الصراع على لبنان وداخله: من أزمة السيادة إلى أزمة في معنى الدولة الوطنية

آراء 28-07-2026 | 04:48

الصراع على لبنان وداخله: من أزمة السيادة إلى أزمة في معنى الدولة الوطنية

لم تبدأ أزمة السيادة اللبنانية مع دخول القوى الخارجية إلى الساحة اللبنانية، بل سبقتها مرحلة من ضعف قدرة الدولة على بناء هويّة وطنية جامعة تتجاوز الانتماءات الأولية.
الصراع على لبنان وداخله: من أزمة السيادة إلى أزمة في معنى الدولة الوطنية
احتلال إسرائيلي متكرر لأراض لبنانية
Smaller Bigger

 نزيه الخياط*

لم تكن أزمة لبنان، منذ قيام دولته الحديثة، مجرد أزمة حدود أو صراع داخلي على السلطة، بل كانت في جوهرها أزمة سيادة. فـالدولة لا تستمد سيادتها من الاعتراف الدولي أو من استمرار مؤسساتها الدستورية فحسب، بل من قدرتها الفعلية على السيطرة على إقليمها، واحتكار استخدام القوة الشرعية، واتخاذ قراراتها الاستراتيجية بصورة مستقلة.

ومن هنا يبرز السؤال الذي يتجاوز الخلافات السياسية اليومية إلى جوهر الدولة نفسها:

هل يمكن لدولة أن تكون كاملة السيادة إن كانت أرضها أو قرارها أو احتكارها للقوة خاضعة لتأثير قوى خارجية أو مراكز نفوذ تتجاوز مؤسساتها الشرعية؟

تنطلق هذه القراءة التحليلية من فرضية مفادها أن تآكل السيادة اللبنانية لم يكن نتيجة عامل منفرد، بل حصيلة تفاعل بين هشاشة البناء الداخلي وتدخلات إقليمية متعاقبة. فقد جعل ضعف الدولة في بناء هوية وطنية جامعة لبنان أكثر قابلية للاختراق، فيما أسهمت التدخلات الخارجية في إضعاف مؤسساته وتحويله تدريجاً من دولة مرجعية لها دورها ووظيفتها في الإقليم إلى ساحة تتنافس فيها وعليها المشاريع الإقليمية.

وفي هذا السياق، عرف لبنان ثلاثة أنماط رئيسية من انتقاص السيادة:

الاحتلال الإسرائيلي للأرض، عبر السيطرة العسكرية على أجزاء من الإقليم والانتقاص من قدرة الدولة على حماية حدودها.
الهيمنة السورية على الدولة، إذ بقيت المؤسسات قائمة شكلياً، فيما خضع القرار السياسي والأمني لمنظومة نفوذ أعادت رسم حدود استقلاليتها.
النفوذ الإيراني الذي أضحى احتلالاً للقرار اللبناني، مع بروز "حزب الله" أداةً لبنانية للمشروع الإيراني، ارتبطت بنيوياً واستراتيجياً، والأخطر عقائدياً، بإيران، وامتلكت قدرات عسكرية وسياسية واجتماعية جعلتها تنازع الدولة غالبية وظائفها السيادية.

ولا تهدف هذه المقاربة إلى مساواة هذه التجارب من حيث طبيعتها أو أدواتها،  فالاحتلال العسكري يختلف عن الهيمنة السياسية والأمنية، كما يختلف النفوذ عبر قوة داخلية عن السيطرة الخارجية المباشرة. غير أن معيار التحليل يبقى واحداً: مدى تأثير كل تجربة في قدرة الدولة اللبنانية على احتكار وظائفها السيادية.

ومن منظور الجغرافيا السياسية، لا تُختزل الدولة في حدودها، بل تقوم على علاقة متكاملة بين الأرض والسكان والسلطة. وعندما تعجز عن تنظيم هذه العلاقة، تتحول الجغرافيا من إطار للسيادة إلى مجال تتنافس فيه قوى متعددة على النفوذ والقرار.

