تركيا: هل تصنع الأحزاب زعاماتها أم تصنع الزعامات أحزابها؟
سمير صالحة*
لم يكن السؤال في الحالة التركية متعلقاً بالحزب أو الزعيم كل على حدة، بل بطبيعة العلاقة بينهما ومن يقود الآخر في لحظات التحول الكبرى. فهناك أحزاب صنعت زعاماتها ومنحتها الشرعية والانتشار، كما أن هناك زعامات أعادت تشكيل أحزابها أو بنت مشاريع سياسية جديدة عندما شعرت بأن المؤسسات القائمة لم تعد قادرة على قراءة التحولات الحاصلة والتعامل معها .
فكما ارتبط "الحزب الديموقراطي" بعدنان مندريس، و"حزب العدالة" بسليمان دميريل، و"الوطن الأم" بتورغوت أوزال، و"العدالة والتنمية" برجب طيب أردوغان، ارتبطت قدرة هذه الأحزاب على التوسع والتأثير بقدرة قياداتها على قراءة المتغيرات الاجتماعية والسياسية.
ولهذا فإن النقاش الدائر اليوم في صفوف المعارضة التركية حول "الحزب الجديد" لا يتعلق بمستقبل أوزغور أوزال أو "حزب الشعب الجمهوري" فحسب، بل بسؤال يتجدد مع كل مرحلة تحول كبرى : من يقود عملية التغيير، الحزب أم الزعيم؟
الانشقاقات الحزبية
لم تكن الانشقاقات الحزبية في تركيا مجرد خلافات تنظيمية عابرة، بل كانت في كثير من الأحيان تعبيراً عن تحولات أعمق داخل المجتمع والدولة. فقد نجح بعض القوى التي خرجت من رحم أحزاب قائمة في إعادة رسم المشهد السياسي، فيما بقيت تجارب أخرى أسيرة لحظة الانشقاق واختفت من الساحة.
ومن هنا تأتي أهمية تجربة أوزغور أوزال، فهو لا يخرج من حزب هامشي بل من أكبر أحزاب المعارضة التركية، حاملاً معه خبرة تنظيمية وقاعدة انتخابية وكتلة برلمانية.
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في كيفية خروجه من "حزب الشعب الجمهوري"، بل في قدرته على إقناع الناخب التركي بأن الحزب الجديد يمثل مشروعاً سياسياً مختلفاً، لا مجرد امتداد لأزمة الحزب الأم أو انعكاساً لصراعاته الداخلية.
يواجه "حزب الشعب الجمهوري" اختباراً لا يقل صعوبة عن ذلك الذي يواجه المنشقين عنه. فالقضية لا تتعلق فقط بخسارة قيادات أو نواب، بل بحصوله على الأصوات اللازمة للبقاء داخل البرلمان التركي في الإنتخابات المقبلة.
في المقابل، يستفيد أوزغور أوزال ورفاقه من لحظة سياسية استثنائية قد لا تتكرر، إذ تتقاطع أزمة الحزب الأم مع إعادة تشكيل التوازنات داخل المعارضة. لكن نجاحهم لن يقاس بحجم الانشقاق الذي قادوه، بل بقدرتهم على تحويله إلى مشروع سياسي ينافس على الوصول إلى السلطة .
تكمن خصوصية المشهد الحالي في أنه يعيد طرح السؤال الذي يختصر جوهر الأزمة: هل تمنح الأحزاب الشرعية لزعاماتها أم أن الزعامات تمنح الأحزاب أسباب بقائها وتجددها؟ وتزداد حساسية هذا السؤال في الحالة التركية لأن الإجابة عنه لم تعد تُصاغ في الميدان السياسي وحده، بل قد تتأثر أيضاً بما تقوله محكمة التمييز في أنقرة.
ولعل ما يميز المشهد التركي اليوم أن الاختبار لا يطاول حزباً جديداً أو حزباً تاريخياً فقط، بل يطاول قدرة الحياة الحزبية التركية على إعادة إنتاج نفسها في مرحلةٍ تتغير فيها موازين القوى داخل المعارضة. فالأزمة الحالية لا تطرح السؤال عن مستقبل أوزغور أوزال أو "حزب الشعب الجمهوري" فحسب، بل تطرح أيضاً السؤال عن قدرة الأحزاب التركية على تجديد أدواتها وقياداتها في مواجهة تحولات سياسية واجتماعية متسارعة.
قد ينجح "الحزب الجديد" وقد يفشل، كما نجحت وفشلت تجارب كثيرة قبله في التاريخ السياسي التركي. لكن أهمية ما يجري اليوم لا تكمن فقط في ولادة حزب جديد من رحم "حزب الشعب الجمهوري"، بل في إعادة فتح نقاش قديم حول طبيعة العلاقة بين الأحزاب وقياداتها.
فالتجربة التركية أظهرت مراراً أن الأحزاب لا تعيش على تاريخها وحده، كما أن الزعامات لا تنجح بالاعتماد على حضورها الشخصي فقط. فالسياسة لا تُقاس بقدرة الأحزاب على البقاء، ولا بقدرة الزعامات على الظهور، بل بقدرة الطرفين على التكيف مع التحولات وصناعة المستقبل.
لذلك فإن الاختبار الحقيقي لا يتعلق بأوزغور أوزال أو بـ"حزب الشعب الجمهوري" وحدهما، بل بقدرة الحياة السياسية التركية على إنتاج توازن جديد بين المؤسسة والزعامة. ومن هنا لا يصبح السؤال فقط من يقود الحزب، بل من يصنع الآخر: الأحزاب أم الزعامات؟
*باحث وأستاذ جامعي في تركيا
نبض