105 أعوام على تأسيس الحزب الشيوعي الصيني... كيف يُقرأ سرّ التجربة الصينية؟
بعد 105 أعوام، قد تتباين الآراء حول الحزب الشيوعي الصيني، لكن من الصعب إنكار أنه كان القوة السياسية التي رافقت وقادت واحدة من أكبر عمليات التحول في التاريخ الحديث...
وارف قميحة*
«تطلعات الشعب إلى حياة أفضل هي هدف نضالنا». شي جين بينغ
في صيف عام 1921، اجتمع ثلاثة عشر شاباً في منزل متواضع في مدينة شنغهاي. لم يكن ذلك الاجتماع، في ظاهره، سوى لقاء سياسي محدود في بلد أنهكته الحروب والانقسامات والتدخلات الأجنبية. ولم يكن أحد يتوقع أن يتحول إلى بداية تجربة ستقود، بعد أكثر من قرن، واحدة من أكبر عمليات التحول في التاريخ الحديث.
في الأول من تموز/ يوليو، يحتفل الحزب الشيوعي الصيني بمرور 105 أعوام على تأسيسه. لكن أهمية هذه المناسبة لا تكمن في بعدها التاريخي وحده، بل في أنها تفتح الباب أمام سؤال يستحق التأمل: كيف استطاع حزب وُلد في دولة كانت تعاني الفقر والتجزئة والاحتلال أن يقود بلداً أصبح اليوم ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وشريكاً رئيسياً في التجارة الدولية، وأحد أبرز الفاعلين في تشكيل النظام الدولي؟
تصعب الإجابة عن هذا السؤال، إذا اكتفينا بمتابعة مؤشرات النمو أو قراءة أرقام التجارة والاستثمار. فهذه كلها نتائج؛ أما فهم التجربة فيبدأ من دراسة المؤسسة التي أدارت هذا المسار، وكيف تطورت مع تطور الدولة والمجتمع، واستطاعت أن تتكيّف مع التحولات الداخلية والخارجية من دون أن تفقد رؤيتها الاستراتيجية.
ومن يقرأ تاريخ الحزب الشيوعي الصيني يكتشف أنه لم يبقَ أسير اللحظة التي وُلد فيها. فالحزب الذي تأسّس عام 1921 ليس هو الحزب الذي أعلن قيام جمهورية الصين الشعبية عام 1949، وليس هو الحزب الذي أطلق سياسة الإصلاح والانفتاح في أواخر سبعينيات القرن الماضي، كما أنه ليس الحزب الذي يقود الصين اليوم في عصر الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي. لقد تغيرت أدواته وأولوياته وأساليب عمله، لكنه حافظ على فكرة مركزية تمثلت في بناء دولة قوية، مستقرة، وقادرة على التخطيط للمستقبل.
ولعل من أبرز أسباب استمراره أنه لم يتعامل مع الواقع باعتباره ثابتاً. فمن الثورة إلى بناء الدولة، ومن الاقتصاد الموجّه إلى الإصلاح والانفتاح، ومن التركيز على النمو السريع إلى التنمية عالية الجودة، أعاد الحزب قراءة أولوياته في كل مرحلة تاريخية، مع الحفاظ على الهدف الاستراتيجي العام. وربما تكمن هنا إحدى السمات التي تستحق الدراسة، بغض النظر عن الموقف السياسي من التجربة نفسها.
خلال زياراتي لعشرات المدن الصينية، ولقاءاتي مع مسؤولين وأكاديميين وباحثين، كنت أبحث دائماً عن تفسير لهذا التحول. لم أجد جواباً واحداً، لكنني وجدت قاسماً مشتركاً في معظم النقاشات: الإيمان بأن التخطيط طويل الأمد، والانضباط المؤسسي، والاستثمار في الإنسان، ليست شعارات سياسية، بل أدوات عملية لإدارة الدولة. وكان لافتاً أن المستقبل يحتل مساحة أوسع من الماضي في كثير من هذه الحوارات، وأن الحديث عن الخطط الخمسية، والابتكار، والتنمية عالية الجودة، والاقتصاد الأخضر، والذكاء الاصطناعي، يأتي بوصفه جزءاً من العمل اليومي، لا مجرد أهداف بعيدة.