ومن هنا ينطلق السؤال المركزي للمقال:

كيف انتقل لبنان من أزمة السيطرة على الأرض إلى إشكالية احتلال قراره، وكيف أصبح الصراع على الدولة نفسها جزءاً من الصراع على مستقبل الكيان اللبناني؟

أولاً: من الدولة إلى الساحة: الجذور الداخلية لتآكل السيادة اللبنانية

لم تبدأ أزمة السيادة اللبنانية مع دخول القوى الخارجية إلى الساحة اللبنانية، بل سبقتها مرحلة من ضعف قدرة الدولة على بناء هوية وطنية جامعة تتجاوز الانتماءات الأولية. فالدولة التي تعجز عن تحويل التعدّد الاجتماعي إلى إطار مواطني مشترك تصبح أكثر عرضة لتحوّل تناقضاتها الداخلية إلى مداخل للتدخلات الإقليمية.

عند استقلال لبنان عام 1943، قامت الدولة على صيغة توافقية هدفت إلى إدارة التنوّع الطائفي عبر توزيع السلطة بين مكوّناته الأساسية. وقد وفّرت هذه الصيغة قدراً من الاستقرار في مرحلة التأسيس، لكنها ربطت الشرعية السياسية بتوازنات طائفية وديموغرافية متحركة، بدل ترسيخها نهائياً على مفهوم المواطنة والمؤسسات.

ثم جاءت نكبة فلسطين عام 1948 لتشكل أول اختبار حقيقي لهذا النموذج، إذ لم تقتصر آثارها على القضيّة الفلسطينية، بل أدخلت العاملين الإقليمي والديموغرافي بقوة إلى الحياة السياسية اللبنانية، فأصبح النقاش مرتبطاً أيضاً بهويّة لبنان وموقعه ودوره في محيطه العربي.

ومع مرور الزمن، تشكلت داخل البيئات الطائفية مجالات اجتماعية تحمل ذاكرتها الجماعية وهواجسها الأمنية وامتداداتها السياسية، فتحوّل التنوّع، في ظلّ ضعف المؤسسات الوطنية، من مصدر غنى إلى عامل يعيد إنتاج الانقسام.

وبرز ذلك بوضوح في أزمة 1958، حينما تجاوز الصراع الخلافات الداخلية ليصبح جزءاً من تنافس إقليمي ودولي كشف محدودية قدرة الدولة على إدارة أزماتها بمعزل عن محيطها. ثم جاءت هزيمة 1967 لتضعف النظام العربي الرسمي وتفتح المجال أمام مشاريع إقليمية جديدة، فيما ارتبطت القضية الفلسطينية أكثر بالعمل العسكري المباشر، الأمر الذي جعل لبنان، بحكم موقعه وتركيبته، أكثر قابلية للتحول إلى ساحة تتقاطع فيها مشاريع متنافسة.

وهكذا، لم يكن تآكل السيادة اللبنانية نتيجة التدخلات الخارجية وحدها، بل نتاج تفاعل عاملين متلازمين:

ضعف الدولة في بناء عقد وطني جامع يتجاوز الانقسامات الداخلية.
قدرة القوى الإقليمية على استثمار هذا الضعف وتحويله إلى أدوات نفوذ داخل المجتمع والدولة.

ومن هنا بدأ التحوّل التاريخي للبنان من دولة تواجه أزمات داخلية إلى ساحة تتنافس عليها المشاريع الإقليمية، وهو التحوّل الذي سينقل أزمة السيادة لاحقاً من السيطرة على الأرض إلى السيطرة على القرار.

ثانياً: من احتلال الأرض إلى تفكيك الدولة: الاحتلال الإسرائيلي والوصاية السورية

إن كان ضعف البناء الداخلي في لبنان هيّأ البيئة لتنامي التدخلات الخارجية، فإن هذه التدخلات لم تقتصر على التأثير في التوازنات السياسية، بل طالت جوهر الدولة ووظائفها السيادية.

