العالم المشترك موضع تساؤل: التربية اللبنانيّة على محكّ مقاربة حنّة آرندت

آراء 24-07-2026 | 04:00

العالم المشترك موضع تساؤل: التربية اللبنانيّة على محكّ مقاربة حنّة آرندت

العالم المشترك لا يُصنع داخل الصفوف الدراسيّة وحدها، غير أنّ إمكان قيامه يبدأ من هناك، يوم يتعلّم التلميذ أن ينظر إلى ما يجمع البشر بوصفه عالماً واحداً يستحقّ أن يُفهم قبل أن يُحكم عليه، وأن يُصان قبل أن يُغيَّر.

العالم المشترك موضع تساؤل: التربية اللبنانيّة على محكّ مقاربة حنّة آرندت
ولدت حنة آرنت في 15 أكتوبر/تشرين الأول 1906 في هانوفر بألمانيا
Smaller Bigger

الأب صلاح أبو جوده اليسوعيّ*

"إنّ العالم مشترك لأنّه يقوم بين أولئك الذين يتشاركونه، شأنه في ذلك شأن الطاولة التي يجلس الناس حولها. وكلّ ما هو "بين-بين" يربط البشر بعضهم ببعض، وفي الوقت نفسه يفصل بعضهم عن بعض" (حنّة آرندت، الوضع البشريّ).

 

في نظر حنّة آرندت، يمثّل العالم المشترك الواقع الذي يتقاسمه البشر ويشيّدونه معاً. وهو يتكوّن من المؤسّسات، والثقافة، والأعمال، والتقاليد، والتاريخ وغيرها من العناصر التي تمنح الجماعة البشريّة إطاراً مشتركاً للعيش والفعل. وهذا العالم يسبق ولادة كلّ طفل ويستمرّ بعده، أمّا مهمّة المدرسة فلا تقتصر على نقل المعارف، بل تتمثّل أيضاً في إدخال الأطفال تدريجاً إلى هذا العالم، ليصبحوا، عندما يبلغون الرشد، قادرين على ممارسة حكمهم الحرّ وتحمل مسؤوليّتهم حياله.

 

ومن هذا المنطلق، تمنح آرندت التربية وظيفةً محافظة، لا بمعنى مقاومة التغيير، بل بمعنى صون العالم المشترك ونقله بأمانة إلى الأجيال الجديدة. فليست المدرسة مدعوّة إلى إعادة تشكيل العالم من أجل الأطفال، ولا إلى تشكيل الأطفال وفق مشروع سياسيّ أو أيديولوجيّ، بل إلى تسليمهم إرثاً واضحاً يستطيعون، لاحقاً، أن يحكموا عليه ويجدّدونه بحرّيّة.

 

ولهذا تشدّد على ضرورة استقلال المدرسة عن المجال السياسيّ، بوصفه مجالاً للصراع على السلطة والقرارات. فالطفل يحتاج إلى فضاء تربويّ يحميه من النزاعات السياسيّة المباشرة، ويتيح له تكوين حكمه الخاصّ قبل الانخراط في الحياة العامّة. فوظيفة التربية ليست حشد الأجيال لصالح مشروع معيّن، بل إعدادها لممارسة الحرّيّة والمسؤوليّة في عالم مشترك.

 

غير أنّ هذه المقاربة تفترض وجود عالم مشترك قائم سلفاً، أو على الأقلّ عالم يتمتّع بقدر من التماسك يسمح بنقله إلى الناشئة. وهنا تبرز خصوصيّة الحالة اللبنانيّة، إذ تكشف أنّ الأزمة لا تكمن في طريقة نقل هذا العالم، بل في هشاشة وجوده أصلًا بوصفه مرجعاً وطنياً متوافقاً عليه. فقد صاغت آرندت نظريّتها لمواجهة المجتمعات التي يهدّدها فائض التجانس الأيديولوجيّ، أمّا في لبنان فتبدو المعضلة معكوسة، إذ يفتقر المجتمع نفسه إلى سرديّة وطنيّة مشتركة يمكن المدرسة أن تنقلها.
ويتجلّى ذلك بوضوح في تعليم التاريخ. فلا تكمن المشكلة في تعدّد الكتب المدرسيّة في ذاته، بل في أنّ هذا التعدّد يعكس استمرار الانقسام حول قراءة تاريخ لبنان الحديث، وخصوصاً  الحروب التي عرفتها البلاد. ونتيجة لذلك، لا يزال الإرث التاريخيّ المشترك موضع نزاع، الأمر الذي يجعل المدرسة عاجزة عن نقله بوصفه معرفة وطنيّة متوافقاً عليها.

 

وفي ظلّ هذا الواقع، تجد المدرسة نفسها أمام مهمّة تختلف عمّا تصوّرته آرندت. فهي تعمل داخل مجتمع لا يزال مختلفاً حول ماضيه وهويّته السياسيّة، كما أنّ كثيراً من المؤسّسات التربويّة يبقى متأثّراً، بدرجات متفاوتة، بانتماءاته الطائفيّة وشبكات النفوذ السياسيّ والاجتماعيّ المحيطة به. وفي بعض البيئات، لا يقتصر دور المدرسة على التعليم، بل يمتدّ إلى إدماج الأطفال في ذاكرة جماعة بعينها، بما تحمله من روايات تاريخيّة ورموز دينيّة وخيارات سياسيّة، فيغدو الفصل بين الفضاء التربويّ والفضاء السياسيّ الذي دعت إليه آرندت بالغ الصعوبة.

