باب المندب في معادلة الصراع
هذه الاستراتيجية تدفع الولايات المتحدة وحلفاءها إلى التعامل مع جبهتين بحريتين في وقت واحد. فتأمين الملاحة في مضيق هرمز يختلف عن تأمين باب المندب، وهو ما يفرض انتشاراً بحرياً عسكرياً أوسع ولفترة أطول.
تحولت الممرات البحرية إلى إحدى أدوات الصراع الإقليمي، وأصبح باب المندب جبهة جديدة في المواجهة الأميركية - الإيرانية. والخطر لا يكمن في إغلاق الممر بالكامل، إذ يكفي ارتفاع مستوى المخاطر حتى تعيد شركات الشحن حساباتها، وترتفع تكاليف التأمين، وتزداد الضغوط على الاقتصاد العالمي.
ازدادت الأهمية الاستراتيجية لباب المندب مع اعتماد السعودية بصورة أكبر على ميناء ينبع وخط أنابيب الشرق والغرب لتصدير جانب من نفطها عبر البحر الأحمر. ومنذ ذلك الوقت، أصبحت سلامة الملاحة في هذا الممر أكثر ارتباطاً بأمن الطاقة العالمي، إذ إن أيّ اضطراب فيه ينعكس مباشرة على حركة العبور عبر قناة السويس، وعلى التجارة بين آسيا وأوروبا.
يعكس ذلك تحوّلاً في أسلوب إدارة إيران للمواجهة؛ فبدلاً من حصر الضغط في مضيق هرمز، تسعى إلى توزيعه بين أكثر من ممرّ بحريّ، بحيث لا تبقى كلفة التصعيد محصورة في الخليج، بل تمتد إلى البحر الأحمر أيضاً. ومع دخول الحوثيين على هذا الخط، لم تعد المواجهة مرتبطة باليمن وحده، بل أصبحت جزءاً من حسابات إقليمية تستخدم فيها الممرات البحرية لرفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة وحلفائها.
تعتمد الاستراتيجية الإيرانية على الحوثيين لإبقاء باب المندب تحت التهديد، لا لإغلاقه بالكامل؛ فذلك يتطلّب ظروفاً عسكرية معقّدة. ويكفي تنفيذ هجمات محدودة أو التهديد باستهداف السفن لإبقاء أمن الملاحة عرضة للاضطراب.
الرهان الإيراني
هذه الاستراتيجية تدفع الولايات المتحدة وحلفاءها إلى التعامل مع جبهتين بحريتين في وقت واحد. فتأمين الملاحة في مضيق هرمز يختلف عن تأمين باب المندب، وهو ما يفرض انتشاراً بحرياً عسكرياً أوسع، ولفترة أطول. ولهذا، تراهن إيران أيضاً على توزيع جهود خصومها واستنزافهم بين أكثر من مسرح عمليات.
ولم تعد تداعيات المواجهة محصورة في الخليج والبحر الأحمر. فالتطورات الأخيرة في بحر قزوين تعكس تداخلاً متزايداً بين صراعات الشرق الأوسط والحرب في أوكرانيا، ما يؤكد أن نطاق الصراع آخذ في الاتساع خارج حدود الإقليم. وكلما تعدّدت مسارحه، ازدادت كلفة احتوائه وتعقدت خيارات التعامل معه.
لكن السياسة الإيرانية العدوانية تحمل مخاطر على إيران نفسها. فكلما امتدّت دائرة التهديد من مضيق هرمز إلى باب المندب، ازداد عدد الدول المتضررة. ولم يعد الأمر يقتصر على دول الخليج، بل أصبح يمسّ مصالح الدول التي تعتمد اقتصاداتها على الممرات البحرية. ولهذا تكثفت التحركات الدولية، وأصبح أمن البحر الأحمر أولوية تتجاوز حدود الإقليم. وإذا واصلت إيران توسيع دائرة المواجهة، فقد تجد نفسها أمام قناعة دولية متزايدة بأن سياسة الاحتواء لم تعد كافية، وأن إنهاء النظام الإيراني قد يكون الخيار الأكثر واقعية.
والضربات العسكرية وحدها لا تكفي لضمان أمن الملاحة. فهي قد تعطل الهجمات لفترة، لكنها لا تنهي مصدر التهديد ما دام النظام الإيراني يحتفظ بشبكة وكلائه وقدرته على استئناف التصعيد كلما تبدلت الظروف.
ويصعب بناء الثقة في أيّ تفاهم سياسيّ مقبل ما دام النظام الإيراني يحتفظ بالقدرة على تهديد الممرات البحرية. ولهذا أصبح أمن الملاحة معياراً لقياس جدية أي تسوية إقليمية وقدرتها على الاستمرار. فالتسوية الجادة هي التي تمنع تكرار الأزمات وتحمي المصالح الدولية.
توسيع الحوثيين حرب الممرات البحرية يؤكّد أن استمرار سيطرة الميليشيا الإرهابية على شمال اليمن يمنح إيران وسيلة مستمرة لتهديد الملاحة الدولية كلما أرادت تصعيد الأزمة أو زيادة الضغط على خصومها. وما لم يعالج هذا الواقع، سيبقى باب المندب معرضاً لأن يتحول مع كل أزمة جديدة إلى وسيلة ابتزاز تهدد أمن التجارة العالمية واستقرار المنطقة.
نبض