وقد عرف لبنان نموذجين مختلفين من الهيمنة الخارجية، اختلفا في الأدوات والسياقات، لكنهما التقيا في نتيجة واحدة: إضعاف قدرة الدولة على ممارسة سيادتها على الأرض والقرار والمؤسسات.

مثّل الاحتلال الإسرائيلي النموذج التقليدي لفقدان السيادة على المجال الجغرافي، إذ شكلت السيطرة العسكرية على أجزاء من الأراضي اللبنانية وفرض ترتيبات أمنية خارج الإرادة الوطنية انتقاصاً مباشراً من أحد أهم مقوّمات الدولة الحديثة: احتكار السيطرة على الإقليم وحماية الحدود.

ومنذ الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، مروراً باستمرار الاحتلال في الجنوب حتى عام 2000، وصولاً إلى استمرار النزاع حول مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وفق الموقف اللبناني الرسمي، بقي الاحتلال الإسرائيلي نموذجاً واضحاً للمساس بسيادة لبنان على جزء من أراضيه.

غير أن أزمة السيادة لم تتوقف عند الاحتلال العسكري، بل دخلت مرحلة أكثر تعقيداً مع الوصاية السورية. فقد دخلت قوات سوريا إلى لبنان عام 1976 في سياق الحرب الأهلية والتوازنات العربية والإقليمية، قبل أن يتحوّل وجودها تدريجاً إلى منظومة هيمنة سياسية وأمنية استمرت حتى عام 2005.

ويكمن الفرق الجوهري بين النموذجين في أن إسرائيل مارست نفوذها من خارج الدولة عبر الاحتلال العسكري، بينما مارست سوريا نفوذها من داخل مؤسسات الدولة اللبنانية، مستفيدة من الانقسامات الداخلية لإعادة رسم مركز القرار السياسي والأمني.

 ولم يكن المشروع السوري قائماً على إلغاء الدولة اللبنانية، بل على الإبقاء على مؤسساتها الدستورية والإدارية مع إفراغها تدريجاً من استقلاليتها ووظيفتها السيادية. فاستمرت الرئاسة والحكومة ومجلس النواب والإدارات العامة، لكن صياغة القرارات المفصلية، بل وحتى كثير من القرارات التفصيلية، باتت تصدر عملياً عن منظومة نفوذ أمنية وسياسية تتجاوز المؤسسات اللبنانية، التي انحصر دورها في التنفيذ ومنح تلك القرارات غطاءها الدستوري وإخراجها الرسمي.

وتجلت هذه الوصاية في أربعة مسارات رئيسية:

السيطرة على المجال الأمني عبر الدور المحوري للأجهزة السورية.
التأثير في تشكيل الحكومات والانتخابات والتحالفات والخيارات الاستراتيجية.
إعادة إنتاج جزء من النخبة السياسية من خلال شبكة مصالح ارتبطت بمنظومة الوصاية.
إخضاع التعيينات والقرارات الكبرى لمعادلات النفوذ أكثر من خضوعها لمقتضيات الدولة.

وهكذا، لم تكن المشكلة في غياب مؤسسات الدولة، بل في فقدانها استقلالية القرار. فقد بقيت قائمة قانونياً وإدارياً، لكنها لم تعد المرجعية النهائية في القضايا السيادية.

كذلك رسّخت الوصاية السورية نموذجاً جديداً لفقدان السيادة، يقوم على استمرار مؤسسات الدولة شكلياً مقابل تعدد مراكز القرار وإضعاف المرجعية الوطنية الواحدة.

وجاء اتفاق الطائف عام 1989 ليشكل محاولة لإنهاء الحرب الأهلية وإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة، غير أن تطبيقه بقي محكوماً باستمرار الوصاية السورية، فأنهى الحرب لكنه لم يستكمل بناء الدولة السيادية.

