المحامية داليدا حبشي
بعد الضغوط التي مارسها الاتحاد الأوروبي على لبنان لإلغاء عقوبة الإعدام من خلال الجمعيات الحقوقية وتعطيل عملية استرداد المجرمين ما أدى الى إعاقة الكثير من التحقيقات في الجرائم الجنائية ولاسيما التحقيق في قضية مرفأ بيروت حين رفض القضاء البلغاري تسليم مالك سفينة النيترات للقضاء اللبناني، وافقت لجنة الإدارة والعدل النيابية على مشروع قانون لإلغاء عقوبة الإعدام الذي ستتم إحالته على الهيئة العامة للتصويت عليه في مجلس النواب. حاولت اللجنة بعد درس مستفيض إرضاء كافة الأطراف السياسة والاجتماعية المناهضة والمعارضة لهذه العقوبة، حيث تم التوافق على استحداث عقوبة جديدة وهي << الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة>>، واستبدالها بعقوبة الإعدام. وهذه العقوبة تختلف قانوناً عن عقوبة <<الأشغال الشاقة المؤبدة>>، بحيث أن عقوبة << الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة>> مخصصة للجرائم الأشد خطورة" والمحكوم بها لا يستفيد من الأسباب التخفيفية والتخفيضات القانونية، مثل تخفيض السنة السجنية، أو تخفيض العقوبة، أو الاستفادة من أي قانون عفو عام أو خاص. إلا أن هذا القانون يخضع للبازار السياسي من قبل الكتل النيابية المختلفة وما لم يتم كسبه بقانون العفو العام سيحاولون كسبه في هذا القانون.
السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هل مجلس النواب الممدد لنفسه ذات الصلاحيات الاستثنائية يتمتع بصلاحية تعديل القوانين؟ وهل إلغاء عقوبة الإعدام واستبدالها بالأشغال الشاقة المؤبدة المشددة سيساعد على ضبط الجرائم والتخفيف منها ؟
في السنوات الأخيرة تكاثرت حدة الجرائم وبدل من التشدد في العقوبات تم تخفيض السنة السجنية بتعديل المادة 112 من قانون العقوبات ومؤخرا" اقتراح مشروع قانون العفو العام وما ساده من مساومات سياسية، كما تم منح الكثير من السجناء أسباب تخفيفية بحيث تم تحويل العقوبة من الإعدام الى السجن المؤبد في الكثير من الحالات عملا" بنص القانون رقم 2011/ 183.
تكاثر الجرائم الخطيرة في لبنان دفعت بمحاكم الجنايات الى إصدار أحكاما" كثيرة بالإعدام ولكنها بقيت دون تنفيذ لإعتبارات سياسية وطائفية فتحولت الى عقوبة قائمة في النص وغائبة في التطبيق، ما خلق فجوة بين القانون والواقع. فعقوبة الإعدام حتى ولوبقيت دون تنفيذ إلا إنها تشكل رادعا" معنويا" للمجرمين ولو تم تنفيذ هذه العقوبة منذ العام 2004 لكانت شكلت رادعا" أكبر وساهمت في تخفيض مستوى الجرائم في لبنان. فقانون العقوبات اللبناني نص على عقوبة الإعدام للجرائم الواقعة على أمن الدولة والقتل العمد وبعض الجرائم الخطيرة التي تدل على خطر الجاني وتأصل روح الإجرام فيه، ومن يرتكب تلك الجرائم يكون فعله أفظع من الإعدام بحد ذاته. فقانون إلغاء عقوبة الاعدام واستبدالها بالأشغال الشاقة المؤبدة المشددة سيساهم بزيادة وتيرة الجرائم، والعمل على إعادة تأهيل المجرمين سيتطلب من الدولة بذل الكثير من الجهود المادية والمعنوية وهو شبه مستحيل في حالتنا الحاضرة، والأخطر أنه قد يؤدي الى إحياء مفهوم الثأرالسائد في المجتمعات التقليدية وما يمكن أن ينتج عنه من فوضى وأخذ الحق بالذات وكل ذلك سيؤدي حكما" الى إضعاف هيبة القضاء والدولة وسلطة القانون فيها.
لبنان واقع اليوم بين مجهرين تنفيذ عقوبة الإعدام في ظل الانقسام السياسي والطائفي في لبنان بات مستحيلا" واستبدال هذه العقوبة بعقوبة أدنى سيكون كارثيا" على الأمن والمجتمع والنظام العام، فبين القانون والواقع يتفلت المجرمون وتضيع الحقوق.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
لون الحكمة والهدوء يخطف الأنظار بأناقته
نبض