فراس الأمين يروي ذكريات من عمله في "النهار": سوف ترى يا نعمان!
فراس الأمين
يتنهد عادل السمرا ويحمل "المواد" من طبقة إلى طبقة في مبنى "النهار". ينقلها إلى الثانية، حيث المدير فرنسوا عقل، أو إلى الثامنة، حيث الراحل الكبير أنسي الحاج، العبقري، أو إلى إدمون صعب، "التنفيذي"، على ما كان يسمّيه جوزف نصر.
من هو نعمان يا عادل؟
النعمان بن المنذر اللخمي. آخر ملوك المناذرة في الحيرة (جنوب العراق حاليا) وأشهرهم قبل الإسلام. كسرى الساساني الفارسي توعد النعمان. سجنه وقتله.
لم تكن "النهار" في أول الحمراء مجرد صحيفة. كانت أشبه بجامعة، قلعة، مختبر لغوي، أدبي، سياسي، علمي، رياضي، ثقافي، تربوي.
لبنان بأسره، بأقضيته ومحافظاته وسياسييه ومصرفييه وزعاماته وقبضاياته وعسكرييه وأدبائه ورساميه ومثقفيه وشعرائه وحتى مجانينه، كانوا جميعهم متصلين بالجريدة.
عندما دعتني سحر بعاصيري، أستاذتي في الBUC للتدرب في الصحيفة، كنت من الأصغر سناً. أُقفلت الجريدة باب التوظيف خلال الحرب ولم يتسرب إليها الجيل الجديد.

سبقتني رلى معوض التي سجلت حديثاً مع الرئيس إلياس الهراوي من دون معرفته وأتت به إلى "النهار"، نشرت الجريدة الحديث، غضب الهراوي على الجريدة، لم تأبه "النهار" واحتفظت برلى صحافية ٣٥ عاماً.
بدأت ستة أشهر في قسم التربية والطلاب مع الرفيق أمين قمورية. أزور المدارس، أغطي الندوات، أخبار الجامعات، أكتب، وأرسلها إلى المدير ثم يعيدها إلي حمراء دامية من التصحيح. يقول: إقرأها وارمِها هنا في سلة المهملات.
إذا نُشر الخبر في اليوم التالي، فلا يمت بصلة إلى ما كتبت. صياغة مختلفة.
كدت أجنّ. لكنني تعلمت. ستة أشهر، ولم يُنشر لي حرف.
كانت لـ"النهار" لغتها الخاصة في كلماتها وصياغتها وجملها وعناوينها.
مثلاً، إبرهيم نكتبها بلا ألف، "إبراهيم" خطأ، "إبرهيم" صح.

الثلثاء لا الثلاثاء.
"على الرغم من أن"؟ بسّطها... "رغم" تكفي.
الغير مناسبة؟ غير لا تُعرّف. غير المناسبة.
المدير إذا سألته يضحك ويجيب: "إجري بحديثك يا ابني"، فهمت لاحقاً أنه يعني "حلّ عني"، أما أنسي فيجيب "اقرأوا القرآن وتعلموا اللغة".
طلب مني فرنسوا أن أغطي افتتاح الموسم الدراسي. زرت المقاصد والمدارس الكاثوليكية والإنجيلية ومدرستي الليسيه.
كتبت وأنا متيقّن أنه سيرمي القطعة في المهملات مجددا. عاد بعد قليل إلى المكتب وقال لي "منيحة، ضع عنواناً". وضعت: "مدارس فتحت، تفتح، ستفتح، جيوب فرغت، تفرغ، ستفرغ". نشرها موقّعة باسمي!
لم أصدّق عيني في الصباح التالي.
بعد الظهر، رمى لي مغلفاً أسمر على الطاولة قائلا "املأ طلب التوظيف".
دخلت الجريدة رسمياً مثخناً بدروس قلمه الأحمر ورائحة سيغاره على الأوراق السمراء.