وعندما انسحبت القوات السورية عام 2005، برز سؤال جديد:

هل كان خروج القوة الخارجية كافياً لاستعادة السيادة، أم أصبحت المشكلة كامنة في بنية النظام السياسي نفسه بما يسمح باستمرار تعدّد مراكز القرار داخل الدولة؟

لقد كشفت هذه المرحلة أن أزمة السيادة لم تعد مرتبطة فقط بمن يسيطر على الأرض، بل بمن يمتلك القرار الاستراتيجي للدولة، وهو التحوّل الذي مهّد للانتقال إلى مرحلة أكثر تعقيداً مع بروز النفوذ الإيراني عبر "حزب الله".

ثالثاً: من الوصاية السورية إلى النفوذ الإيراني: أزمة القرار السيادي وبروز الدولة الموازية  

لم يؤدِّ انتهاء الوصاية السورية عام 2005 إلى استعادة لبنان كامل سيادته، لأن جوهر الأزمة لم يكن مرتبطاً بانسحاب قوة إقليمية فحسب، بل ببنية سياسية سمحت بقيام مراكز قوة تتجاوز الدولة وتربط جزءاً من القرار الوطني بمشاريع خارجية.

 فقد أنهى خروج القوات السورية شكلاً من أشكال الوصاية، لكنه لم يُعد إلى الدولة اللبنانية احتكارها الكامل للقرار السيادي، إذ بقيت مؤسساتها تعاني من الضعف، في مقابل صعود "حزب الله" بوصفه قوة تمتلك قدرات عسكرية وسياسية وتنظيمية، وترتكز على مرجعية عقائدية واستراتيجية مرتبطة بإيران، ما مكّنه من تجاوز حدود الحزب السياسي التقليدي.

ومع تراجع الدور السوري، انتقل مركز الثقل الإقليمي تدريجاً إلى إيران، ولكن عبر نموذج مختلف. فإن كانت سوريا مارست نفوذها من خلال حضور دولة إقليمية داخل لبنان، فإن إيران اعتمدت على علاقة استراتيجية مع "حزب الله"، الذي تطوّر من تنظيم مقاوم إلى قوة ذات حضور سياسي وعسكري واجتماعي واسع، ترتبط في الوقت نفسه برؤية إقليمية تتجاوز الحدود اللبنانية.

 وهنا تكمن خصوصية هذه المرحلة؛ إذ لم تعد المشكلة في وجود قوة خارجية فوق الدولة، بل في وجود قوة لبنانية داخلها تمارس بعض وظائف السيادة خارج الإطار الكامل للمؤسسات الشرعية، بما يجعل جزءاً من القرار السيادي اللبناني متداخلاً مع المصالح الاستراتيجية الإيرانية.

 وقد نشأ "حزب الله" في سياق التحولات التي أطلقتها الثورة الإيرانية عام 1979، وتعزز حضوره بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 عبر علاقة بنيوية واستراتيجية مع الحرس الثوري الإيراني. ومع مرور الزمن، لم يقتصر دوره على البعد العسكري، بل بنى شبكة واسعة من المؤسسات السياسية والتربوية والتعبوية والاجتماعية والإعلامية والاقتصادية، رسخت حضوره في الحياة اللبنانية.

غير أن الإشكالية لا تكمن في وجود حزب قوي أو في طبيعة علاقاته الخارجية، بل في السؤال الذي تطرحه الدولة الحديثة:

من يملك القرار النهائي في القضايا السيادية؟

فالدولة لا تُعرَّف فقط بوجود مؤسسات دستورية، بل بوحدة المرجعية التي تحتكر قرار الحرب والسلم، والعلاقات الخارجية، واستخدام القوة المسلحة.

وعندما تمتلك قوة داخلية قدرات عسكرية مستقلة عن الدولة، وترتبط في قراراتها الاستراتيجية بمشروع إقليمي، تنشأ ازدواجية في المرجعية السيادية بين:

الدولة ومؤسساتها الدستورية التي تمثل الإرادة الوطنية الجامعة .
ومرجعية موازية لا تستند إلى إجماع وطني تمتلك القدرة على التأثير في الخيارات المصيرية للدولة.

