ما علّمتني إياه "النهار"... الإنسان أولاً

آراء 04-08-2026 | 06:15

ما علّمتني إياه "النهار"... الإنسان أولاً

بعد ست سنوات في هذه المدرسة، تعلمت أن الصحافة ليست مجرّد نقلٍ للأحداث، بل مسؤولية تجاه الإنسان، وأن التكنولوجيا، مهما بلغت قوتها، تبقى وسيلة، بينما يبقى الإنسان هو الغاية.
ما علّمتني إياه "النهار"... الإنسان أولاً
النهار تحتفل بإطلاق أول نشرة إخبارية مولدة بالذكاء الااصطناعي (نبيل إسماعيل)
Smaller Bigger

قبل ست سنوات، دخلتُ "النهار" محرراً في الموقع العربي، أحمل خبرةً صحافية وطموحاً كبيراً، وآتياً من مؤسسة عريقة أيضاً. لم أكن أعلم آنذاك أنني سأكون جزءاً من رحلة تحوّلٍ مهني وفكري ستغيّر نظرتي إلى الإعلام، وإلى المستقبل، وإلى العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا.

عندما أتأمل السنوات الست التي أمضيتها في "النهار"، لا أراها مجرد تجربة وظيفية، بل رحلة معرفية وإنسانية جعلتني أؤمن بأن هذه المؤسسة لا تعيش على تاريخها، بل على قدرتها الدائمة على إعادة اكتشاف نفسها.

 

عيد النهار الـ93

وتكتسب هذه الرحلة معنى أعمق لأنها تأتي فيما تحتفل "النهار" بعيدها الثالث والتسعين. ثلاثة وتسعون عاماً لم تكن مجرد صفحات في أرشيف صحيفة، بل تاريخَ وطن، وذاكرة أجيال، ومنبراً للدفاع عن حرية الكلمة. لكن ما يلفتني أكثر من عراقة هذا التاريخ هو أن "النهار" لم تسمح له يوماً بأن يتحول إلى عبء يمنعها من التجدد، بل جعلته نقطة انطلاق نحو المستقبل.


قبل ست سنوات كنت محرراً أحمل شغف الصحافة، لكنني اكتشفت أنني دخلت إلى مدرسة تؤمن بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان. واليوم، وأنا أعمل Day Editor في عداد Desk  Super، ضمن الهيئة التحريرية، أستطيع القول إن أكبر ما قدمته لي هذه المؤسسة لم يكن منصباً، بل ثقافة عمل قائمة على التعلّم المستمر، والانفتاح، والجرأة في مواكبة التحولات.

في وقتٍ كانت فيه مؤسسات إعلامية كثيرة تنظر إلى التحول الرقمي بكثير من الحذر، كانت "النهار" تنظر إليه كفرصة. لم تنتظر المستقبل حتى يفرض نفسه، بل قرّرت أن تستعدّ له، فاستثمرت في تدريب صحافييها، وفي تطوير مهاراتهم، وفي بناء غرفة أخبار حديثة تواكب المتغيرات العالمية.

 

 

 

ما دور الصحافي في العصر الرقمي؟

خضعنا لدورات متخصصة في تحسين محركات البحث (SEO)، وفهم آليات Google Discover، والقيادة، والإدارة، والتخطيط، وأساليب العمل الحديثة. لم يكن الهدف اكتساب مهارات تقنية فحسب، بل إعادة تعريف دور الصحافي في العصر الرقمي، ليصبح قادراً على الجمع بين جودة المحتوى، وفهم المنصات، واحتياجات الجمهور، من دون أن يتنازل عن المعايير المهنية؛ وبعدما كانت المقولة "الجمهور عايز كده" أصبحت الخوارزميات تريد ذلك، فجاء الذكاء الاصطناعي، ليطرح السؤال الذي شغل العالم: هل سيحلّ مكان الصحافي؟

 

داخل "النهار"، لم يكن هذا هو السؤال. السؤال الحقيقي كان: كيف نجعل الذكاء الاصطناعي يحرر الصحافي من المهمات المتكررة، ليمنحه وقتاً أكبر لما لا تستطيع الآلة القيام به: التحقق، والتحليل، وربط الوقائع، وفهم السياقات، وصناعة المعنى.

 

فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقترح عنواناً، أو يلخص تقريراً، أو يحلل كمّاً هائلاً من البيانات، لكنه لا يمتلك ضميراً، ولا يعرف معنى المسؤولية، ولا يشعر بثقل الكلمة عندما تمسّ حياة الناس أو مستقبل الأوطان.

 

Human First... Human Last

ومن هنا، لم يكن شعار Human First... Human Last مجرد عبارة مؤسسية في "النهار" بل فلسفة عمل كاملة. الإنسان هو من يقرر، وهو من يتحمل مسؤولية النشر، وهو من يحاسب أمام الحقيقة. أما التكنولوجيا، فمهما بلغت من تطوّر تبقى أداة في خدمة الإنسان، لا بديلاً عنه.

ولا يمكن الحديث عن هذه الرؤية من دون الإشارة إلى رئيسة مجموعة "النهار" الزميلة نايلة تويني، التي آمنت منذ سنوات بأن بقاء المؤسسات الإعلامية لن يكون لمن يقاوم التغيير، بل لمن يقوده، فكان الاستثمار في المعرفة، وفي التدريب، وفي الذكاء الاصطناعي، خياراً استراتيجياً سبق كثيراً من المؤسسات الإعلامية في المنطقة، ورسّخ ثقافة تعتبر التعلم المستمر جزءاً من العمل اليومي، لا مشروعاً موقتاً.

 

لقد تعلمت في "النهار" أن المصداقية ليست شعاراً، بل ممارسة. وأن التطور ليس ترفاً، بل مسؤولية. وأن الصحافي الذي يتوقف عن التعلم، يتوقف تدريجياً عن التأثير.

 

وبينما تدخل "النهار" عامها الرابع والتسعين، أزداد يقينا بأن سر استمرارها لم يكن يوماً في عمرها، بل في قدرتها على التجدّد. فالمؤسسات الكبيرة لا تبقى لأنها تخشى المستقبل، بل لأنها تمتلك الجرأة على صناعته.

 

الإنسان هو الغاية

بعد ست سنوات في هذه المدرسة، تعلمت أن الصحافة ليست مجرّد نقلٍ للأحداث، بل مسؤولية تجاه الإنسان، وأن التكنولوجيا، مهما بلغت قوتها، تبقى وسيلة، بينما يبقى الإنسان هو الغاية.


لهذا، ستبقى قناعتي التي خرجت بها من "النهار" راسخة: الصحافة تبدأ بالإنسان... وتنتهي بالإنسان. وبينهما، يبقى التعلم طريقاً، والمصداقية عهداً، والتطور خياراً لا رجعة عنه.



العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 8/3/2026 6:35:00 PM
علقت العائلة يافطات في العاصمة عمان تعلن فيها براءتها منه والمطالبة بإعدامه.
اقتصاد وأعمال 8/3/2026 2:25:00 PM
تقدّر الكلفة السنوية للعطاءات بما لا يقل عن 800 مليون دولار، منها نحو 200 مليون مخصصة للمنح المدرسية والتعويض العائلي، و600 مليون لتغطية كلفة الرواتب والأجور الناتجة من الرواتب الستة الإضافية.
مجتمع 8/2/2026 12:38:00 PM
حذّرت المصلحة من التعرّض المباشر لأشعة الشمس ومن اندلاع الحرائق في المناطق الحرجية.