ثلاث سنوات في قسم التربية والطلاب، وتوليت رئاسته بعدما انتقل أمين إلى الدوليات.
عام ١٩٩٣ عاد جبران من باريس.
عاصفة كاملة أعادت تشكيل الجريدة. أدخلها إلى العصر. المكننة، الطباعة، الكومبيوتر!
في إحدى الليالي زار وليد جنبلاط - تدرب في "النهار" أيضاً- المدير فرنسوا عقل.
مازحه: "شو قالولي استبدلوك بالكومبيوتر!" قهقه المدير. استمر بعد هذه الزيارة ٣٠ سنة إضافية في الصحيفة. بقي إلى سنوات خلت. لم يستطع أي كومبيوتر أن يحلّ محلّ فرنسوا عقل. غادرها عن عمر يناهز الـ٩٥ عاماً. الأصح أنه لم يغادرها، بل توقف عن العمل فيها. لا يمكنك أن تغادر "النهار" إذا عملت فيها ذلك الزمان. تبقى في داخلك ولو جارت عليك. الخورية الصديقة مي ضاهر يعقوب توافقني الرأي على ما أظن.
توطدت المعرفة والصداقة مع جبران. أطلق "نهار الشباب". اصطحبني معه في أكثر من رحلة. مصر. المغرب، بلجيكا...
عاصفته تسافر معه. في مصر جعل ضابطاً بأربعة نجوم يقودنا في جولة على مدرجات المطار لأن وقت انتظار الرحلة كان طويلاً.
كادت أن تدهسنا طائرة على المدرج! ضحك من قلبه.

في المغرب قرر أن يطير بنا. استأجر طائرة بمحرك واحد ومروحة كبيرة.
جلس هو والطيار المدرب في الأمام، وأنا والزميل علي حماده في الخلف. عندما صرنا فوق جبال الأطلس قال انظروا ماذا سأفعل. أطفأ محرك الطائرة! ثم أعاد تشغيله بعد بضع دقائق. توقف قلبي هلعاً ولم يعمل طبيعياً إلا بعدما أعاد جبران تشغيل المحرك وصارت المروحة تدور مجددا… تنفسنا! لا أذكر لون علي حماده في تلك للحظة، وهل خاف بقدر ما خفت.
اختارني جبران لأكتب أول موضوع غلاف لـ"نهار الشباب"، كان العنوان "الإضراب ممنوع".
انضم لاحقاً الزميل الصديق علي بردى، تولى هو التربية والطلاب بعدي بحنكته وأدبه في الكتابة.
انتقلت إلى الدوليات وبقيت أكتب لـ"نهار الشباب".
في الدوليات رئيستنا سحر بعاصيري، معلمتي. ألمع الصحافيات العرب في زمانها وأول كاتبة عمود في الصفحة الأولى.
كنت أشعر دوماً بحماستها وحمايتها لي. في المقابل، ارتكبتُ من الأخطاء ما هبّ ودبّ.
في إحدى الليالي سألتُ أمين، معلمي في الصحيفة هو الآخر، ما الاسم الأول لموسيفيني - الرئيس الأوغندي-؟ سمعها أمين، موسوليني... أجابني "بينيتو".
الوقت بعد منتصف الليل، بينيتو... كتبتها. ترك المدير مكتبه وصعد إلينا في الطبقة الرابعة: "ماذا كتبت يا بني؟؟"
عدت إلى بيت أهلي في كورنيش المزرعة سيراً، كما في معظم الليالي- بسبب الطفر- ولكن مطأطئ الرأس. "اسمه يويري موسيفيني، مش بينيتو!" لا يزال صوته في أذني.
العزيز سميح صعب، الذي انتقل من "السفير"، أعطاني قطعة عن أفغانستان لأعمل عليها. فيها اسم زعيم قبلي اسمه شقيق صقيق. طلب مني المدير يومها الاتصال بأقرب سفارة أفغانية للتحقق من اسمه، هل هو أخوه لصقيق أو اسمه فقط شقيق؟ كانت الأولى ليلاً. لا إنترنت يومها ولا سفارة ولا من يحزنون. عجزت.