ومن هنا يبرز مفهوم «احتلال القرار»، الذي لا يعني احتلالاً عسكرياً للأرض، بل وضعاً تصبح فيه الدولة عاجزة عن احتكار قرارها الاستراتيجي بسبب وجود قوة داخلية تتمتع باستقلالية فعلية عن مؤسساتها وترتبط بحسابات إقليمية أوسع.

 وتتجلى هذه الإشكالية بوضوح في قضيّة السلاح خارج الدولة، فالمسألة لا تتعلق بمجرد امتلاك تنظيم سياسي قدرات عسكرية، بل بوجود منظومة قرار أمني واستراتيجي لا تخضع بصورة كاملة للتسلسل الدستوري، ولا لآليات الرقابة والمساءلة والمحاسبة التي تؤطر ممارسة السلطة في الدولة الحديثة.

وهل تستطيع الدولة اللبنانية وحدها تحديد موقعها في الصراعات الإقليمية، واتخاذ قرارات الحرب والسلم بصورة مستقلة؟

ازداد هذا السؤال إلحاحاً بعد تدخل "حزب الله" عسكرياً في سوريا منذ عام 2011، إذ لم يعد النقاش محصوراً بموقع الحزب داخل النظام اللبناني، بل أصبح متعلقاً أيضاً بموقع لبنان نفسه داخل صراعات الإقليم.

وهنا يبرز الفرق الجوهري بين النموذجين السوري والإيراني؛ فقد مارست سوريا نفوذها عبر التحكم المباشر بمؤسسات الدولة، بينما يقوم النموذج الإيراني على نفوذ يُمارس من خلال قوة لبنانية تتمتع بشرعية سياسية واجتماعية داخلية، لكنها ترتبط بنيوياً واستراتيجياً بمشروع إقليمي تقوده إيران.

 ولهذا تبدو استعادة الدولة أكثر تعقيداً، لأن المسألة لم تعد تتعلق بإنهاء وجود خارجي مباشر، بل بإعادة توحيد المرجعية السيادية داخل المجتمع اللبناني نفسه، وهو ما يجعل هذا التحوّل يمثل تحدّياً وجودياً للكيان اللبناني.

ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي لا يقتصر على معالجة قضيّة السلاح، بل يتمثل في إعادة بناء القرار الوطني الموحّد، بحيث تصبح الدولة وحدها المرجعية النهائية في القضايا المصيرية.

غير أن النفوذ الإقليمي لا يستمر بالقوة العسكرية وحدها، بل يحتاج إلى بيئة اجتماعية وثقافية تعيد إنتاجه وترسيخه، وهو ما يقود إلى المستوى الأعمق من أزمة السيادة: الهوية الوطنية الجامعة.

رابعاً: من القرار إلى الهويّة: إعادة تشكيل المجال الاجتماعي والسياسي

لا يكتمل فهم أي مشروع نفوذ إقليمي عند حدود أدواته العسكرية والسياسية، لأن استمراره لا يعتمد على القوة الصلبة وحدها، بل يحتاج إلى بيئة اجتماعية وثقافية وفكرية قادرة على إعادة إنتاجه وترسيخه. فالقوة العسكرية قد تفرض توازناً سياسياً، لكنها لا تضمن استمراره ما لم تستند إلى منظومة مؤسساتية تؤثر في الوعي والانتماء.

ومن هذا المنطلق، فإن فهم النفوذ الإيراني في لبنان لا يقتصر على العلاقة العسكرية والأمنية بين إيران و"حزب الله"، بل يمتد إلى المجال الاجتماعي والبنيوي الذي تشكل حوله، حيث تطوّرت شبكة من المؤسسات الاجتماعيّة والمالية والتعليمية والإعلامية والثقافية والدينيّة، أسهمت في بناء بيئة سياسية متماسكة تتجاوز الإطار الحزبي التقليدي.

