لبنان ولوكسمبورغ: تشابه الصيغة السياسية واختلاف الممارسة المؤسسية

آراء 25-07-2026 | 12:44

لبنان ولوكسمبورغ: تشابه الصيغة السياسية واختلاف الممارسة المؤسسية

لعلّ أبرز ما يميز هذا النموذج هو ثقافة التوافق التي تجعل الائتلاف الحكومي نتيجة طبيعية للنظام السياسي وليست استثناءً اضطرارياً.
لبنان ولوكسمبورغ: تشابه الصيغة السياسية واختلاف الممارسة المؤسسية
لوكسمبورغ.
Smaller Bigger

تُعدّ لوكسمبورغ من أكثر الأنظمة السياسية استقراراً في أوروبا، رغم كونها دولة صغيرة ومتعددة اللغات والثقافات، ويعود هذا الاستقرار إلى منظومة متكاملة من الآليات الدستورية والسياسية والاجتماعية التي نجحت في تحويل التعددية من مصدر محتمل للتعطيل إلى عنصر من عناصر الاستقرار، إذ إن التجربة اللوكسمبورغية لا تقوم على إلغاء الخلاف أو منع التنافس السياسي، بل على تنظيمه ضمن مؤسسات وقواعد واضحة تمنع انتقاله من مستوى التنافس على إدارة الدولة إلى مستوى الصراع على الدولة نفسها.

 

مميزات نموذج لوكسمبورغ

ولعلّ أبرز ما يميز هذا النموذج هو ثقافة التوافق التي تجعل الائتلاف الحكومي نتيجة طبيعية للنظام السياسي وليست استثناءً اضطرارياً، إذ يفرض التمثيل النسبي وجود أكثر من قوة سياسية داخل البرلمان، ما يدفع الأحزاب إلى التفاوض وتشكيل حكومات ائتلافية تقوم على برامج مشتركة واتفاقات واضحة تحدد الأولويات الاقتصادية والتشريعية وتوزيع المسؤوليات، بحيث لا يكون الائتلاف مجرد تقاسم للحقائب والمواقع، بل عقداً سياسياً يحدد ما يمكن الاتفاق عليه وما يبقى موضع خلاف، الأمر الذي يسمح بإدارة الاختلاف داخل الحكومة بدلاً من تركه يتحول إلى أزمة تعصف بها.

وفي هذا النظام، يمكن أن تتغير الحكومة وتتبدل الأكثرية، لكن الدولة لا تتوقف، إذ تبقى الإدارة العامة والمؤسسات التنفيذية والقانونية تعمل خلال مراحل الانتقال السياسي، كما تستمر الحكومة المستقيلة في تصريف الأعمال إلى حين تشكيل حكومة جديدة، بما يمنع تحول التأخير السياسي إلى فراغ دستوري أو إداري، ويؤكد أن تغيير السلطة لا يعني تغيير الدولة، وأن الحكومات تأتي وتذهب بينما تستمر المؤسسات في أداء وظائفها.

وتلعب الملكية الدستورية دوراً مهماً في الحفاظ على هذا التوازن، إذ يمثل الدوق الأكبر رمزاً لاستمرارية الدولة ويؤدي دوراً دستورياً في عملية تشكيل الحكومة، من دون أن يتحول إلى طرف حزبي ينافس الحكومة أو البرلمان على السلطة اليومية، فيما تبقى الحكومة مسؤولة أمام مجلس النواب، الذي يمارس الرقابة عليها ويملك الوسائل الدستورية لتغييرها من دون أن يؤدي ذلك إلى انهيار النظام السياسي.

ولا يقتصر الاستقرار على العلاقة بين الحكومة والبرلمان، بل يمتد إلى طريقة صناعة القوانين والسياسات، حيث تمر التشريعات عبر اللجان البرلمانية والمراجعات القانونية والمؤسسات الاستشارية، بما يسمح بدراسة النصوص وتعديلها ومعالجة الثغرات قبل إقرارها، ويحول جزءاً من الخلاف السياسي إلى نقاش مؤسساتي وتقني، كما أن وجود إدارة عامة مهنية ومستقرة يضمن استمرار الدولة وعدم إخضاع أجهزتها بالكامل لتبدل الحكومات والتحالفات السياسية.

ومن العناصر اللافتة في النموذج اللوكسمبورغي أيضاً الحوار الاجتماعي المؤسسي الذي يجمع الحكومة والنقابات وأصحاب العمل، ولا سيما في الملفات الاقتصادية والاجتماعية الحساسة، إذ يجري التفاوض حول الأجور والتضخم والتقاعد والتوظيف قبل أن تتحول الخلافات إلى أزمات مفتوحة، ما يجعل الحوار وسيلة لمنع الاحتقان وليس مجرد آلية لمعالجة نتائجه، فضلاً عن وجود قنوات أخرى للمشاركة الشعبية، مثل العرائض العامة، التي تمنح المواطنين إمكانية إيصال قضاياهم إلى المؤسسات المنتخبة بعيداً عن تحويل كل اعتراض إلى مواجهة في الشارع.

