أنا أم حسين …أهدي سلامي
علي الرز
بعد الهزيمتيْن المُسَمَّتَيْن "النكبة" 1948 و"النكسة" 1967، طَغَتْ ظاهِرةٌ في موجاتِ الأثير تحديداً عنوانُها رسائل النازحين الفلسطينيين في أرضهم واللاجئين في أراضي الآخَرين. كانت هذه الرسائل الصوتية عبر الراديو هي صِلَتُهم بالأهل والأقرباء بل والعالم قبل التطور التكنولوجي وسيطرة وسائل الإعلام الحديثة والهواتف النقّالة.
إذاعاتُ الشرق الأدنى، وصوت العرب، والقدس، وعمان، خَصصت برامج مثل "رسائل إلى الأحبة" أو "ركن المفقودين" أو "تحية وسلام"، كانت غالبية المتحدثات فيها من النازحات أو اللاجئات وذلك لتطمين مَن فَقَدْنَ الاتصال بهم. حتى في لبنان، كانت النسوة في المنازل يَستمعن إلى هذه البرامج إما للاطمئنان على صديقة تعرفها من فلسطين او تَضامناً مع مَن يتحدث و"لعْن الصهاينة" كلما شرحتْ هذه السيدة أو تلك معاناتها.
كانت الأصوات تملأ الفضاءَ المنزلي أو في الشوارع: "أنا أم فاروق من جنين موجودة الآن في مخيم جباليا. أُهْدي سلامي إلى أخواتي أم عدنان من بيسان وأم محمود من صفد وأم ياسر من اللد، نحن بخير طمّنونا عنكم. خَرَجْنا من منازلنا ليلاً بَحْثاَ عن مأوى لكننا وَجَدْنا أنفسنا مع مجموعات أخرى. توجّهنا إلى المخيم. رفضتْ الإدارة تطوير المكان كي لا يحصل استقرار وننسى العودة إلى منازلنا، على الأقل اللي لسه ما هدّوه الله يهدّهم. الحالة مأسوية إنما الحمد لله ما زلنا على قيد الحياة وسنعود. الحليب موجود والبطانيات والخبز، ولدينا أنواع جبن بعلب حديد، وهناك ترتيبات لماء الشرب والاغتسال. بلَّغونا الشباب، ما قَصّروا، أن العودة قريبة وأن المساعدات قادمة لإعادة بناء مَن هُدّم منزله، وعصاباتُ بني صهيون انشالله ما بيعود عندهم حَجَر على حَجَر. الله كريم، بس أبو فاروق وفاروق ما بيتعوّضوا".
تتكرر رسائل الاطمئنان من مناطق اللجوء أيضاً في الأردن وسورية ولبنان على المنوال نفسه: أنا فلانة من حيفا، أُهْدي سلامي إلى وإلى وإلى ...
عَبَرَتْ "أُهْدي سلامي" إلى الذاكرة مجدداً وأبناء الجنوب اللبناني الذين دَفَعوا ثَمَنَ حربيْ الإسناد مِن عدوٍّ كان ينتظر "الهدية" على أحرِّ من جَمْرِ حقارته ووحشيته. وصلتْ طوابير النازحين هذه المرة إلى العاصمة وغيرها من المناطق، ليس بعناوين مُخَفَّفَة للهزيمة، مثل نكبة أو نكسة، بل على وقع "انتصارٍ" رغم سقوط آلاف الشهداء وإبادةِ قرى بكل ما فيها. فَتَحَ مَن استطاع بيتَه لنازحين، واستأجر مَن استطاع، وسَكَنَ كثيرون في مدارس وخِيَم يَنتظرون المساعدات ورحمة الله.
في الخيال الافتراضي، قياساً على تهجير النكبة والنكسة وما تَلاهما من إحراقِ مدنٍ وإبادة قرى في فلسطين، وتَجاوُزاً لوجودِ وسائل تَواصُلٍ متقدّمة وحديثة تُغْني عن الراديو، يمكن رَصْدُ رسالة تطمينٍ كالآتي:
أنا أم حسين من عيتا الشعب، أُهْدي سلامي إلى أم علي من الضيعة، وأم جورج من رميش، وأم يوسف من رامية، طمّنونا عنكم. نحن بخير في مخيم الواجهة البحرية في بيروت، أَمَدَّ الله بعمر الشباب الذين يساعدوننا. مَرّةً يقولون إنهم من الحكومة ومَرّة من غير الحكومة، يُحْضِرون لنا صناديق وَجْباتٍ غذائية محترَمة فيها حليب وخبز وأجبان ولحوم، ويُنَظِّمون الحركة. بإذن الله نلتقي قريباً إذا بَعدها بيوتنا ما انهدّت الله يهدّهم. أَبْلَغونا أننا سنعود ومَن تَهَدَّم منزلها سيعاد بناؤه من المساعدات. بل أبلغونا أكثر من ذلك أن الحزب يحضّر الظروف لإزالة إسرائيل انشالله ما بيبقى فيها حَجَر على حَجَر. الله كريم، بس أبو حسين وحسين ما بيتعوّضوا".
عندما مَشَيْنا في تظاهراتِ عام 1971 نهتف:"بالبارودة والمدفع رَحْ حَرِّرْ أرضي وإرْجَع"، كان أكثر من نصف فلسطين ما زال موجوداً وكل مساحة لبنان. البعض ما زال ينتظر حتى "يرجع" من 78 سنة، وما زال يهتف: "نِرْمي سلاحْنا مِشْ معقول، الحلّ السِلمي مِشْ مقبول". مَشَيْناها تظاهراتٍ كُتبتْ علينا، ولم ندرك أن علينا... التفكير خارج "التظاهرة".
فاتَنا، ونحن نتظاهر، أن حقَّ العودة مرتبط بعودة الحق، وأن عودةَ الحقّ مرتبطة بضميرٍ عالمي غائب وبَصيرةٍ مُمانِعَة قاصرة. ضاعتْ هذه العودة بين صَمْتٍ أقرب إلى المشاركة والتآمر، ومغامراتٍ عسكرية وحروبِ إسنادٍ و"طوافاناتٍ" أقرب إلى التواطؤ.
سلامي القلبي إلى كل أم فاروق وأم حسين.
نبض