 ولا تكمن الإشكالية في وجود مؤسسات اجتماعية مرتبطة بجماعة لبنانية، فهذا أمر عرفه لبنان تاريخياً نتيجة تعدديته الطائفية، إذ امتلكت مختلف الجماعات مؤسساتها الخاصة. لكن تظهر الإشكالية عندما تصبح هذه المؤسسات جزءاً لا يتجزأ من مشروع سياسي عابر للحدود، يعيد إنتاج تصوّر مختلف للدولة ولموقع لبنان داخل الإقليم.

وهنا تنتقل أزمة السيادة من مستوى القرار السياسي إلى مستوى أعمق يتعلق بإنتاج الهوية الوطنية نفسها. فالدولة لا تفقد سيادتها فقط عندما تعجز عن احتكار استخدام القوة، بل أيضاً عندما تفقد قدرتها على إنتاج المجال الوطنيّ المشترك الذي تتشكل داخله هويّة المواطنين وانتماؤهم السياسي.

وتكتسب التنشئة السياسية أهمية خاصة في هذا السياق، لأن الأجيال الجديدة تتشكل عبر الأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسات الثقافية والاجتماعية ومؤسسات التعبئة العقائدية والدينية. ومن خلال هذه الأدوات يعاد صوغ مفاهيم الدولة والوطن والسيادة والانتماء، بحيث قد تتقدّم الهويّة السياسية أو العقائدية على الهويّة الوطنية الجامعة.

وعند هذه النقطة لا يعود السؤال محصوراً في:

من يملك السلاح؟ بل يصبح:

من يحدد معنى المصلحة الوطنية؟ ومن يملك المرجعية النهائية في تعريف موقع لبنان وخياراته؟

ولا تكمن خطورة هذا الواقع في وجود اختلاف سياسي، فالاختلاف طبيعي في المجتمعات الديموقراطية، بل في تحوّله إلى اختلاف في مصادر الشرعية والهويّة والانتماء. فالمشكلة اللبنانية التاريخية لم تكن في التعدد، بل في عجز الدولة عن تحويله إلى مواطنة جامعة، بحيث تبقى المرجعية الوطنية العليا فوق كل ارتباط آخر.

 ولهذا فإن استعادة الدولة اللبنانية لا تتطلب فقط استعادة قرارها الأمني والعسكري، بل أيضاً استعادة دورها في التربية والتعليم والثقافة والتنمية، بما يفضي إلى صوغ هويّة وطنية جامعة من خلال تنشئة وطنية جامعة. فالدولة التي تعجز عن إنتاج سرديتها الوطنية تترك المجال لسرديات أخرى أكثر قدرة على التعبئة والتنظيم.

ومن هنا فإن أزمة السيادة اللبنانية لا تُختصر في سؤال:

من يملك السلاح؟
بل تمتدّ إلى السؤال الأعمق:
من يملك القدرة على تشكيل وعي المجتمع وتحديد معنى الانتماء الوطني؟

خامساً: الجغرافيا والديموغرافيا وحدود المشروع الإيراني في المشرق العربي

لا يمكن فهم أزمة السيادة اللبنانية بمعزل عن الموقع الجغرافي للبنان داخل المشرق العربي. فلبنان، رغم صغر مساحته، كان تاريخياً نقطة تماس بين فضاءات سياسية وجغرافية متداخلة: سوريا، وفلسطين، وشرق المتوسط، والعالم العربي. وهذه الخصوصية جعلته أكثر عرضة لتأثير التوازنات الإقليمية كلما ضعفت مؤسساته الداخلية.

غير أن الجغرافيا وحدها لا تفسّر هشاشة الدولة. فالموقع الجغرافي قد يكون مصدر قوة عندما تمتلك الدولة مؤسسات قادرة على إدارة علاقاتها الخارجية من موقع السيادة، لكنه يتحول إلى مصدر ضعف عندما تعجز عن احتكار القرار الوطني.

ومن هذا المنطلق، لم تتحرك القوى الإقليمية، وفي مقدمتها إيران، من فراغ، بل وجدت في الانقسامات اللبنانية بيئة ملائمة لبناء النفوذ. وكلما تراجعت قدرة الدولة المركزية على احتكار القرار، ازدادت قدرة القوى المرتبطة بالخارج على التحول إلى قنوات تأثير داخل المجتمع والدولة.

