فشل الاستراتيجيّات التي لا تستند إلى الحقّ والمنطق
يبدو أن استراتيجيات جديدة تُرسم بمناسبة الهياج السياسي والعسكري القائم في المنطقة العربية ومحيطها، أو في الشرق الأوسط وفقاً للتوصيف الغربي، وغرب آسيا بموجب التسمية التي يعتمدها أقصى الشرق. ويتبلور شكل جديد من التعاون أو الخصام بين القوى الكبرى وسط فضاء هذا الصراع، ويُفتح دفتر حسابات لتسجيل ما يحصل والبناء عليه بين الدول المعنية في الإقليم. ويبدو أن ما بعد التوتر والعدوان الذي بدأ منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 وهو مُستمرّ حتى اليوم، لن يكون كما قبله.
من المؤكد أن الاستراتيجيات السابقة عند بعض دول الإقليم أثبتت فشلها، وهي كانت ولّادة حروب واضطرابات أكثر مما كانت مُنتجة للاستقرار والسلام، ونذكر هنا تحديداً المقاربات الإسرائيلية والإيرانية، وهما متناقضتان في الشكل ومتقاربتان في المضمون، ولدى كليهما أطماع في الهيمنة على مقدرات الغير، ويملكان رؤية توسعية تعتمد على الاعتداء على الجيران والتدخُل في شؤون دول المنطقة، وتوليف البرامج التي تصنع التفرقة والفوضى بهدف بسط نفوذ على أراضي الغير من دون وجه حق. وبيَّنت تجارب السنتين المُنصرمتين أن نموذج التخادُم بين المشروعين وصل الى نهايته المأسوية، ودفعت شعوب الدولتين، كما شعوب المنطقة برمتها فاتورة مؤلمة لهذه النهاية.
الاستراتيجية العدوانية الإسرائيلية لا تتعايش مع النظام والقانون، لأنها تنطلق من خلفيات ميثولوجية واهية، وتحلم بتنفيذ مشاريع توسعية كبرى ليس لها أي أساس منطقي، وهدفها اغتصاب المزيد من الأراضي الفلسطينية والعربية، وفرض هيمنة تتعارض مع المشروعية الدولية، وهي تعتمد على القوة العسكرية والسيبرانية لتعطيل مبادرات السلام والتعاون والإنماء في المنطقة، ولا تتورَّع من الدخول في حياكة مؤامرات للإيقاع بين الدول العربية وجيرانها – لاسيما في أفريقيا - عن طريق الدسائس والمُغريات.
أما الاستراتيجية الإيرانية؛ فقد اعتمدت نموذجاً انفلاشياً، يرفع شعارات الدفاع عن الحقوق الفلسطينية والإسلامية، ويخفي أطماعاً إمبراطورية. وتوضَّحت معالم هذا النهج منذ عام 2003 على أقل تقدير، وبدل أن تكون إيران عضداً للدول العربية الجارة في مسيرة بناء الاستقرار والتنمية والدفاع عن الفلسطينيين المُضطهدين، ومقارعة المشروع الإسرائيلي الخبيث؛ قدمت خدمات كبيرة لهذا المشروع، وأعطته الفرص للتمادي في عدوانه. وقد استنزفت هذه الاستراتيجية مقدرات الشعب الإيراني، وعطلت مسارات التقدُّم في عدد من الدول العربية، وانتهى بها الأمر إلى صدام مع الجميع، وهذا لا يعني أن الاعتداءات الإسرائيلية عليها كانت مُبررة على الإطلاق، فهي عدوان حصل بعدما تأكد الإسرائيلي بوصفه طرفاً ينشد الهيمنة والتوسُّع؛ استحالة التعايش مع طرفٍ آخر يتطلَّع إلى الأهداف ذاتها.
خرائط جديدة
الهياج العسكري والسياسي القائم في المنطقة يصنع خرائط جديدة، ويُبدِّل التوازنات، أو يُخلّ بها. والحرب أثبت أن الحمايات التي تعتمد على التحشيد الشعبي وعلى البرامج – النووية والصاروخية – السرية، لا تصنع استقراراً ولا تقدُّماً، وهذا الرأي لا يُبرِّر لإسرائيل امتلاك آلة العدوان والدمار والقنابل النووية وحدها، ولا بد من تفعيل مبادرة إخلاء الشرق الأوسط بكامله من الأسلحة النووية، وهذه المبادرة كانت قد طُرحت منذ مطلع القرن الحالي. في المقابل؛ فقد أثبتت الحرب أن القواعد العسكرية الأجنبية لم تحمِ الدول المعنية، وكانت عبئاً على هذه الدول أحياناً. وهذا لا يعني تبرير الهجمات الإيرانية على الدول المجاورة التي ليست طرفاً في الحرب على الاطلاق، بل على العكس من ذلك؛ فإن الهجمات الإيرانية هي عدوان سافر، وقد أكد مجلس الأمن الدولي ذلك في القرار الرقم 2817/ 2026.
استراتيجيات جديدة
بناءً استراتيجيات سياسية جديدة يجب أن يستند إلى موازين القوى، وإلى الأخذ بالمتغيرات، وإلى الاعتراف بفشل المقاربات السابقة، وهذه العملية ليس بإمكانها تجاهل الثوابت والحقوق المتوارثة. ولا بد للقوى الدولية الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية، أن تأخذ بالاعتبار مصالح الدول الأخرى في منطقة غرب آسيا، كما أهمية إشراك الشرعية الدولية في توليف أي ترتيبات تتعلَّق بالممرات العالمية، وهذه الثوابت لا يمكن إخضاعها لتسويات آنية تتعلَّق بمجرى الحرب، أو التنازل عنها كجوائز ترضية، لأن ذلك يُهدِّد الاستقرار العالمي برمته، ويضرب مصداقية القوانين الدولية.
والجانب الإيراني مُطالب بالابتعاد عن المقاربات التي يلجأ اليها أحياناً في ابتزازه للجيران، واستهداف دول ليست لها علاقة بالحرب – لا سيما دول الخليج العربي وإقليم كردستان العراقي - بينما يتجاهل أحياناً الرد مباشرةً على القوى المعنية بالحرب عليه. ومحاولة استثمار النكبة التي حلَّت بإيران للحصول على مكاسب في مضيق هرمز؛ محاولة لن يكتب لها النجاح، لأن في هذا المرفق الدولي حقوقاً للدول المجاورة لا يمكن تجاهلها، وحرية الملاحة فيه تتعلَّق بالانتظام الدولي العام وترتبط بها مصالح عالمية، كما هي الحال في الممرات الدولية الأخرى في باب المندب وجبل طارق وملقا على سبيل المثال.
أما إسرائيل؛ فهي مُخطئة إذا اعتقدت أن عمليات القتل ضد الفلسطينيين وضد جيرانها قد تُحقِّق لها السلام، وعلى العكس من ذلك؛ فهي لن تنعم بأي استقرار مع استمرارها بالعدوان.
نبض