قصة الإمام الحسين بين آفاق العاطفة والمنفعة
فلاح المشعل
لعلّ الشيعة هم الطائفة الوحيدة بين طوائف المسلمين التي تستذكر الإمام الحسين بن علي (عليه السلام) بالبكاء والرثاء واللطم والدموع، بل بممارساتٍ تصل إلى تعذيب الجسد وإسالة الدم.
تلك هي عواطف عامة الشيعة، بينما يحاول الفقهاء والباحثون من الشيعة، بقدرٍ من الموضوعية، إعادة قراءة التاريخ على نحوٍ يجعل من نهضة الإمام الحسين واستشهاده حلقةً في منهجٍ تاريخي يفسّر تسلسل أحداث الصراع الذي شغل التاريخ الإسلامي بعد رحيل الرسول محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
القداسة والعواطف
لقد أصبحت عواطف العامة، وخصوصاً فقراء المسلمين، ومنهم الشيعة، المفتاح الأمثل لإدامة مشروع القداسة وزخم الذكرى، بعد إدخالها في سيناريوات تراجيدية ودراما رثائية، ونبضٍ متوجع من آثار قسوة الزمن، ينضح شعراً وسجعاً يكرّسان حالةً من التطهير الذاتي، وحزناً يبتكر حزناً آخر، في آفاق زمنية تتوالى من دون الانتقال خارج حدود العاطفة.
إذن، الموضوع يتحرك داخل فضاء العاطفة وأحوال العامة، وهي تتفنن في التعبير عنه إرضاءً للحب العالق في أعماقها للإمام الحسين. وما يحدث هو علاقة خارجية مع الحدث، لا تنفذ إلى جوهر المعنى الحسيني، بل تمثل نوعاً من التنفيس الجمعي، يرتبط قبل كل شيء بغياب الرمز القادر على إعادة العدالة الاجتماعية، وتقديم مصالح العامة، وإنهاء الظلم الواقع عليها.
إن معظم السرديات الدينية والمذهبية يقوم على تقديس ما هو بشري وعادي، وحينما يمارس التاريخ تضخيم تلك السرديات، فإنها تبلغ أعلى مراتب القداسة، وتتحول إلى "تابو" يمنع مناقشة ما يخالف منطقها، خصوصاً في المجتمعات التي تعجز عن إنتاج أساطيرها المعاصرة.
لقد استثمر الصراع السياسي وتصادم مصالح الطبقات في قضية الإمام الحسين، فحوّلها إلى إحدى أيقونات التاريخ، كما أصبحت غطاءً لبعض النزعات الشعوبية، واستغلتها طبقات الثراء من الشيعة والسنة في تنمية البعد الطائفي اقتصادياً وسياسياً، وما زالت تلقي بظلالها على بعض العلاقات الدولية، وتؤطرها بوحدة الموقف السياسي.
إن قضية الإمام الحسين لم تُقرأ في عصرنا الحديث قراءةً تاريخيةً منهجية تستند إلى التحليل الموضوعي، وإلى الدلائل والمصادر الموثوقة، ويعود ذلك إلى جملة من العوامل، أهمها:
أولاً: إن مراجع التاريخ ومصادر التدوين التاريخي لم تحظَ بإجماع جميع المذاهب والطوائف الإسلامية، الأمر الذي يجعل الوصول إلى الحقائق غايةً في الصعوبة، ويفتح المجال واسعاً أمام المنابر والروايات غير المنضبطة التي لا تخضع دائماً لما يقوله الفقهاء أو الباحثون.
ثانياً: عندما يتعلق الأمر بشخصية مقدسة لدى طائفةٍ ما، فإن الباحث في المجتمعات العربية والإسلامية لا يجرؤ غالباً على إخضاعها للمحاكمة العلمية والنقد التاريخي، لأنه سيصطدم بالمؤسسة الدينية من جهة، وبعواطف العامة من جهة أخرى، التي ترى في تلك الشخصية قدسيةً لا يجوز الاقتراب منها بالنقد أو المراجعة.
ثالثاً: ثمة طبقات سياسية وتجارية، إلى جانب فئات من رجال الدين، تقوم سلطتها ونفوذها على ترسيخ مظاهر التقديس ومراسيمه، التي بلغت في بعض الأحيان مستويات عالية من البذخ والاستعراض خلال المناسبات الدينية، ومنها ذكرى استشهاد الإمام الحسين بن علي.
نبض