وقد برز ذلك بوضوح في المشرق العربي خلال العقود الأخيرة، حيث تداخلت أزمات العراق وسوريا ولبنان واليمن ضمن شبكة واحدة من الصراعات الإقليمية. وفي هذا السياق اكتسبت سوريا موقعاً محورياً بحكم اتصالها الجغرافي بين العراق ولبنان وفلسطين والأردن وتركيا، فأصبحت السيطرة على المجال السوري أو التأثير فيه عنصراً أساسياً في موازين القوى الإقليمية.

وانعكس ذلك مباشرة على لبنان، حيث تطورت العلاقة السورية-الإيرانية إلى شراكة استراتيجية في إدارة النفوذ الإقليمي. إلا أن أدوات هذا النفوذ تغيّرت مع الزمن؛ ففي مرحلة الوصاية السورية كان التأثير يمارس عبر دولة إقليمية ذات حضور مباشر داخل لبنان، بينما أصبح المشروع الإيراني يعتمد أساساً على قوة لبنانية داخلية مرتبطة برؤية إقليمية أوسع.

وهنا تكمن خصوصية المشروع الإيراني في المشرق العربي؛ فهو لم يعتمد فقط على الحضور العسكري المباشر، بل على بناء شبكة نفوذ تمتد عبر حلفاء محليين ومؤسسات سياسية واجتماعية و مالية وأمنية، بهدف تعزيز موقع إيران في معادلات الإقليم. وفي الحالة اللبنانية، تجسّد هذا النفوذ بصورة أساسية عبر "حزب الله" الذي أصبح إحدى أهم أدوات هذا المشروع داخل الدولة والمجتمع.

وهذا التحوّل جعل أزمة السيادة أكثر تعقيداً، لأن إعادة بناء الدولة لم تعد مرتبطة بانسحاب قوة خارجية فقط، بل بإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة ومراكز القوة داخل المجتمع نفسه.

ولا ينبغي تفسير هذه التحالفات من منظور مذهبي صرف، لأن العلاقات بين الدول تقوم أساساً على المصالح الجيوسياسية والأمنية. غير أن البعد الهوياتي أسهم في ترسيخ بعض الاصطفافات داخل جزء من البيئة السياسية الشيعية في لبنان، وجعل بناء مرجعية وطنية جامعة أكثر صعوبة عندما تتقدم الانتماءات العابرة للحدود على الانتماء إلى الدولة.

ومع ذلك، يبيّن التاريخ أن قدرة أي مشروع إقليمي، لا سيما المشروع الإيراني، على إعادة تشكيل المجتمعات تبقى محدودة، لأن المجتمعات العربية، في فضاءاتها الجغرافية المترامية، تحمل تراكمات تاريخية وثقافية ودينية لا يمكن تجاوزها أو إعادة تشكيلها بالكامل.

ومن هنا، فإن مستقبل لبنان لا تحدده فقط موازين القوى الإقليمية، بل قدرة اللبنانيين على إعادة بناء الدولة الوطنية باعتبارها المرجعية الوحيدة التي تنظم التعدد وتحمي السيادة.

فالمشكلة ليست في موقع لبنان الجغرافي، فهذا معطى ثابت، بل في ضعف الدولة الذي حوّل هذا الموقع من عنصر قوة إلى مصدر هشاشة.

وهنا يعود السؤال المركزي:

هل يستطيع لبنان أن يستعيد دولة تحتكر القرار والسيادة، أم يبقى ساحة مفتوحة لتوازنات المشاريع الإقليمية والدولية؟

الاستنتاج: بين استعادة الدولة الوطنية أو التحول إلى موضوع توزيع النفوذ والجغرافيا في لحظة إعادة رسم الخرائط والتسويات الإقليمية، تكشف التجربة اللبنانية أن أزمة السيادة لم تكن نتيجة عامل خارجي منفرد، بل حصيلة تفاعل مستمر بين هشاشة داخلية في بناء الدولة وتدخلات إقليمية متعاقبة وجدت في هذا الضعف بيئة ملائمة للنفوذ. فالتعدد الاجتماعي لم يكن في ذاته مصدر الأزمة، بل عجز الدولة اللبنانية عن تحويله إلى عقد وطني يجعل المؤسسات والقرار السيادي المرجعية العليا لتنظيم الاختلاف.

