من نار الحرب إلى نار الإيجارات... النازح يدفع الثمن مرتين
حسين سعيد
لم تكن عودة النازحين إلى قراهم ومدنهم بعد توقف الحرب نهاية المعاناة كما كانوا ينتظرون، بل كانت بداية مواجهة جديدة لا تقل قسوة: مواجهة البحث عن مسكن.
فالإنسان الذي خرج من بيته تحت ضغط الخوف والدمار، لم يحمل معه سوى الأمل بالعودة. كان يعتقد أن أصعب مرحلة انتهت، وأن العودة مهما كانت مؤلمة ستكون بداية لاستعادة حياته. لكن كثيرين عادوا ليجدوا أن البيت لم يعد بيتاً: إما أنه تهدم، أو أصبح غير صالح للسكن، أو أن مناطقهم ما زالت عاجزة عن استقبالهم، فبدأوا رحلة جديدة بحثاً عن مأوى مؤقت يحفظ لهم ما تبقى من كرامتهم.
هنا ظهرت أزمة السكن كواحدة من أقسى نتائج الحرب. فالنازح الذي فقد منزله ومصدر رزقه وجد نفسه أمام سوق لا يرحم، حيث تحولت الحاجة إلى مسكن إلى عبء جديد، وارتفعت الإيجارات لتصبح فوق قدرة عائلات أنهكتها الخسائر.
المؤلم أن كثيرين ممن اضطروا إلى النزوح خلال الحرب عاشوا في بيئات مختلفة عن بيئتهم الأصلية، وتحملوا صعوبة المرحلة على أمل أن تكون العودة عودة إلى الأمان والاحتضان. لكن المفارقة القاسية أن بعضهم وجد عند عودته أن كلفة السكن لا تقل قسوة عما واجهه أثناء النزوح، وربما تفوقها أحياناً.
وهنا لا يصبح السؤال فقط عن ارتفاع الأسعار، بل عن معنى التضامن في زمن الحاجة. فالنازح لا يبحث عن امتياز ولا عن معاملة خاصة، بل عن مكان بسيط يؤوي أبناءه ويمنحه فرصة للوقوف من جديد. وأصعب ما يشعر به الإنسان أن تتحول حاجته، بعد كل ما مر به، إلى باب للاستغلال.
في هذه المرحلة يظهر دور الجهات التي لطالما قدمت نفسها كحاضنة لهذه البيئات. فالحاضنة الحقيقية لا تُقاس فقط بالشعارات التي تُرفع في زمن الخطر، ولا بقدرة الناس على الصمود والتحمل، بل بما تقدمه عندما تنتهي المعركة ويبدأ الناس مواجهة آثارها اليومية.
كان المطلوب أن تكون هناك سرعة في تأمين بدلات الإيجار، ومواكبة حركة سوق السكن، ومنع استغلال حاجة العائلات التي فقدت منازلها. فالوقوف إلى جانب الناس لا يكون فقط في لحظة المواجهة، بل في اللحظة التي يصبح فيها الإنسان عاجزاً عن تأمين أبسط حقوقه: سقف يحمي عائلته.
لقد أثبتت التجارب أن الحرب لا تنتهي عندما تصمت المدافع فقط، بل عندما يستطيع الإنسان أن يعود إلى حياة طبيعية. أما أن يعود النازح من مكان نزوحه ليجد نفسه نازحاً داخل بيئته، فهذه مأساة أخرى لا تقل وجعاً.
فالبيوت يمكن أن تُرمم بالحجارة، لكن الثقة عندما تتصدع تحتاج إلى وقت طويل كي تُبنى من جديد. لأن النازح لم يدفع ثمن الحرب فقط... بل وجد نفسه يدفع ثمن العودة أيضاً.

نبض