ظل المدير يقول عن سميح، حتى بعد عقد في "النهار"، "هذا الذي أتى من السفير".
لم ييأس مني. طلب أن أجري مقابلة مع قائد في المعارضة السودانية الجنوبية هو أوروك تون أوروك. حضر إلى الحمراء مع ثلاثة سودانيين بينهم امرأة من النادي السوداني قرب الجامعة الأميركية. كان في زيارة لبيروت. أربعة عمالقة في المكتب. القصير متران. كتبت المقابلة وتصورت معه. صورنا سامي عيّاد الفنان. سافر أوروك إلى السودان. هوت به الطائرة وقضى! عاد رفاقه وطلبوا الصورة.
في اليوم التالي شاهدت صورتي مع "الشهيد أوروك تون أوروك" بالأسود والأبيض ملصقة في شوارع الحمراء قرب النادي السوداني. رحمه الله…
إثر تولّي أنسي رئاسة التحرير، صرنا نقرأ له عناوين الصفحة الأولى، بعد الثانية فجراً. ينقحها بقلمه السحري الشعري ويوافق عليها.
سميح تحدث إليه وعلّق: "نيال أنسي، يجلس بعد عناء العمل قرب نبع ماء، أسمع الخرير، ربما في فوار أنطلياس".
أنسي كان يروّح عن نفسه، بعد العمل وقراءة هموم الدنيا، ولكن ليس في فوار أنطلياس بل في كازينو لبنان. والصوت لم يكن صوت نبع ماء بل صوت النقود المعدنية تنزل من آلات القمار.
جاء دوري لقراءة العناوين. ليلة تاريخية: انسحاب بريطانيا من هونغ كونغ ودخول الصين. لمعت معي ووافق أنسي: "خرج الأسد دخل التنين!" طبعناه على الصفحة الأولى.
صلة الوصل بيننا جميعاً على الهاتف كان هيكل عماد، ومعروف. سنترال "النهار". سنترال العالم في تلك الأيام.
في هذه الأثناء جبران كان يواصل عاصفته ويهدم الأسوار. الشهيد، شهيد لبنان، قرر أن يقتحم أرنون ويحررها من الاحتلال الإسرائيلي. أخذ شباب "النهار" معه. مسلمين ومسيحيين، موحدين إلى آبد الآبدين.
نزع السياج ودخلها مع الصبايا والشباب الذين رافقوه رغم أنف الجيش الإسرائيلي!
وضع الرئيس إميل لحود صورة الاقتحام في القصر الجمهوري وتحتها وعاء تراب من أرنون، في صدر الصالة الكبرى!
سمعت أن رئيساً بعده أزالها…
واجه جبران، على طريقته، كل من استعدى لبنان. جعل "النهار" قلعة حداثة في الإعلام وطورها بكل ما استطاع من قوة.
عمّي المؤرخ حسن الأمين كان يصف غسان تويني بأنه من معجزات العرب، و"النهار" أعطت لبنان والعالم العربي أرقى إعلامه وبعض أفضل إعلامييه إلى اليوم.
غسان منح لبنان عمره وجبرانه شهيداً.
كنا محظوظين لأننا عملنا في "نهار" الحمراء.
أعود إلى عادل السمرا.
والده من عشائر العرب. اعتنى بحديقة الرئيس شمعون في السعديات. أعطاه الرئيس أرضاً بنى فيها بيتاً هناك.
بقي عادل يحمل الأوراق بين الطبقات في مبنى "النهار" في الحمراء حتى مات. ظل يردد "سوف ترى يا نعمان". رحل كسرى ولو قتل النعمان.
هناك من قال لهذا الوطن "سوف ترى يا لبنان". اسمع: اللون الأحمر شذّب الكلمات وسيّج الحدود أكثر من مرة. الصوت واحد: سترحل والأرض لنا. إنه لبنان!
نبض