موسكو وكييف: تصعيد متبادل واستنزاف للطرفين
د. خالد العزي*
لقد أظهر الردّ الأوكراني على الضربات الروسية أنه لم يكن رداً تقليدياً أو محدوداً، بل اتجه نحو بناء معادلة ردع جديدة تقوم على مبدأ "المعاملة بالمثل".
وبذلك، لم تعد العمليات العسكرية تقتصر على الجبهة أو المناطق الحدودية، بل امتدت لتشمل العمق الاستراتيجي للطرفين. وقد برزت محاولات متبادلة لاستهداف العواصم، حيث قابلت الهجمات على كييف ردود أوكرانية طالت مواقع داخل العمق الروسي، بما في ذلك محيط العاصمة موسكو.
يعكس هذا التصعيد انتقال الحرب إلى مستوى أكثر حدة واتساعاً، إذ لم تعد المواجهة مجرد عمليات عسكرية محدودة، بل أصبحت حرب استنزاف طويلة الأمد ذات طابع تدميري متبادل. وقد أسهم هذا النمط من التصعيد في تعميق حالة العداء بين الطرفين وإطالة أمد الصراع، مع ما يترتب عليه من انعكاسات خطيرة على المجتمعات والبنى التحتية في كلا البلدين.
كما يبدو أن استمرار هذا النهج التصعيدي يرسخ حالة من الاستقطاب الحاد، ويجعل من الصعب التوصل إلى تسوية قريبة، في ظل غياب الثقة وتزايد منطق الرد بالمثل، بما يحوّل الصراع إلى مواجهة مفتوحة ذات كلفة إنسانية ومادية مرتفعة على الجانبين.
المسيّرات والتحول الجذري في الحرب
برزت "حرب المسيّرات" كأحد أهم التحولات النوعية في هذا الصراع، حيث تجاوزت الطائرات المسيّرة حدود الاستخدام التقليدي لتصبح أداة مركزية في إعادة تشكيل ميزان القوى العسكري. وقد أثبتت هذه التكنولوجيا قدرتها على استهداف العمق الاستراتيجي بدقة وكلفة منخفضة نسبياً، مع تقليص الحاجة إلى العمليات البرية واسعة النطاق.
وساهمت أوكرانيا في تطوير هذا النمط من الحرب عبر توظيف إمكاناتها التكنولوجية المتاحة قبل الحرب، والاعتماد على الابتكار في مجال الأنظمة غير المأهولة، بما مكّنها من بناء قدرات ردع غير تقليدية. ويعكس هذا التوجه سعياً لتعزيز القدرة الذاتية على التأثير في مجريات الحرب وتقليل الاعتماد على الدعم الخارجي المباشر.
ومع تصاعد استخدام المسيّرات، باتت البنية الاقتصادية والعسكرية الروسية تواجه ضغوطًا متزايدة، لا سيما في قطاعات النقل والإمداد والطاقة، حيث امتدت تأثيرات الضربات إلى مساحات جغرافية واسعة داخل روسيا. وبذلك أصبحت المسيّرات عنصرًا فاعلًا في إعادة تشكيل طبيعة الصراع، من مواجهة تقليدية إلى حرب تكنولوجية معقدة تقوم على الاستنزاف الدقيق والمستمر.
الكلفة والخسائر والتداعيات على الطرفين
هنا يمكن الإشارة إلى أنه في أعقاب بعض الهجمات الأوكرانية التي استهدفت العمق الروسي، بما في ذلك ضربات بطائرات مسيّرة داخل محيط العاصمة موسكو، برزت مؤشرات على أن الصراع تجاوز الأبعاد التقليدية للجبهات العسكرية إلى مستويات أكثر رمزية واستراتيجية. وفي تصاعد الاعتبارات الأمنية المحيطة بالفعاليات العسكرية الكبرى داخل روسيا، بما في ذلك الإجراءات الاحترازية المرتبطة بالعروض العسكرية في الساحة الحمراء، سواء من حيث التنظيم أو التوقيت أو مستوى الحماية.
ويعكس هذا التطور إدراك كل طرف لأهمية البعد الرمزي والسياسي للأهداف، وليس فقط البعد العسكري المباشر، حيث أصبحت الفعاليات السيادية والعسكرية جزءًا من معادلة الردع المتبادل، بما يعكس انتقال الصراع إلى مستوى أكثر تعقيدًا يجمع بين البعد العسكري والنفسي والإعلامي.
ويتضح أن الحرب لم تعد محصورة في نطاقها التقليدي، بل تحولت إلى صراع متعدد الأبعاد تتداخل فيه الرسائل العسكرية مع الرمزية السياسية، في سياق سعي كل طرف إلى تعزيز موقعه في معادلة القوة والردع.
بالنهاية، إن استمرار هذا النمط من التصعيد يجعل من الصراع حرب استنزاف طويلة الأمد ذات كلفة بشرية ومادية مرتفعة على الجانبين، دون مؤشرات واضحة على إمكانية الحسم العسكري السريع، مع ما يفرضه ذلك من تحديات جدية أمام مستقبل الاستقرار الإقليمي والدولي، في ظل اتساع رقعة التأثيرات الإنسانية والاقتصادية.
فإن طبيعة هذا الصراع تفرض على الفاعلين الدوليين ضرورة تعزيز الجهود الرامية إلى احتواء التصعيد، والعمل على الدفع نحو مسارات سياسية ودبلوماسية أكثر فاعلية، بما يحد من استمرار التدهور ويخفف من حدة التداعيات المتزايدة على المنطقة والعالم.
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية
نبض