ومع وصول الرئيس شي جين بينغ إلى قيادة الحزب، دخلت الصين مرحلة جديدة لم تعد تقيس نجاحها بمعدلات النمو الاقتصادي وحدها، بل بقدرتها على تحقيق تنمية أكثر توازناً واستدامة، تجمع بين الابتكار والعدالة الاجتماعية، وبين حماية البيئة وجودة الحياة، وبين تعزيز الاقتصاد الوطني والمساهمة في معالجة التحديات العالمية. ومن هذه الرؤية انطلقت مبادرات مثل الحزام والطريق، والتنمية العالمية، والأمن العالمي، والحضارة العالمية، والحوكمة العالمية، في إطار رؤية صينية لدور أكثر فاعلية في الشؤون الدولية.
وعشية الذكرى الخامسة بعد المئة، أعلن الحزب أن عدد أعضائه تجاوز الـ 101 مليون عضو، وهو أكبر حزب سياسي في العالم، فيما يحمل ما يقارب ستين في المئة من أعضائه تعليماً جامعياً أو أعلى. ولا تعكس هذه الأرقام اتساع القاعدة التنظيمية فحسب، بل تشير أيضاً إلى اهتمام متواصل بتطوير الكفاءة البشرية في إدارة دولة بحجم الصين وتعقيداتها.
وفي العالم العربي، لم يعد الاهتمام بالحزب الشيوعي الصيني يقتصر على العلاقات الرسمية بين الدول، بل امتدّ خلال السنوات الأخيرة إلى الحوار الحزبي، وتبادل الخبرات في مجالات الإدارة والتنمية والحوكمة. ويعكس هذا الاهتمام إدراكاً متزايداً بأن فهم الصين المعاصرة لا يكتمل من دون فهم المؤسسة التي قادت مسيرتها طوال أكثر من قرن. فالصين، بالنسبة إلى كثير من الدول العربية، لم تعد شريكاً اقتصادياً فحسب، بل أصبحت أيضاً تجربة تستحق الدراسة، بما حققته من إنجازات في التخطيط الاستراتيجي، وبناء المؤسسات، والتنمية طويلة الأمد.
لكن دراسة التجربة الصينية لا تعني البحث عن نموذج جاهز للاستنساخ؛ فلكلّ دولة تاريخها وثقافتها وخصوصيتها. وإنما تعني الاقتراب منها بعقل الباحث، بعيداً عن الأحكام المسبقة، لفهم كيف تتشكّل السياسات، وكيف تُبنى المؤسسات، وكيف تتحول الرؤى إلى برامج عمل تمتدّ لعقود.
بعد 105 أعوام، قد تتباين الآراء حول الحزب الشيوعي الصيني، لكن من الصعب إنكار أنه كان القوة السياسية التي رافقت وقادت واحدة من أكبر عمليات التحول في التاريخ الحديث. ومن هنا، فإن دراسة الحزب اليوم لم تعد شأناً صينياً داخلياً، بل أصبحت مدخلاً لفهم تجربة أثرت في الاقتصاد العالمي، وفي مفاهيم التنمية، وفي النقاش الدائر حول دور الدولة في صناعة المستقبل.
لقد أدركت، من خلال زياراتي المتكررة إلى الصين، أن فهم هذا البلد لا يبدأ من ناطحات السحاب، ولا من أرقام التجارة، ولا حتى من حجم الإنجازات الاقتصادية؛ فكلّ ذلك يمثل نتائج لمسار أعمق، بدأ برؤية، واستند إلى مؤسسات، واستمر عبر التخطيط والمراجعة والتطوير.
ولعل الذكرى الخامسة بعد المئة لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني لا تدعونا فقط إلى قراءة تاريخ حزب، بل إلى التأمل في تجربة أمة استطاعت، خلال قرن واحد، أن تنتقل من موقع الباحث عن النهضة إلى موقع الشريك المؤثر في رسم ملامح القرن الحادي والعشرين.
إن أفضل طريقة لفهم الصين ليست في أن نسأل كيف صعدت فحسب، بل كيف فكّرت وهي تصعد...
*رئيس الرابطة العربية الصينية للحوار والتواصل/ رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية
نبض