفيدرالية أداة ناجحة لإدارة التنوع، أما في مجتمع لا يزال مختلفاً حول الهوية والمرجعيات الإقليمية والسيادة، فإنها قد تتحول إلى وسيلة لتكريس الانقسام لا لتنظيمه.

ـ معضلة الجغرافيا والديموغرافيا والجنوب اللبناني

وتبرز هنا معضلة الجغرافيا والديموغرافيا اللبنانية. فإذا كان لبنان قائماً على تداخل تاريخي واجتماعي بين مكوناته، فكيف يمكن رسم حدود وحدات فيدرالية جديدة؟ وهل تعتمد الجغرافيا أم الديموغرافيا أم الانتماء الطائفي؟ وماذا عن المناطق المختلطة؟ ومن يحدد توزيع الموارد الاقتصادية والاستراتيجية؟

 وتزداد هذه الإشكالية تعقيداً في الجنوب اللبناني، الذي لا يمثل مجرد مساحة ديموغرافية، بل عقدة جيوسياسية ترتبط مباشرة بالصراع مع إسرائيل وبالتوازنات الإقليمية في المشرق العربي، بما تحمله من أبعاد ديموغرافية وسياسية وجغرافية.

لذلك، فإن أي إعادة رسم للكيان اللبناني من دون أخذ هذه الحقائق في الاعتبار قد تدفع البلاد إلى إعادة فتح ملفات تاريخية تتعلق بالحدود، وتشكّل الكيان، وضمّ الأقضية الأربعة، وتوزيع الموارد، بل قد تعيد إلى الواجهة النقاش حول الأسس التاريخية والجيوسياسية التي قام عليها لبنان الكبير نفسه.

ـ إعادة تجديد الكيان الوطني: البديل الدستوري

لهذا فإن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في البحث عن صيغة دستورية جديدة بقدر ما تكمن في استعادة الدولة التي فقدت احتكارها لوظائفها الأساسية.

فلبنان لا يفتقر إلى دستور جديد، بل إلى التطبيق الكامل  لمندرجات اتفاق الطائف، بصفته الدستور النافذ والوحيد للجمهورية اللبنانية، مع إدخال التعديلات التوضيحية اللازمة التي تمنع تضارب التفسيرات، وتعيد تفعيل المؤسسات، وتغلق الثغرات التي استُغلت لتعطيل الدولة.

إن تجاوز هذا الدستور أو استبدال منطق الأمر الواقع به لن يقود إلى ولادة نظام أكثر استقراراً، بل إلى انهيار المرجعية الدستورية المشتركة التي يقوم عليها الكيان اللبناني.

وفي مجتمع تعددي كلبنان، فإن سقوط المرجعية الواحدة لا يفتح الباب أمام نظام جديد، بل أمام صراع بين مرجعيات متنافسة، بحيث تصبح القوة بديلاً من الشرعية، والأمر الواقع بديلاً من العقد الوطني.

ومن هنا، فإن الخيار الحقيقي لا يتمثل في الانتقال من فيدرالية واقعية إلى فيدراليات متقابلة، بل في إعادة تجديد الكيان الوطني عبر استعادة الدولة الدستورية الواحدة، وتطبيق اتفاق الطائف كاملاً، بحيث تستعيد الدولة وحدها احتكار وظائفها السيادية، وتصبح المرجعية الوطنية الجامعة الإطار الوحيد الذي يحتضن جميع اللبنانيين.

 الاستنتاج: لبنان أمام اختبار الكيان والهوية

دخل لبنان مرحلة تختلف في طبيعتها عن الأزمات التي عرفها منذ تأسيسه. فالمشكلة لم تعد تقتصر على عجز النظام السياسي عن إنتاج سلطة مستقرة، بل أصبحت تمس قدرة الدولة على إنتاج مشروع وطني جامع يحفظ السيادة ويصون الهوية الوطنية بعدما عجزت النخب عن تكوين مرجعية وطنية مشتركة. 

 فعندما تتعدد المرجعيات السياسية والعقائدية والإقليمية التي تتنافس على تعريف الوطن والسيادة، تنتقل الأزمة من مستوى الحكم إلى مستوى الكيان نفسه.

وقد بيّنت التجربة أن افتقار لبنان إلى رجالات الدولة الوطنية، والى النخب الحاملة للفكر النقدي النهضويّ لا يخلّف فراغاً سياسياً فحسب، بل يفتح المجال أمام مشاريع بديلة تمتلك التنظيم العقائدي والموارد والارتباطات الخارجية لملء هذا الفراغ . كما أظهرت أن بناء الولاءات على مرجعيات عابرة للحدود يضع
البيئات الحاضنة لهذه المشاريع أمام إشكالية التوفيق بين الانتماء اللبناني الطبيعي والانتماء إلى مشروع سياسي ـ عقائدي نشأ في سياق جغرافي وسياسي مختلف.

 ومن ثم،فإن المطلوب ليس إلغاء التنوع والتعددية اللبنانية في ذاتهما، وإنما إعادة إدراجهما ضمن مرجعية وطنية واحدة تحتكر القرار والسيادة وتحتضن جميع اللبنانيين.

لذلك، فإن إنقاذ لبنان لا يبدأ بإنتاج صيغ دستورية جديدة لا اجماع وطنياً عليها ، بل باستعادة الدولةعبر التطبيق الكامل لاتفاق الطائف، واستكمال ما يحتاج إليه من توضيحات دستورية، وتفعيل مؤسساته، بما يعيد للدولة وحدها احتكار وظائفها السيادية ومرجعيتها الوطنية.

وفي النهاية، فإن الاختبار الحقيقي أمام لبنان اليوم لا يتمثل فقط في إنهاء أزماته المتراكمة، بل في قدرته على استعادة الدولة بصفتها المرجعية الوطنية الوحيدة الحاضنة لجميع اللبنانيين، لأن بقاء الكيان لن يتحدد بقوة أي مشروع سياسي، بل بقدرة الدولة على استعادة احتكار القرار الوطني والسيادة وصوغ هوية وطنية جامعة تحفظ وحدة الوطن واستمراريته.

*أكاديمي ـ باحث في الشؤون الجيوسياسية 


العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 8/4/2026 10:21:00 PM
أثار تحذير نشره باحث سوري عن بركان كولومبو في بحر إيجه تفاعلاً واسعاً على مواقع التواصل، بعد ساعات من زلزال شعر به سكان عدة دول في شرق المتوسط. فما هو هذا البركان؟ وما حقيقة المخاطر التي يشكلها وفق الدراسات العلمية؟
المشرق-العربي 8/3/2026 6:35:00 PM
علقت العائلة يافطات في العاصمة عمان تعلن فيها براءتها منه والمطالبة بإعدامه.
المشرق-العربي 8/4/2026 2:42:00 PM
أعلنت الهيئة الوطنية للمفقودين كشف مصير الأب بسام وابنه سميح بعد 13 عاماً من فقدانهما في دمشق
المشرق-العربي 8/4/2026 8:51:00 PM
هذا الانتشار يتزامن مع تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي تحدّث عن رغتبه بمساعدة سورية لتفكيك سلاح "حزب الله".