عامل الاستقرار الأهم

غير أن العامل الأهم في استقرار لوكسمبورغ ربما يكمن في طبيعة الخلاف السياسي نفسه، إذ تتنافس الأحزاب حول الضرائب والإنفاق العام والضمان الاجتماعي والإسكان والهجرة والسياسات الاقتصادية، لكنها لا تختلف، في العموم، حول شرعية الدولة أو قواعد تداول السلطة أو مرجعية القضاء أو حصرية القرار السيادي والأمني، ولذلك يبقى الخلاف داخل النظام وليس على النظام، وتصبح المنافسة السياسية تنافساً على كيفية إدارة الدولة لا على هوية الدولة ومرجعيتها.

مقارنة مع لبنان

ومن هنا تبرز أهمية المقارنة مع لبنان، حيث لا تكمن المشكلة في النصوص الدستورية ، بل في طبيعة القضايا التي يدور حولها الصراع السياسي، إذ تتجاوز الخلافات في كثير من الأحيان البرامج الاقتصادية والاجتماعية لتطال مسائل تأسيسية تتعلق بالسيادة، واحتكار الدولة لاستخدام القوة، والقرار في الحرب والسلم، والعلاقات الخارجية، وتوزيع السلطة بين الطوائف والجماعات، وعندما يصبح الخلاف متعلقاً بهذه القضايا، فإن تشكيل الحكومات وإدارة المؤسسات يتحولان بدورهما إلى جزء من أزمة أعمق تتعلق بتعريف الدولة نفسها.

لذلك، فإن الدرس الذي يمكن للبنان استخلاصه من تجربة لوكسمبورغ لا يتمثل في استنساخ مؤسساتها، فهذا أمر غير ممكن بسبب اختلاف التاريخ والتركيبة الاجتماعية والسياسية، بل في الاستفادة من منطقها في إدارة التعددية، أي بناء توافق وطني مسبق على قواعد اللعبة الدستورية وعلى الثوابت السيادية، ثم ترك المجال للتنافس السياسي حول البرامج والسياسات العامة، بحيث يصبح الاختلاف وسيلة لتطوير الدولة لا سبباً لتعطيلها.

 

فالاستقرار لا ينتج من غياب الخلاف، وإنما من وجود آليات تمنع الخلاف من التحول إلى أزمة في النظام، ويمكن اختصار التجربة اللوكسمبورغية في معادلة تقوم على التمثيل السياسي الواسع، والائتلافات القائمة على برامج واضحة، والرقابة البرلمانية، والمراجعة القانونية، والإدارة العامة الحرفية ، والحوار الاجتماعي، والتوافق على الثوابت الوطنية.

أما لبنان، فربما تكون حاجته الأساسية اليوم ليست إلى مزيد من التسويات المؤقتة أو إلى إعادة توزيع المناصب، بل إلى اتفاق أعمق على الدولة نفسها، وعلى مرجعيتها وقواعد عملها، لأن التوافق الحقيقي لا يعني أن تتقاسم القوى السياسية السلطة فحسب، بل أن تتفق أولاً على الدولة التي تريد جميعها أن تحكم في إطارها، وعندها فقط يمكن أن يتحول التوافق إلى شراكة، ومن تسوية مؤقتة إلى ثقافة سياسية، ومن مصدر للتعطيل إلى قاعدة للاستقرار.

 

وفي النهاية، فإن الدرس الأعمق من تجربة لوكسمبورغ هو أن الدولة المستقرة ليست الدولة التي لا تختلف فيها القوى السياسية، بل الدولة التي تعرف كيف تختلف من دون أن تختلف على وجودها.

 

مجلس النواب اللبناني.
مجلس النواب اللبناني.

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 7/24/2026 6:01:00 AM
تعكس الأحاديث المتداولة في بعض المجالس الخاصة لقيادات سورية تفاوتاً واضحاً في المعلومات. وقد يشير هذا التباين إلى أن الملف محصور ضمن دائرة ضيقة.
النهار بيديا 7/23/2026 9:12:00 PM
بعد أشهر من توليها وزارة التخطيط والتعاون الدولي، عُيّنت الدكتورة أفراح عبدالعزيز الزوبة وزيرةً للخارجية في اليمن، مستندة إلى خبرة تمتد لأكثر من 25 عامًا في إدارة البرامج الحكومية، والتعاون الدولي، والتفاوض مع الجهات المانحة
دوليات 7/23/2026 11:26:00 PM
عيّن الاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا) الخبيرة الاقتصادية سعدية زاهدي مديرًا عامًا له، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب، بعدما أمضت أكثر من عقدين في المنتدى الاقتصادي العالمي