 ومن هنا، فإن التحدي الذي يواجه لبنان لا يقتصر على إنهاء تعدد مراكز القوة، بل يرتبط باستعادة الدولة باعتبارها المرجعية الوحيدة التي تحتكر القرار السيادي، وتحدد خيارات الحرب والسلم والعلاقات الخارجية.

ولا يمكن تحقيق ذلك باستبدال نفوذ خارجي بآخر، ولا بإقصاء أي مكوّن من مكوّنات المجتمع، لأن جوهر الأزمة ليس في التعدّد اللبناني، بل في غياب الدولة القادرة على تنظيم هذا التعدّد ضمن إطار وطني جامع.

ولهذا، فإن استكمال تطبيق اتفاق الطائف يجب أن يُفهم باعتباره مشروعاً لإعادة بناء الدولة، لا مجرد تسوية دستورية. ولا يقتصر ذلك على تنفيذ نصوصه غير المطبّقة، بل يقتضي أيضاً إزالة مواطن الالتباس التي سمحت بتعدّد الاجتهادات وتعطيل بعض أحكامه، بما يحول دون استثمارها في الصراعات السياسية الداخلية أو توظيفها من قبل قوى إقليمية تعارض قيام دولة وطنية مدنية تحتكر قرارها السيادي.

إن استمرار تعطيل الدستور النافذ لا يفضي إلى إضعاف الدولة فحسب، بل يفتح الباب أمام تحويل لبنان إلى ساحة لتقاسم النفوذ بين القوى الإقليمية، بما يهدد الكيان نفسه في مرحلة تشهد إعادة رسم خرائط النفوذ والتسويات في المنطقة.

إن معركة لبنان الحقيقية ليست بين طوائفه، بل بين منطقين:

منطق الدولة الوطنية التي تجعل السيادة والمؤسسات فوق جميع الولاءات.
ومنطق الساحة التي تجعل البلاد مجالاً مفتوحاً لتنافس المشاريع الإقليمية والدولية.

وفي لحظة إعادة رسم الخرائط والتسويات الإقليمية، لا يتعلق السؤال بمن يحكم لبنان فقط، بل:

هل سيبقى لبنان قادراً على تحديد موقعه بنفسه، أم يتحوّل إلى موضوع في حسابات الآخرين؟

فالدولة التي لا تحتكر قرارها لا تستطيع حماية أرضها، والدولة التي لا تمارس وظائفها السيادية كاملة لا تستطيع ضمان استقلالها. ومن ثم، فإن مستقبل لبنان سيُحسم بقدرته على إعادة تأسيس دولة يكون فيها القرار الوطني واحداً، والسيادة واحدة، والمرجعية الدستورية واحدة.

 

*أكاديمي ـ باحث في الشؤون الجيوسياسية 

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 7/27/2026 9:39:00 AM
ممثل موزعي المحروقات فادي أبو شقرا يوضح لـ"النهار"
أوروبا 7/26/2026 2:17:00 PM
أصدرت الشرطة مواصفات للمشتبه به، مشيرة إلى أنه نحيف البنية، يبلغ طوله نحو 1.90 متر، ذو شعر أسود، وكان يرتدي سترة سوداء بغطاء للرأس (هودي) وسروالاً أبيض.
لبنان 7/27/2026 11:00:00 AM
ما الذي يجعل نشاط حركة "عوري تسافون" التي تعني "استيقظ أيها الشمال"، غير قادرة على أخذ موافقة الحكومة الإسرائيلية والقوى العسكرية للدخول إلى جنوب لبنان أو الاستيطان؟