 

غير أنّ هذا لا يفقد فلسفة آرندت قيمتها، بل يكشف حدود افتراضاتها ويدعو إلى إعادة توظيفها. فقيمتها الأساسيّة لا تكمن في افتراض وجود عالم مشترك مكتمل، بل في التمييز الحاسم بين التربية بوصفها نقلًا مسؤولاً للعالم، والتلقين بوصفه فرضاً لموقف أيديولوجيّ على الأجيال الناشئة.

 

ومن هذا المنطلق، لا يكون المطلوب من المدرسة اللبنانيّة ادّعاء وجود إجماع غير قائم، ولا فرض رواية واحدة للماضي، بل تقديم الانقسامات نفسها موضوعاً للمعرفة. فبدل إخفاء اختلاف الذاكرات أو ترجيح إحداها، تستطيع المدرسة أن تعرضها بأمانة علميّة، مبيّنةً أصولها وسياقاتها ونتائجها التاريخيّة، بحيث يصبح الاختلاف موضوعاً للفهم والنقاش، لا وسيلة لإعادة إنتاج الانقسام.

 

ولا يؤدّي هذا الخيار إلى إنشاء عالم مشترك مكتمل، لكنّه يحافظ على الشرط الذي يجعل قيامه ممكناً مستقبلاً، وذلك من خلال تنشئة التلاميذ على احترام الوقائع، والتمييز بين البحث التاريخيّ والدعاية السياسيّة، وممارسة الحكم النقديّ. فوظيفة المدرسة ليست إزالة الخلافات التي يشهدها المجتمع، بل تمكين الأجيال الجديدة من فهمها فهماً موضوعياً، بحيث تستطيع لاحقاً أن تحكم عليها من موقع المواطن الحرّ، لا من موقع الانتماء المسبق.

 

وفي هذا السياق، يكتسب مفهوم الخير العامّ أهمّيّة خاصّة. فإذا كان العالم المشترك، في نظر آرندت، هو ما يجعل الحياة السياسيّة ممكنة، فإنّ المحافظة عليه تقتضي تنشئة الأجيال على إدراك أنّ مصالح الجماعات المختلفة لا يمكن أن تستغني عن أفق أوسع تتقاطع فيه مصالح الجميع. ومن ثمّ، لا يُقدَّم الخير العامّ بوصفه شعاراً سياسياً أو مضموناً أيديولوجياً جاهزاً، بل باعتباره معياراً يحتكم إليه المواطن في تقويم الخيارات العامّة، مع بقاء مضامينه موضع نقاش ديموقراطيّ.

 

إنّ المدرسة لا تستطيع أن تخلق عالماً مشتركاً بقرار إداريّ، كما لا تستطيع أن تنهي الانقسامات التي تشقّ المجتمع اللبنانيّ. لكنّها تستطيع أن تمنع تحوّل هذه الانقسامات إلى قدرٍ تربويّ، إذا التزمت نقل المعرفة بأمانة، وصانت حرّيّة الحكم، وأعدّت الأجيال لفهم الواقع قبل الانحياز إليه. فالعالم المشترك لا يُصنع داخل الصفوف الدراسيّة وحدها، غير أنّ إمكان قيامه يبدأ من هناك، يوم يتعلّم التلميذ أن ينظر إلى ما يجمع البشر بوصفه عالماً واحداً يستحقّ أن يُفهم قبل أن يُحكم عليه، وأن يُصان قبل أن يُغيَّر.

 

-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

شمال إفريقيا 7/23/2026 9:12:00 PM
بعد أشهر من توليها وزارة التخطيط والتعاون الدولي، عُيّنت الدكتورة أفراح عبدالعزيز الزوبة وزيرةً للخارجية في اليمن، مستندة إلى خبرة تمتد لأكثر من 25 عامًا في إدارة البرامج الحكومية، والتعاون الدولي، والتفاوض مع الجهات المانحة
ايران 7/23/2026 5:59:00 PM
أعلن الموساد الإسرائيلي إحباط مخطط قال إن إيران تقف وراءه لاغتيال مسؤولين داخل إسرائيل، متهماً وزارة الاستخبارات الإيرانية بتجنيد شبكات إجرامية ومنفذين أجانب
لبنان 7/23/2026 11:30:00 AM

"القرار السياسيّ اتّخذ بوضوح في مجلس الوزراء لحصر السلاح، والنّص الدستوريّ يُخضع القوّات المسلحة اللبنانية لسلطة مجلس الوزراء، وبذلك أصبح أيّ تنفيذٍ لتفتيش منازل أو أيّ إجراء آخر ضمن سقف القانون"...

لبنان 7/23/2026 3:29:00 PM
نفت قوى الأمن الداخلي صحة الأخبار المتداولة عن العثور اليوم على حقيبة تحتوي على متفجرات في عين المريسة، موضحة أن حقيبة مشبوهة عُثر عليها أمس تبيّن بعد تفجيرها أنها فارغة.